آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَانْتَقِهِ ) أَيِ الْمَرْوِيَّ أَيْضًا بِحَيْثُ يَكُونُ أَبْلَغَ نَفْعًا ، وَأَعَمَّ فَائِدَةً ، وَأَنْفَعَهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - الْأَحَادِيثُ الْفِقْهِيَّةُ الَّتِي تُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَالطَّهَارَةِ ، وَالصَّلَاةِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالزَّكَاةِ ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْمُعَامَلَاتِ ، فَفِي حَدِيثٍ : ( مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي دِينٍ ) .
قَالَ الْخَطِيبُ : وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا إِمْلَاءُ الْأَحَادِيثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأُصُولِ الْمَعَارِفِ وَالدِّيَانَاتِ ، وَأَحَادِيثِ التَّرْغِيبِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ ، وَمَا يَحُثُّ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ .زَادَ غَيْرُهُ : وَالتَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا ، بَلِ الْأَنْسَبُ أَنْ يَتَخَيَّرَ لِجُمْهُورِ النَّاسِ أَحَادِيثَ الْفَضَائِلِ وَنَحْوَهَا ، وَلِلْمُتَفَقِّهَةِ أَحَادِيثَ الْأَحْكَامِ .
( وَأَفْهِمِ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، السَّامِعِينَ ( مَا فِيهِ مِنْ فَائِدَةٍ ) فِي مَتْنِهِ أَوْ سَنَدِهِ مِنْ بَيَانٍ لِمُجْمَلٍ أَوْ غَرَابَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا ، وَأَظْهِرْ غَامِضَ الْمَعْنَى وَتَفْسِيرَ الْغَرِيبِ ، وَتَحَرِّ إِيضَاحَ ذَلِكَ وَبَيَانَهُ ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ : لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَكَتَبْتُ تحت كُلِّ حَدِيثٍ تَفْسِيرَهُ . وَعَنْ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَتُهُ خَيْرٌ مِنْ سَمَاعِهِ .
وَهَذَا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ ، ج٣ / ص٢٧٠وَإِلَّا فَقَدْ قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ : ( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا ) مَا مَعْنَاهُ ؟ فَقَالَ : مِنَ اللَّهِ الْعِلْمُ ، وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ ، وَعَلَيْنَا التَّسْلِيمُ . وَسَأَلَ رَجُلٌ مَطَرًا عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثٍ حَدَّثَ بِهِ ، فَقَالَ : لَا أَدْرِي ، إِنَّمَا أَنَا زَامِلَةٌ . فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : جَزَاكَ اللَّهُ مِنْ زَامِلَةٍ خَيْرًا ، فَإِنَّ عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ حُلْوٍ وَحَامِضٍ .
وَسُئِلَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثٍ ، فَقَالَ : لَيْتَنَا نَقْدِرُ أَنْ نُحَدِّثَ كَمَا سَمِعْنَا ، فَكَيْفَ نُفَسِّرُ ؟ ! قَالَ الْخَطِيبُ : وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُنَبِّهَ عَلَى فَضْلِ مَا يَرْوِيهِ ، وَيُبَيِّنَ الْمَعَانِيَ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الْحُفَّاظُ مِنْ أَمْثَالِهِ وَذَوِيهِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ قَدْ كَتَبَهُ عَنْهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ الْمُبَرَّزِينَ ، أَوْ أَحَدُ الشُّيُوخِ الْمُتَقَدِّمِينَ ، نَبَّهَ عَلَيْهِ ، أَوْ كَانَ عَالِيًا عُلُوًّا مُتَفَاوِتًا أَرْشَدَ بِوَصْفِهِ إِلَيْهِ . وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْوَصْفَ بِالْعُلُوِّ الْمُتَفَاوِتِ ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْعُلُوِّ شُمُولُ أَقَلِّ دَرَجَاتِهِ ، وَبِذَلِكَ لَا يَحْصُلُ تَمْيِيزُ الْمُتَنَاهِي . قَالَ : وَكَذَا إِذَا كَانَ رَاوِيهِ غَايَةً فِي الثِّقَةِ وَالْعَدَالَةِ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْفُتْيَا ، أَوْ كَانَ الْحَدِيثُ مِنْ عُيُونِ السُّنَنِ وَأُصُولِ الْأَحْكَامِ ، وَصَفَهُ بِذَلِكَ ، وَيُعَيِّنُ تَارِيخَ السَّمَاعِ الْقَدِيمِ ، وَتَفَرُّدَهُ بِذَاكَ الْحَدِيثِ ، وَكَوْنَهُ لَا يُوجَدُ إِلَّا عِنْدَهُ ، إِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، ج٣ / ص٢٧١وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ مَعْلُولًا بَيَّنَ عِلَّتَهُ ، أَوْ فِي إِسْنَادِهِ اسْمٌ يُشَاكِلُ غَيْرَهُ فِي الصُّورَةِ ، ضَبَطَهُ بِالْحُرُوفِ لِيَزُولَ الْإِلْبَاسُ .
( وَلَا تَزِدْ عَنْ كُلِّ شَيْخٍ ) مِنْ شُيُوخِكَ ( فَوْقَ مَتْنٍ ) وَاحِدٍ فَإِنَّهُ أَعَمُّ لِلْفَائِدَةِ وَأَكْثَرُ لِلْمَنْفَعَةِ .