آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَلَا تُحَدِّثْ عَجِلًا ) بِكَسْرِ الْجِيمِ ، أَيْ : حَالَ كَوْنِكَ مُسْتَعْجِلًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْضِي إِلَى السُّرْعَةِ فِي الْقِرَاءَةِ النَّاشِئِ عَنْهَا الْهَذْرَمَةُ غَالِبًا ( أَوْ إنْ تَقُمْ ) أَيْ : فِي حَالِ قِيَامِكَ . ( أَوْ فِي الطَّرِيقِ ) مَاشِيًا كُنْتَ أَوْ جَالِسًا ، فَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ ، وَقَالَ : أُحِبُّ أَنْ أَتَفَهَّمَ مَا أُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَلْ قِيلَ لَهُ : لِمَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ؟ قَالَ : أَتَيْتُهُ وَالنَّاسُ يَكْتُبُونَ عَنْهُ قِيَامًا ، فَأَجْلَلْتُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَكْتُبَهُ وَأَنَا قَائِمٌ .
وَاتَّفَقَ لَهُ مَعَ أَبِي حَازِمٍ أَيْضًا نَحْوَهُ ، وَكَذَا
صَرَّحَ الْخَطِيبُ بِالْكَرَاهَةِ فَقَالَ : يُكْرَهُ التَّحْدِيثُ فِي حَالَتَيِ الْمَشْيِ وَالْقِيَامِ حَتَّى يَجْلِسَ الرَّاوِي وَالسَّامِعُ مَعًا وَيَسْتَوْطِنَا ، فَذَلِكَ أَحَضَرُ لِلْقَلْبِ ، وَأَجْمَعُ لِلْفَهْمِ ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ ، وَلِلْحَدِيثِ مَوَاضِعُ مَخْصُوصَةٌ شَرِيفَةٌ دُونَ الطُّرُقَاتِ وَالْأَمَاكِنِ الدَّنِيَّةِ . قَالَ : وَهَكَذَا يُكْرَهُ التَّحْدِيثُ مُضْطَجِعًا. وَحَكَاهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ ج٣ / ص٢٢٧الْمُسَيَّبِ ، وَحِينَ يَكُونُ مَغْمُومًا أَوْ مَشْغُولًا ، قَالَ : وَلَوْ حَدَّثَ مُحَدِّثٌ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لَمْ يَكُنْ مَأْثُومًا ، وَلَا فَعَلَ أَمْرًا مَحْظُورًا ، وَأَجَلُّ الْكُتُبِ كِتَابُ اللَّهِ ، وَقِرَاءَتُهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ جَائِزَةٌ ، فَالْحَدِيثُ فِيهَا بِالْجَوَازِ أَوْلَى .
قُلْتُ : وَقَدْ فَعَلَهُ فِيهِمَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَبَالَغَ بَعْضُ الْمُتَسَاهِلِينَ فَكَانَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْمَاشِي حَالَ كَوْنِهِ رَاكِبًا ، وَذَلِكَ قَبِيحٌ مِنْهُمَا .