آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَالشَّيْخُ ) الْمُمْلِي ( تَرْجَمَ الشُّيُوخَ ) الَّذِي رَوَى أَوْ أَفَادَ عَنْهُمْ بِذِكْرِ بَعْضِ أَوْصَافِهِمُ الْجَمِيلَةِ ، ( وَدَعَا ) أَيْضًا لَهُمْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، إِذْ هُمْ آبَاؤُهُ فِي الدِّينِ ، وَوُصْلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالدُّعَاءِ لَهُمْ وَبِرِّهِمْ وَذِكْرِ مَآثِرِهِمْ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَشُكْرِهِمْ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ : قَلَّ لَيْلَةٌ إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو فِيهَا لِمَنْ كَتَبَ عَنَّا ، وَلِمَنْ كَتَبْنَا عَنْهُ . وَقَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : ( سَمِعْتُ خَلِيلِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ) . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : ( وَحَدَّثَنِي الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ) .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ : ( ثَنَا الْبَرَاءُ ج٣ / ص٢٦٢وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ ) . وَقَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ : ( حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ - أَمَّا هُوَ إِلَيَّ فَحَبِيبٌ ، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي فَأَمِينٌ - عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ ) . وَقَالَ مَسْرُوقٌ : ( حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ ابْنَةُ الصِّدِّيقِ حَبِيبَةُ حَبِيبِ اللَّهِ الْمُبَرَّأَةُ عَائِشَةُ ) .
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : ( حَدَّثَنِي الْبَحْرُ . يُرِيدُ ابْنَ عَبَّاسٍ ) . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ( ثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ ، وَكَانَ مِنْ مَعَادِنَ الصِّدْقِ ) .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : ( ثَنَا أَوْثَقُ النَّاسِ أَيُّوبُ ) . وَقَالَ شُعْبَةُ : ( حَدَّثَنِي سَيِّدُ الْفُقَهَاءِ أَيُّوبُ ) . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ : ( حَدَّثَنِي أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْبَشَرِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ) .
وَقَالَ وَكِيعٌ : ( ثَنَا سُفْيَانُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ : ( ثَنَا الثِّقَةُ الصَّدُوقُ الْمَأْمُونُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ) . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ : ( ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ شَيْخُنَا وَسَيِّدُنَا ) .
وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : ( ثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، وَمَا لَقِيتُ أَنْصَحَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ مِنْهُ ) . وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : ( ثَنَا مَنْ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ مِثْلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَسْلَمَ الطُّوسِيُّ ) . وَقَالَ الْعَلَائِيُّ : ( ثَنَا الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ أَجَلُّ شَيْخٍ لَقِيتُهُ .
فِي أَشْبَاهٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ ) . وَلْيَحْذَرْ مِنَ التَّجَاوُزِ إِلَى مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ الشَّيْخُ ، كَأَنَّ يَصِفَهُ بِالْحِفْظِ وَهُوَ غَيْرُ حَافِظٍ ؛ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الضِّرَرِ . وَكَذَا يُتَرْجِمُ شُيُوخَهُ بِذِكْرِ أَنْسَابِهِمْ ، فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ : وَإِذَا فَعَلَ الْمُسْتَمْلِي مَا ذَكَرْتُهُ ، يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ : مَنْ ذَكَرْتُ .
إِلَى آخِرِهِ ، قَالَ الرَّاوِي : ثَنَا فُلَانٌ ، ثُمَّ نَسَبَ شَيْخَهُ الَّذِي سَمَّاهُ حَتَّى يَبْلُغَ بِنَسَبِهِ مُنْتَهَاهُ ، كَقَوْلِ شَاذَانَ : ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ ج٣ / ص٢٦٣مَسْرُوقٍ الثَّوْرِيُّ ثَوْرُ بَنِي تَمِيمٍ ، وَثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي شَرِيكِ بْنِ الْحَارِثِ النَّخَعِيُّ ، وَثَنًا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الْهَمْدَانِيُّ ثُمَّ الثَّوْرِيُّ ثَوْرُ هَمْدَانَ ، وَثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ أَبُو بَسْطَامَ مَوْلَى الْأَزْدِ ، وَثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ الْخُرَاسَانِيُّ . قَالَ : وَالْجَمْعُ بَيْنَ اسْمِ الشَّيْخِ وَكُنْيَتِهِ أَبْلَغُ فِي إِعْظَامِهِ ، وَأَحْسَنُ فِي تَكْرِمَتِهِ . قَالَ عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ : قَلَّ ما سَمَعِتُ أَحْمَدَ يُسَمِّي ابْنَ مَعِينٍ بِاسْمِهِ ، إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ : قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا .
وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ : يَجِبُ لِلْعَالِمِ ثَلَاثُ خِصَالٍ : تَخُصُّهُ بِالتَّحِيَّةِ ، وَتَعُمُّهُ بِالسَّلَامِ مَعَ الْجَمَاعَةِ ، وَلَا تَقُلْ : ثَنَا فُلَانٌ . بَلْ قُلْ : ثَنَا أَبُو فُلَانٍ . وَإِذَا قَرَأَ فَمَلَّ لَا يَضْجَرْ .
وَلِلْبُخَارِيِّ فِي ( الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ( لَا تُسَمِّ أَبَاكَ بِاسْمِهِ ، وَلَا تَمْشِ أَمَامَهُ ، وَلَا تَجْلِسْ قَبْلَهُ ) . وَعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : ( خَرَجْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ : الصَّلَاةَ يَا أَبَا عَبْدٍ الرَّحْمَنِ ) . وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : لَكِنَّ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ يَقْضِي .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَجَمَاعَةٌ يَقْتَصِرُونَ عَلَى اسْمِ الرَّاوِي دُونَ نَسَبِهِ إِذَا كَانَ أَمْرُهُ لَا يُشْكِلُ ، وَمَنْزِلَتُهُ مِنَ الْعِلْمِ لَا تُجْهَلُ ، كَعَامَّةِ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ حَيْثُ يَرْوُونَ عَنْهُ بِاسْمِهِ فَقَطْ لَا يَنْسُبُونَهُ ، وَكَذَا إِذَا كَانَ اسْمُهُ مُفْرَدًا عَنْ أَهْلِ طَبَقَتِهِ لِحُصُولِ الْأَمَانِ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ فِي تَسْمِيَتِهِ ؛ كَقَتَادَةَ وَمِسْعَرٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى شُهْرَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَبِيهِ أَوْ قَبِيلَتِهِ وَلَا يُسَمِّيهِ ، كَابْنِ لَهِيعَةَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالثَّوْرِيِّ ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ .