حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ

وَسَوِّ بَيْنَ مَنْ قَصَدَكَ لِلتَّحْدِيثِ ، ( وَهَبْ لَمْ يُخْلِصِ النِّيَّةَ ) بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ ( طَالِبٌ فَـ ) لَا تَمْتنَعْ مِنْ تَحْدِيثِهِ ، بَلْ ( عُمْ ) جَمِيعَ مَنْ سَأَلَكَ أَوْ حَضَرَ مَجْلِسَكَ ، اسْتِحْبَابًا ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ فِي ( جَامِعِهِ ) إِذِ التَّأَهُّلُ وَقْتَ التَّحَمُّلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ . وَقَدْ قَالَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجُعْفِيُّ : كُنْتُ امْتَنَعْتُ أَنْ أُحَدِّثَ فَأَتَانِي آتٍ فِي النَّوْمِ فَقَالَ : مَا لَكَ لَا تُحَدِّثُ ؟ قُلْتُ : إِنَّهُمْ لَيْسُوا يَطْلُبُونَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى . فَقَالَ : حَدِّثْ أَنْتَ ، يُنْفَعْ مَنْ نُفِعَ ، وَيُضَرَّ مَنْ ضُرَّ .

وَفِي ( زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ ) مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ صِغَارًا تَنْتَفِعُوا بِهِ كِبَارًا ، تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ يَصِيرُ لِذَاتِ اللَّهِ . وَعِنْدَ الْخَطِيبِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ قَالَ : مَا سَمِعْتُ الثَّوْرِيَّ يَعِيبُ الْعِلْمَ قَطُّ وَلَا مَنْ يَطْلُبُهُ ، فَيُقَالُ لَهُ : لَيْسَتْ لَهُمْ نِيَّةٌ . فَيَقُولُ : طَلَبُهُمْ لِلْحديث نِيَّةٌ .

وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَمَعْمَرٍ أَنَّهُمَا قَالَا : طَلَبْنَا الْحَدِيثَ وَمَا لَنَا فِيهِ نِيَّةٌ ، ثُمَّ رَزَقَ اللَّهُ النِّيَّةَ بَعْدُ . وَفِي لَفْظٍ عَنْ مَعْمَرٍ : كَانَ يُقَالُ : إن الرَّجُلُ لَيَطْلُبُ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ ، فَيَأْبَى عَلَيْهِ الْعِلْمُ حَتَّى يَكُونَ لِلَّهِ . وَجَاءَ قَوْمٌ إِلَى سِمَاكٍ يَطْلُبُونَ الْحَدِيثَ فَقَالَ لَهُ جُلَسَاؤُهُ : مَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُحَدِّثَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا رَغْبَةَ لَهُمْ وَلَا نِيَّةَ .

فَقَالَ لَهُمْ سِمَاكٌ : ( قُولُوا خَيْرًا ، فَقَدْ طَلَبْنَا هَذَا الْأَمْرَ وَنَحْنُ لَا نُرِيدُ اللَّهَ بِهِ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ مِنْهُ حَاجَتِي دَلَّنِي عَلَى مَا يَنْفَعُنِي وَحَجَزَنِي عَمَّا يَضُرُّنِي ) . وَلِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالثَّوْرِيِّ قَالَا : ( طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَجَرَّنَا إِلَى الْآخِرَةِ ) . وَعَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : طَلَبْنَا الْحَدِيثَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَعْقَبَنَا اللَّهُ مَا تَرَوْنَ .

وَنَحْوُهُ عن ابْنِ الْمُبَارَكِ : طَلَبْنَا الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَدَلَّنَا عَلَى تَرْكِ الدُّنْيَا . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ : مَاتَ وَالِدِي وَخَلَّفَ لِي وَلِأَخِي شَيْئًا يَسِيرًا ، فَلَمْا فَنِيَ وَتَعَذَّرَ الْقُوتُ عَلَيْنَا صِرْنَا إِلَى بَعْضِ الدُّرُوسِ مُظْهِرِينَ لِطَلَبِ الْفِقْهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ سِوَى تَحْصِيلِ الْقُوتِ ، وَكَانَ تَعَلُّمُنَا الْعِلْمَ لِذَلِكَ لَا لِلَّهِ ، فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إِلَّا لِلَّهِ . عَلَى أَنَّهُ قَالَ فِي ( الْإِحْيَاءِ ) : هَذِهِ الْكَلِمَةُ اغْتَرَّ بِهَا قَوْمٌ فِي تَعَلُّمِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللَّهِ ثُمَّ رُجُوعِهِمْ إِلَى اللَّهِ .

قَالَ : وَإِنَّمَا الْعِلْمُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ هُوَ عِلْمُ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَمَعْرِفَةِ سِيَرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ ، فَإِنَّ فِيهِ التَّخْوِيفَ وَالتَّحْذِيرَ ، وَهُوَ سَبَبٌ لِإِثَارَةِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ ، فَإِنْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْحَالِ أَثَّرَ فِي الْمَآلِ . فَأَمَّا الْكَلَامُ وَالْفِقْهُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِفَتَاوَى الْمُعَامَلَاتِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتُ الْمَذْهَبُ مِنْهُ وَالْخِلَافُ ، فَلَا يَرُدُّ الرَّاغِبَ فِيهِ لِلدُّنْيَا إِلَى اللَّهِ ، بَلْ لَا يَزَالُ مُتَمَادِيًا فِي حِرْصِهِ إِلَى آخِرِ عُمُرِهِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ : إِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ أَبَى وَامْتَنَعَ عَلَيْنَا فَلَمْ تنْكَشِفْ لَنَا حَقِيقَتُهُ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَنَا حَدِيثُهُ وَأَلْفَاظُهُ .

وَامْتَنَعَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ مِنْ ذَلِكَ ، فَرَوَى الْخَطِيبُ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : أَلَّا تُحَدِّثُنَا تُؤْجَرْ ؟ قَالَ : عَلَى أَيِ شَيْءٍ أُوجَرُ ؟ عَلَى شَيْءٍ تَتَفَكَّهُونَ بِهِ فِي الْمَجَالِسِ . وَنَحْوُهُ مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَثَّامٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : النَّاسُ لَا يُؤْتَوْنَ مِنْ حِلْمٍ ، يَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَسْأَلُ ، فَإِذَا أَخَذَ غَلِطَ ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ ثُمَّ يُصَحِّفُ ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ لِيُمَارِيَ صَاحِبَهُ ، وَيَجِيءُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ لِيُبَاهِيَ بِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيَّ أَنْ أُعَلِّمَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَجُلٌ يَجِيئُنِي فَيَهْتَمُّ لِأَمْرِ دِينِهِ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَسَعُنِي أَنْ أَمْنَعَهُ . وَقَدْ أَسْلَفْتُ فِي مَتَى يَصِحُّ تَحَمُّلُ الْحَدِيثِ شَيْئًا مِنْ تَوَقُّفِ بَعْضِ الْوَرِعِينَ .

وَلَكِنْ قَدْ فَصَّلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي ( أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ ) لَهُ تَفْصِيلًا حَسَنًا ، فَقَالَ : إِنْ كَانَ الْبَاعِثُ لِلطَّلَبِ دِينِيًّا وَجَبَ عَلَى الشَّيْخِ إِسْعَافُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ مُبَاحًا ، كَرَجُلٍ دَعَاهُ طَلَبُ الْعِلْمِ إِلَى حُبِّ النَّبَاهَةِ وَطَلَبِ الرِّيَاسَةِ ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَعْطِفُهُ عَلَى الدِّينِ فِي ثَانِي الْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ الدَّاعِي مَحْظُورًا ، كَرَجُلٍ دَعَاهُ طَلَبُ الْعِلْمِ إِلَى شَرٍّ كَامِنٍ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي شُبَهٍ دِينِيَّةٍ ، وَحِيَلٍ فِقْهِيَّةٍ لَا يَجِدُ أَهْلُ السَّلَامَةِ مِنْهَا مَخْلَصًا ، وَلَا عَنْهَا مَدْفَعًا ، فَيَنْبَغِي لِلشَّيْخِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ طَلِبَتِهِ ، وَيَصْرِفَهُ عَنْ بُغْيَتِهِ ، وَلَا يُعِينُهُ عَلَى إِمْضَاءِ مَكْرِهِ وَإِعْمَالِ شَرِّهِ ، فَفِي الْحَدِيثِ ( وَاضِعُ الْعِلْمِ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ اللُّؤْلُؤَ وَالْجَوْهَرَ وَالذَّهَبَ ) انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ : ارْثِ لِرُومِيَّةٍ تَوَسَّطَهَا خِنْزِيرُ وَابْكِ لِعِلْمٍ حَوَاهُ شِرِّيرُ ، وَكَذَا كَانَ بَعْضُهُمْ يَمْتَنِعُ مِنْ إِلْقَاءِ الْعِلْمِ لِمَنْ لَا يَفْهَمُهُ ، فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ تِلْمِيذًا سَأَلَ عَالِمًا عَنْ عِلْمٍ فَلَمْ يُفِدْهُ ، فَقِيلَ لَهُ : لِمَ مَنَعْتَهُ ؟ فَقَالَ : لِكُلِّ تُرْبَةٍ غَرْسٌ ، وَلِكُلِّ بِنَاءٍ أسٌّ . وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الطَّبَّاخِ الْحَاذِقِ ، يَعْمَلُ لِكُلِّ قَوْمٍ مَا يَشْتَهُونَ مِنَ الطَّعَامِ .

وَعَنْ بَعْضِ الْبُلَغَاءِ قَالَ : لِكُلِّ ثَوْبٍ لَابِسُ وَلِكُلِّ عِلْمٍ قَابِسُ

موقع حَـدِيث