آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ
( وَاعْتَمِدْ ) فِيمَا تَرْوِيهِ ( عَالِيَ إِسْنَادٍ ) لِمَا فِي الْعُلُوِّ مِنَ الْفَضْلِ ، وَكَذَا اعْتَمِدْ ( قَصِيرَ مَتْنٍ ) لِمَزِيدِ الْفَائِدَةِ فِيهِ ، يَعْنِي بِالنَّظَرِ إِلَى الْأَحْكَامِ وَنَحْوِهَا ، حَتَّى قَالَ أَبُو عَاصِمٍ : الْأَحَادِيثُ الْقِصَارُ هِيَ اللُّؤْلُؤُ . بِخِلَافِ الطَّوِيلِ غَالِبًا . وَقَدْ قَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ : قَالَ لَنَا عِكْرِمَةُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَشْيَاءَ قِصَارٍ حَدَّثَنَا بِهَا أَبُو هُرَيْرَةَ : ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فَمِ الْقِرْبَةِ أَوِ السِّقَاءِ ، وَأَنْ يَمْنَعَ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي دَارِهِ ) .
إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَشْتَمِلُ عَلَى جُمَلٍ مِنَ الْأَحْكَامِ فَيُنْزِلَ كُلَّ جُمْلَةٍ مِنْهَا مَنْزِلَةَ حَدِيثٍ وَاحِدٍ . قَالَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ :
( خَوْفَ الْفَتْنِ ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ مَصْدَرُ : فَتَنَ ، أَيِ ؛ الِافْتِتَانِ وَالضَّلَالِ ، فَإِنَّهُ ج٣ / ص٢٧٢لِجَهْلِ مَعَانِيهَا يَحْمِلُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا أَوْ يَسْتَنْكِرُهَا فَيَرُدُّهَا وَيُكَذِّبُ رُوَاتِهَا وَنَقَلَتَهَا . وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) . وَقَوْلُ عَلِيٍّ : ( حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ؟ ) .
وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( إِنَّ الرَّجُلَ لَيُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَبْلُغُ عَقْلُهُ فَهْمَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِتْنَةً ) . وَقَوْلُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ : ( لَا تُحَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ فَتَضُرُّوهُمْ ) . وَقَوْلُ مَالِكٍ : ( شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ ، وَخَيْرُ الْعِلْمِ الْمَعْرُوفُ الْمُسْتَقِيمُ ) .
وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : ( إِنَّ مِمَّا رَأَى الْعُلَمَاءُ أَنَّ الصُّدُوفَ عَنْ رِوَايَتِهِ لِلْعَوَامِّ أَوْلَى أَحَادِيثِ الرُّخَصِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا دُونَ الْأُصُولِ ، كَحَدِيثِ الرُّخْصَةِ فِي النَّبِيذِ ) . ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ إِطْرَاحَ أَحَادِيثِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْمَأْثُورَةِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَا نُقِلَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَاجِبٌ ، وَالصُّدُوفَ عَنْهُ لَازِمٌ ، وَأَمَّا مَا حُفِظَ مِنْ أَخْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَعُلَمَاءِ السَّلَفِ ، فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَجُوزُ ، وَنَقْلَهُ غَيْرُ مَحْظُورٍ . ثُمَّ رُوِى عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَعْنَى ج٣ / ص٢٧٣حَدِيثِ : ( حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ ) أَيْ لَا بَأْسَ أَنْ تُحَدِّثُوا عَنْهُمْ ممَا سَمِعْتُمْ ، وَإِنِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ ، مِثْلُ مَا رُوِيَ أَنَّ ثِيَابَهُمْ تَطُولُ ، وَالنَّارُ الَّتِي تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُ الْقُرْبَانَ .
انْتَهَى . لَكِنْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ قَوْلَهُ : ( وَلَا حَرَجَ ) فِي مَوْضِعِ الْحَالِ ؛ أَيْ : حَدِّثُوا عَنْهُمْ حَالَ كَوْنِهِ لَا حَرَجَ فِي التَّحْدِيثِ عَنْهُمْ بِمَا حُفِظَ مِنْ أَخْبَارِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَعْنِي : وَعَنْ صَحَابَتِهِ وَالْعُلَمَاءِ ، كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ ؛ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ تَجُوزُ ، انْتَهَى . وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي كِتَابِي ( الْأَصْلِ الْأصَيْلِ فِي تَحْرِيمِ النَّقْلِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ) .
وَكَذَا قَالَ الْخَطِيبُ : وَلْيَجْتَنِبْ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَيُمْسِكْ عَنْ ذِكْرِ الْحَوَادِثِ الَّتِي كَانَت فِيهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِهِ فِي ( الْقَوْلِ فِي عِلْمِ النُّجُومِ ) ، رَفَعَهُ : ( إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابِي فَأَمْسِكُوا ) . وَهُوَ عِنْدَ ج٣ / ص٢٧٤ابْنِ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ . وَقَدْ قَالَ زَيْدٌ الْعَمِّيُّ : أَدْرَكْتُ أَرْبَعِينَ شَيْخًا مِنَ التَّابِعِينَ ، كُلُّهُمْ يُحَدِّثُونَا عَنِ الصَّحَابَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَحَبَّ جَمِيعَ أَصْحَابِي وَتَوَلَّاهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ) .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : لَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيُحْدِثُونَ مَا أَحْدَثُوا . ج٣ / ص٢٧٥وَعَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ قَالَ : أَدْرَكْتُ مَن أَدْرَكْتُ مِنْ خِيَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ لِبَعْضِ : اذْكُرُوا مَحَاسِنَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَأْتَلِفَ عَلَيْهَا الْقُلُوبُ . قُلْتُ : وَإِنَّمَا يَتَيَسَّرُ لِلْمُمْلِي مَا تَقَرَّرَ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا ؛ حَيْثُ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِكِتَابٍ مَخْصُوصٍ ، أَمَّا مَعَ التَّقْيدِ ، كَمَا فَعَلَ النَّاظِمُ فِي تَخْرِيجِ ( الْمُسْتَدْرَكِ ) وَ ( أَمَالِي الرَّافِعِيِّ ) ، وَشَيْخُنَا فِي تَخْرِيجِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْأَصْلِيِّ وَ ( الْأَذْكَارِ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - تَابِعٌ لِأَصْلِهِ ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ لَا يَنْهَضُ لَهُ إِلَّا مَنْ قَوِيَتْ فِي الْعِلْمِ بَرَاعَتُهُ ، وَاتَّسَعَتْ رِوَايَتُهُ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ .