آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
ج٣ / ص٢١٤( آدَابُ ) الشَّيْخِ ( الْمُحَدِّثِ ) عِنْدَ إِرَادَةِ الرِّوَايَةِ ، وَمَعَ الطَّالِبِ وَفِي الرِّوَايَةِ وَالْإِمْلَاءِ ، وَمَا يَفْعَلُهُ الْمُسْتَمْلِي ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ . وَقُدِّمَتْ عَلَى آدَابِ الطَّالِبِ الَّتِي كَانَ الْأَلْيَقُ تَقْدِيمَهَا ؛ إِمَّا لِكَوْنِهَا أَشْرَفَ ، أَوْ لِمُنَاسَبَتِهَا لِأَكْثَرِ الْفُرُوعِ الَّتِي فِي صِفَةِ الرِّوَايَةِ وَالْأَدَاءِ . وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ كِتَابًا حَافِلًا لِآدَابِ كُلٍّ مِنْهُمَا سَمَّاهُ ( الْجَامِعَ لأخلاق الرَّاوِي وآداب السَّامِعِ ) وقَرَأْتُهُ ، وَكَذَا لِأَبِي سَعْدِ ابْنِ السَّمْعَانِيِّ ( أَدَبُ الْإِمْلَاءِ وَالِاسْتِمْلَاءِ ) .
( وَصَحِّحِ ) أَيُّهَا الْمُرِيدُ للرِّوَايَةَ ( النِّيَّةَ فِي التَّحْدِيثِ ) وَقَدِّمْهَا عَلَيْهِ بِحَيْثُ تَكُونُ فِي ذَلِكَ مُخْلِصًا لِلَّهِ لَا يَشُوبُكَ فِيهِ غَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ ، بَلْ طَاهِرَ الْقَلْبِ مِنْ أَعْرَاضِهَا وَأَدْنَاسِهَا ، بَعِيدًا عَنْ حُبِّ الرِّيَاسَةِ وَرُعُونَاتِهَا وَدَسَائِسِهَا ، كَالْعُجْبِ وَالطَّيْشِ وَالْحُمْقِ وَالدَّعْوَى بِحَقٍّ ، فَضْلًا عَنْ بَاطِلٍ ، لَا تُحِبُّ أَنْ يَحْمَدَكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا تُرِيدُ بِهِ مَعْنًى سِوَى التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ . وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ فَمَا صَنَعْتَ شَيْئًا ، وَلَا تَأْمَنُ أَنْ يَقُولَ لَكَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِينَ قَوْلِكَ : ( تَعَلَّمْتُ فِيكَ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ ) - : ( كَذَبْتَ ، وَلَكِنْ لِيُقَالَ : قَارِئٌ ، فَقَدْ قِيلَ ) . ثُمَّ ج٣ / ص٢١٥يُؤْمَرُ بِمَنْ يَكُونُ كَذَلِكَ فَيُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُلْقَى فِي النَّارِ ، إِذِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ .
وَانْظُرْ إِلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعِلْمِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ سَامِعَ خَلْقِهِ ، وَصَغَّرَهُ وَحَقَّرَهُ ) . وَ ( رُبَّ قَائِمٍ ، أَوْ صَائِمٍ ، حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ ، أَوْ صِيَامِهِ ، السَّهَرُ ، أَوِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ) نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ . وَمِنْ هُنَا وَقَفَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ عَنِ التَّحْدِيثِ إِلَّا بَعْدَ نِيَّةٍ صَحِيحَةٍ .
قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ لَمَّا سَأَلَهُ الثَّوْرِيُّ التَّحْدِيثَ : حَتَّى تَجِيءَ النِّيَّةُ .
وَقَالَ أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ لِمَنْ سَأَلَهُ أَيْضًا : لَيْسَتْ لِي نِيَّةٌ . فَقِيلَ لَهُ : إِنَّكَ تُؤْجَرُ ، فَقَالَ :وَقَالَ كُلْثُومُ بْنُ هَانِئٍ - وَقَدْ قِيلَ لَهُ : يَا أَبَا سَهْلٍ حَدِّثْنَا - : إِنَّ قَلْبِي لَا خَيْرَ فِيهِ ، مَا أَكْثَرَ مَا سَمِعَ وَنَسِيَ .تمَنُّونَنِي الْخَيْرَ الْكَثِيرَ وَلَيْتَنِي نَجَوْتُ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَا
وَهُوَ لَوْ شَاءَ فَعَلَ ، كَمَا قَالَهُ أَبُو زُرْعَةَ السَّيْبَانِيُّ ، وَلَكِنَّهُ أَشْفَقَ مِنَ الزَّهْوِ وَالْعُجْبِ حِينَ نَصَّبُوهُ . ج٣ / ص٢١٦
وَنَحْوُهُ قَوْلُ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، إِنَّ لِذِكْرِ الْإِسْنَادِ فِي الْقَلْبِ خُيَلَاءَ .وَتَصْحِيحُ النِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي كُلِّ عِبَادَةٍ ، إِلَّا أَنَّ عَادَةَ الْعُلَمَاءِ تَقْيِيدُ مَسْأَلَتِنَا بِهِ ، لِكَوْنِهِ قَدْ يَتَسَاهَلُ فِيهِ بَعْضُ النَّاسِ أَوْ يَغْفُلُ عَنْهُ ، لَا سِيَّمَا وَالْحَدِيثُ عِلْمٌ شَرِيفٌ يُنَاسِبُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنَ الشِّيَمِ ، وَيُنَافِرُ مَسَاوِئَ الْأَخْلَاقِ وَمَشَاينَ الشِّيَمِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ، وَالنِّيَّةُ تَعِزُّ فِيهِ لِشَرَفِهِ .
وَيَسْتَفِزَّ صَاحِبَهُ اللَّعِينُ بِهَدَفِهِ ، وَمَنْ حُرِمَهُ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَمَنْ رُزِقَهُ بِشَرْطِهِ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ، وَنَالَ أَجْرًا كَبِيرًا ، وَهُوَ مِنْ عُلُومِ الْآخِرَةِ لَا مِنْ عُلُومِ الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لِذَاتِهِ لَا صِنَاعَةٌ .
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ : لَيْسَ طَلَبُ الْحَدِيثِ مِنْ عُدَّةِ الْمَوْتِ ، وَلَكِنَّهُ عِلَّةٌ يَتَشَاغَلُ بِهِ الرِّجَالُ . إِذْ طَلَبُ الْحَدِيثِ-
كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ : شَيْءٌ غَيْرُ الْحَدِيثِ.
قَالَ : وَهُوَ اسْمٌ عُرْفِيٌّ لِأُمُورٍ زَائِدَةٍ عَلَى تَحْصِيلِ مَاهِيَّةِ الْحَدِيثِ ، وَكَثِيرٌ مِنْهَا مَرَاقٍ إِلَى الْعِلْمِ ، وَأَكْثَرُهَا أُمُورٌ يَشْغَفُ بِهَا الْمُحَدِّثُ ، مِنْ تَحْصِيلِ النُّسَخِ الْمَلِيحَةِ ، وَتَطَلُّبِ الْإِسْنَادِ الْعَالِي ، وَتَكْثِيرِ الشُّيُوخِ ، وَالْفَرَحِ بِالْأَلْقَابِ ، وَتَمَنِّي الْعُمُرِ الطَّوِيلِ لِيَرْوِيَ ، وَحُبِّ التَّفَرُّدِ ، إِلَى أُمُورٍ عَدِيدَةٍ لَازِمَةٍ لِلْأَغْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ لَا لِلْأَعْمَالِ الرَّبَّانِيَّةِ . قَالَ : فَإِذَا كَانَ طَلَبُكَ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ مَحْفُوفًا بِهَذِهِ الْآفَاتِ ، فَمَتَى خَلَاصُكَ مِنْهَا إِلَى الْإِخْلَاصِ ؟ وَإِذَا كَانَ عِلْمُ الْآثَارِ مَدْخُولًا ، فَمَا ظَنُّكَ بِعُلُومِ الْأَوَائِلِ الَّتِي تَنْكُثُ الْأَيْمَانَ وَتُورِثُ الشُّكُوكَ ؟ وَلَمْ تَكُنْ - وَاللَّهِ - فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، بَلْ كَانَتْ عُلُومُهُمُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ . انْتَهَى .
عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْهُمُ الثَّوْرِيُّ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمْ : لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَفْضَلَ مِنْ طَلَبِ الْحَدِيثِ لِمَنْ أَرَادَ بِهِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ .فَيُحْمَلُ عَلَى مَا إِذَا خَلَصَ مِنْ هَذِهِ ج٣ / ص٢١٧الشَّوَائِبِ كَمَا هُوَ صَرِيحُهُ ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّطَوُّعِ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ .