آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( ثُمَّ إِنْ تَكْثُرْ جُمُوعٌ ) مِنَ الْحَاضِرِينَ ( فَاتَّخِذْ ) وُجُوبًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ ، ( مُسْتَمْلِيًا ) يَتَلَقَّنُ مِنْكَ لِلِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ ، وَإِنْ تَقِلْ فَلَا لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ غَالِبًا ، ثِقَةً ( مُحَصِّلًا ذَا يَقْظَةٍ ) وَفَهْمٍ وَبَرَاعَةٍ فِي الْفَنِّ ، يُبَلِّغُ عَنْكَ الْإِمْلَاءَ إِلَى مَنْ بَعُدَ فِي الْحَلْقَةِ اقْتِدَاءً بِأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَحُفَّاظِهِ كَمَالِكٍ وَشُعْبَةَ وَوَكِيعٍ . بَلْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : ( رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى ، عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ ) [ وفي الصحيح عن أبي جمرة قال : كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس يقعدني معه على سريره ] . وَالْحَذَرَ أَنْ يَكُونَ مُغَفَّلًا بَلِيدًا ، كَالْمُسْتَمْلِي الَّذِي قَالَ لِمُمْلِيهِ - وَقَدْ قَالَ لَهُ : ثَنَا عِدَّةٌ .
مَا نَصُّهُ - : عِدَّةُ ابْنُ مَنْ ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُمْلِي : عِدَّةُ ابْنُ فَقَدْتُكَ ! ! وَكَالْآخَرِ الَّذِي قَالَ لِمُمْلِيهِ - وَقَدْ قَالَ لَهُ : عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَسُولٌ ، كَذَا فِي ج٣ / ص٢٥٤كِتَابِي ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . مَا نَصُّهُ - : قَالَ رَسُولٌ ، وَشَكَّ أَبُو عُثْمَانَ - وَهِيَ كُنْيَةُ الْمُمْلِي - فِي اللَّهِ . فَقَالَ لَهُ الْمُمْلِي : كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ ، مَا شَكَكْتُ فِي اللَّهِ قَطُّ .
وَكَالْآخَرِ الَّذِي كَانَ مُمْلِيهِ يَقُولُ لَهُ : ثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ . فَيَكْتُبُهُ : حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَيَسْتَمْلِيهِ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ فَلَا يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ أَصْلًا فَيَقُومُ عِنْدَ ذَلِكَ لِزَوْجَتِهِ فَيَضْرِبُهَا ، فَتَسْتَغِيثُ الْمَرْأَةُ بِالْمُمْلِي . فِي حِكَايَاتٍ مِنْ هَذَا النَّمَطِ مُضْحِكَةٍ ، تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ مِنَ الْبَابِ قَبْلَهُ .
وَقَدْ قِيلَ فِي كَاتِبٍ :
( يَتْبَعُ ) ذَلِكَ الْمُسْتَمْلِي ( مَا يَسْمَعُهُ ) مِنْكَ وَيُؤَدِّيهِ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ ، وَذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى الْوُجُوبِ ، وَعِبَارَتُهُمَا مَعًا : وَيُسْتَحَبُّ أَن لَّا يُخَالِفَ لَفْظَ الْمُمْلِي فِي التَّبْلِيغِ عَنْهُ ، بَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ خَاصَّةً إِذَا كَانَ الرَّاوِي مِنْ أَهْلِ الدِّرَايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ بِأَحْكَامِ الرِّوَايَةِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا يُشْعِرُ بِالْوُجُوبِ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ : وَعَلَيْهِ أَنْ يَتْبَعَ . إِلَى آخِرِهِ .
( مُبَلِّغًا ) بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ لَفْظُ الْمُمْلِي ، ( أَوْ مُفْهِمَا ) بِهِ مَنْ بَلَغَهُ عَلَى بُعْدٍ وَلَمْ يَتَفَهَّمْهُ ، فَيَتَوَصَّلُ بِصَوْتِ الْمُسْتَمْلِي إِلَى تَفَهُّمِهِ وَتَحَقُّقِهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيمَنْ لَمْ يَسْمَعْ إِلَّا مِنَ الْمُسْتَمْلِي ، دُونَ الْمُمْلِي فِي الْفَرْعِ الْخَامِسِ مِنَ الْفُرُوعِ التَّالِيَةِ لِثَانِي أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .