آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَاعْقِدْ ) إِنْ كُنْتَ مُحَدِّثًا عَارِفًا ( لِلِامْلَا ) بِالنَّقْلِ وَبِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ، فِي الْحَدِيثِ ( مَجْلِسًا ) مِنْ كِتَابِكَ أَوْ حِفْظِكَ ، وَالْحِفْظُ أَشْرَفُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي التَّحْدِيثِ مِنَ الْكِتَابِ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ . ج٣ / ص٢٤٩( فَذَاكَ ) أَيِ : الْإِمْلَاءُ ( مِنْ أَرْفَعِ ) وُجُوهِ ( الِاسْمَاعِ ) بِالنَّقْلِ أَيْضًا ، مِنَ الْمُحَدِّثِ ، ( وَالْأَخْذِ ) أَيِ : التَّحَمُّلِ لِلطَّالِبِ ، بَلْ هُوَ أَرْفَعُهَا عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كَمَا بَيَّنْتُهُ مَعَ تَعْلِيلِهِ فِي أَوَّلِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ ، وَلِذَا قَالَ الْحَافِظُ السِّلَفِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ :
وَمِنْ فَوَائِدِهِ : 1 - اعْتِنَاءُ الرَّاوِي بِطُرُقِ الْحَدِيثِ وَشَوَاهِدِهِ وَمُتَابِعِهِ وَعَاضِدِهِ بِحَيْثُ بِهَا يَتَقَوَّى ، وَيُبِتُ لِأَجْلِهَا حُكْمَهُ بِالصِّحَّةِ أَوْ غَيْرِهَا ، وَلَا يَتَرَوَّى ، وَيُرَتِّبُ عَلَيْهَا إِظْهَارَ الْخَفِيِّ مِنَ الْعِلَلِ ، وَيُهَذِّبُ اللَّفْظَ مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ . وَيَتَّضِحُ مَا لَعَلَّهُ يَكُونُ غَامِضًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَيُفْصِحُ بِتَعْيِينٍ مَا أُبْهِمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ أُدْرِجَ ، فَيَصِيرُ مِنَ الْجَلَيِّاتِ . 2 - وَحِرْصُهُ عَلَى ضَبْطِ غَرِيبِ الْمَتْنِ وَالسَّنَدِ .
3 - وَفَحْصُهُ عَنِ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهَا نَشَاطُ النَّفْسِ بِأَتَمَّ مُسْتَنَدٍ . 4 - وَبَعُدَ السَّمَاعُ فِيهَا عَنِ الْخَطَأِ وَالتَّصْحِيفِ الَّذِي قَلَّ أَنْ يَعْرَى عَنْهُ لَبِيبٌ أَوْ حَصِيفٌ . 5 - وَزِيَادَةُ التَّفَهُّمِ وَالتَّفْهِيمِ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنْ أَجْلِ تَكَرُّرِ الْمُرَاجَعَةِ فِي تَضَاعِيفِ الْإِمْلَاءِ وَالْكِتَابَةِ وَالْمُقَابَلَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ .
ج٣ / ص٢٥٠6 - وَحَوْزُ فَضِيلَتَيِ التَّبْلِيغِ وَالْكِتَابَةِ . 7 - وَالْفَوْزُ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَطَابَةِ ، كَمَا قَرَّرَهُ الرَّافِعِيُّ وَبَيَّنَهُ وَنَشَرَهُ وَعَيَّنَهُ . يُقَالُ : أَمْلَيْتُ الْكِتَابَ إِمْلَاءً وَأَمْلَلْتُ إِمْلَالًا .
جَاءَ الْقُرْآنُ بِهِمَا جَمِيعًا ؛ قَالَ تَعَالَى : فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ فَهَذَا مِنْ " أَمَلَّ " ، وَقَالَ تَعَالَى : فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ فَهَذَا مِنْ " أَمْلَى " . فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ اللُّغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ " أَمْلَيْتُ " أَمْلَلْتُ ، فَاسْتُثْقلوا الْجَمْعُ بَيْنَ حَرْفَيْنِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ ، فَأَبْدَلُوا مِنْ أَحَدِهِمَا يَاءً كَمَا قَالُوا : تَظَنَّنْتُ . يَعْنِي : حَيْن أَبْدَلُوا مِنْ إِحْدَى النُّونَيْنِ يَاءً ؛ فَقَالُوا : التَّظَنِّي .
وَهُوَ إِعْمَالُ الظَّنِّ ، وَكَأَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : أَمْلَى اللَّهُ لَهُ . أَيْ أَطَالَ عُمْرَهُ . فَمَعْنَى : أَمْلَيْتُ الْكِتَابَ عَلَى فُلَانٍ : أَطَلْتُ قِرَاءَتِي عَلَيْهِ .
قَالَهُ النَّحَّاسُ فِي ( صِنَاعَةِ الْكِتَابِ ) وَهُوَ طَرِيقَةٌ مَسْلُوكَةٌ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ، لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ . وَقَدْ أَمْلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكُتُبَ إِلَى الْمُلُوكِ وَفِي الْمُصَالَحَةِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ . وَأَمْلَى وَاثِلَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَمَا رَوَاهُ مَعْرُوفٌ الْخَيَّاطُ - الْأَحَادِيثَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَكْتُبُونَهَا عَنْهُ .
وَمِمَّنْ أَمْلَى : شُعْبَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَهَمَّامٌ ، وَوَكِيعٌ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَمَالِكٌ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، ج٣ / ص٢٥١وَعَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو عَاصِمٍ ، وَعَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ ، وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ ، وَالْهُجَيْمِيُّ ، فِي خَلْقٍ يَطُولُ سَرْدُهُمْ ، وَيَتَعَسَّرُ عَدُّهُمْ ، مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ كَابْنِي بِشْرَانَ ، وَالْخَطِيبِ ، وَالسِّلَفِيِّ ، وَابْنِ عَسَاكِرَ ، وَالرَّافِعِيِّ ، وَابْنِ الصَّلَاحِ ، وَالْمِزِّيِّ ، وَالنَّاظِمِ . وَكَانَ الْإِمْلَاءُ انْقَطَعَ قَبْلَهُ دَهْرًا ، وَحَاوَلَهُ التَّاجُ السُّبْكِيُّ ، ثُمَّ وَلَدُهُ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَلَى إِحْيَائِهِ ، فَكَانَ يَتَعَلَّلُ بِرَغْبَةِ النَّاسِ عَنْهُ ، وَعَدَمِ مَوْقِعِهِ مِنْهُمْ ، وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهِ ، إِلَى أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِذَلِكَ ، وَاتَّفَقَ شُرُوعُهُ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ النبوية [ سنة 89 ] ، ثُمَّ عَقَدَهُ بِالْقَاهِرَةِ فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ [ من أول سنة 98 ] . وَكَذَا أَمْلَى يَسِيرًا فِي زَمَنِهِ السِّرِاجُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ ، وَلَمْ يَرْتَضِ شَيْخُنَا صَنِيعَهُ فِيهِ ، وَبَعْدَهُمَا الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ بِالْحَرَمَيْنِ وَعِدَّةِ مَدَارِسَ مِنَ الْقَاهِرَةِ ، وَشَيْخُنَا بِالشَّامِ وَحَلَبَ وَمِصْرَ وَبِالْقَاهِرَةِ فِي عِدَّةِ مَدَارِسَ .
وَاقْتَدَيْتُ بِهِمْ فِي ذَلِكَ بِإِشَارَةِ بَعْضِ مُحَقِّقِي شُيُوخِي ، فَأَمْلَيْتُ بِمَكَّةَ ج٣ / ص٢٥٢وَبِعِدَّةِ أَمَاكِنَ مِنَ الْقَاهِرَةِ ، وَبَلَغَ عِدَّةُ مَا أَمْلَيْتُهُ مِنَ الْمَجَالِسِ إِلَى الْآنِ نَحْوَ السِّتِّمِائَةِ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ . وَاخْتَلَفَ صَنِيعُهُمْ فِي تَعْيِينِ يَوْمٍ لِذَلِكَ ، وَكَذَا فِي تَعَدُّدِ يَوْمٍ مِنَ الْأُسْبُوعِ ، وَعَيَّنَ شَيْخُنَا لِذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ خَاصَّةً ، وَقَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ بَعْدَ صَلَاتِهَا ، وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ ، وَكَذَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ لِشَرَفِهِمَا ، فَقَدْ قَالَ كَعْبٌ : ( إِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ الْأَيْامَ فَجَعَلَ مِنْهُنَّ الْجُمُعَةَ ، وَالْبِقَاعَ فَجَعَلَ مِنْهُنَّ الْمَسَاجِدَ ) . وَقَالَ عَلِيٌّ : ( الْمَسَاجِدُ مَجَالِسُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَحِرْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ ) .
وَقَالَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ : ( الْمَسَاجِدُ مَجَالِسُ الْكِرَامِ ) . وَيُرْوَى فِي الْمَرْفُوعِ : ( الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ ) . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يأَمْرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِنَشْرِهِ فِي الْمَسَاجِدِ ج٣ / ص٢٥٣فَإِنَّ السُّنَّةَ كَانَتْ قَدْ أُمِيتَتْ .
وَاجْلِسْ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ مُسْتَعْمِلًا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا فِي نَفْسِكَ وَمَعَ أَصْحَابِكَ ، وَعِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ ، وَفِي خِفَّةِ الْمَجْلِسِ ، فَلَا فَرْقَ .