آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
ج٣ / ص٢٦٤( وَ ) أَمَّا ( ذِكْرُ ) رَاوٍ ( مَعْرُوفٍ بِشَيْءٍ مِنْ لَقَبْ ) بِحَيْثُ اشْتَهَرَ بِذَلِكَ ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ ( كَغُنْدَرٍ ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا نُونٌ ، لِمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَيَأْتِي مَعَ جُمْلَةِ أَلْقَابٍ فِي بَابِهَا ، أَوْ مَعْرُوفٍ بِوَصْفٍ لَيْسَ نَقْصًا فِي خِلْقَتِهِ كَالْحُمْرَةِ وَالزُّرْقَةِ وَالشُّقْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالطُّولِ . ( أَوْ وَصْفِ نَقْصٍ ) كَالْإِقْعَادِ لِأَبِي مَعْمَرٍ ، وَالْحَوَلِ لِعَاصِمٍ ، وَالشَّلَلِ لِمَنْصُورٍ ، وَالْعَرَجِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ ، وَالْعَمَى لِأَبِي مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرِ ، وَالْعَمَشِ لَسُلَيْمَانَ ، وَالْعَوَرِ لِهَارُونَ بْنِ مُوسَى ، وَالْقِصَرِ لَعِمْرَانَ . ( أَوْ نَسَبْ لِأُمِّهِ ) كَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، وَابْنِ بُحَيْنَةَ ، وَالْحَارِثِ بْنِ الْبَرْصَاءِ ، وَيَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، كَمَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ ، وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي " مَنْ نُسِبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ " .
( فَجَائِزٌ ) فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ ، ( مَا لَمْ يَكُنْ ) فِي اللَّقَبِ إِطْرَاءٌ مِمَّا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنِ الْمَوْصُوفُ بِهِ ( يَكْرَهُهُ كَابْنِ عُلَيَّةَ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ ، وَأَبِي الزِّنَادِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيِّ ، وَعُلَيٍّ - بِالتَّصْغِيرِ - ابْنِ رَبَاحٍ ، وَابْنِهِ مُوسَى ، وَمَسْلَمَةَ بْنِ عُلَيٍّ ، وَابْنِ رَاهَوَيْهِ ، وَخَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ القَطَوَانِيِّ ، فَالْقَطَوَانِيِّ لَقَبُهُ ، وَكَانَ أَيْضًا يَغْضَبُ مِنْهَا ، وَزِيَادِ بْنِ أَيُّوبَ الْبَغْدَادِيِّ دَلَّوَيْهِ ، قِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : مَنْ ج٣ / ص٢٦٥سَمَّانِي دَلَّوَيَهِ لَا أَجْعَلُهُ فِي حِلٍّ . وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لَهُ : الْأَصَمُّ . وَجُوزِيٍّ ، وَهُوَ لَقَبٌ لِأَبِي الْقَاسِمِ الْأصْبَهَانِيِّ صَاحِبِ ( التَّرْغِيبِ ) ، وَكَانَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ يَكْرَهُهُ ، وَغَيْرِهِمْ ( فَصُنْ ) حِينَئِذٍ نَفْسَكَ عَنِ الْوُقُوعِ فِيهِ وَالرَّاوِيَ عَنْ وَصْفِهِ بِذَلِكَ ، إِذْ هُوَ حَرَامٌ حَسْبَمَا اسْتَثْنَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مُتَمَسِّكًا بِنَهْيِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لابْنَ مَعِينٍ أَنْ يَقُولَ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ .
وَقَالَ لَهُ : قُلْ : إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ . فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى أُمِّهِ . وَلَمْ يُخَالِفْهُ ابْنُ مَعِينٍ فِيهِ ، بَلْ قَالَ : قَبِلْنَاهُ مِنْكَ يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ .
وَقَدْ أَقَرَّ النَّاظِمَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَلْقَابِ . وَأَمَّا هُنَا فَقَالَ : الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ الْأَدَبِ لَا اللُّزُومِ . انْتَهَى .
وَلِذَا قَالَ شَيْخُنَا : فَهُوَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ . قُلْتُ : فَلَوْ عَلِمَ أَنَّ كَرَاهَتَهُ تَوَاضُعًا لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ التَّزْكِيَةِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ، كَمَا نُقِلَ عَنِ النَّوَوِيِّ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ : لَسْتُ أَجْعَلُ فِي حِلٍّ مَنْ لَقَّبَنِي مُحْيِيَ الدِّينِ . فَالْأُولَى تَجَنُّبُهُ .
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ : ( أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ ) . وَلِذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ فِي ( صَحِيحِهِ ) بِقَوْلِهِ : مَا ج٣ / ص٢٦٦يَجُوزُ مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ ، أَيْ بِأَوْصَافِهِمْ ، نَحْوَ قَوْلِهِمُ : الطَّوِيلُ وَالْقَصِيرُ ، وَمَا لَا يُرَادُ بِهِ شَيْنُ الرَّجُلِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ ) . فَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى التَّفْصِيلِ كَالْجُمْهُورِ .
وَشَذَّ قَوْمٌ فَشَدَّدُوا ، حَتَّى نُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُنَا : حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ . غِيبَةً . وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمَّحَ بِذَلِكَ حَيْثُ ذَكَرَ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ لِقَوْلِهِ فِيهَا : وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ .
قَالَ ابْنُ الْمُنَيِّرِ : أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ ذِكْرَ مِثْلِ هَذَا إِنْ كَانَ لِلْبَيَانِ وَالتَّمْيِيزِ فَهُوَ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّنْقِيصِ لَمْ يَجُزْ . قَالَ : وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ فِي الْمَرْأَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْهَا ، فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا أَنَّهَا قَصِيرَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اغْتَبْتِيهَا ) . وَذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ بَيَانًا ، وَإِنَّمَا قَصَدَتِ الْإِخْبَارَ عَنْ صِفَتِهَا فَكَانَ كَالِاغْتِيَابِ .
وَمِنْ أَدِلَّةِ النَّهْيِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ . وَكَانَ نُزُولُهَا حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَلِلرَّجُلِ مِنْهُمُ اللَّقَبُ وَاللَّقَبَانِ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ مِنَ التَّحْرِيمِ أَوْ غَيْرِهِ فَذَاكَ فِيمَنْ عُرِفَ بِغَيْرِ ذَلِكَ .
ج٣ / ص٢٦٧أَمَّا حَيْثُ لَمْ يُعْرَفْ بِغَيْرِهِ فَلَا . وَبِهِ صَرَّحَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، فَقَالَ الْأَثْرَمُ : سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ عَنِ الرَّجُلِ يُعْرَفُ بِلَقَبِهِ ؛ فَقَالَ : إِذَا لَمْ يُعْرَفْ إِلَّا بِهِ . ثُمَّ قَالَ : الْأَعْمَشُ إِنَّمَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ هَكَذَا .
فَسَهَّلَ فِي مِثْلِ هَذَا إِذَا شُهِرَ بِهِ [ وهو أحد الأماكن الستة التي رخص في ذكر المرء فيها بما يكره ، ولا يعد غيبة . وَمَا أَحْسَنَ صَنِيعَ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَيْثُ كَانَ يَقُولُ : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : ابْنُ عُلَيَّةَ . وَكَانَ أَبُو بَكْرِ ابْنُ إِسْحَاقَ الصِّبْغِيُّ إِذَا رَوَى عَنْ شَيْخِهِ الْأَصَمِّ ؛ يَقُولُ فِيهِ : الْمَعْقِلِيُّ نِسْبَةً لِجَدِّهِ مَعْقِلٍ .
وَلَا يَقُولُ : الْأَصَمُّ . لِكَرَاهَتِهِ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ . ج٣ / ص٢٦٨وَقَدْ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ : إِنَّهُ إِنْ وَجَدَ طَرِيقًا إِلَى الْعُدُولِ عَنِ الْوَصْفِ بِمَا اشْتُهِرَ بِهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ فَهُوَ أَوْلَى .