حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

آدَابُ الشَّيْخِ الْمُحَدِّثِ

ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي الْعَارِفِ غَيْرِ الْعَاجِزِ ، ( وَإِنْ يُخَرِّجْ لِلرُّوَاةِ ) الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ وَاخْتِلَافِ وُجُوهِهِ وَطُرُقِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ عُلُومِهِ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَلَكِنَّهُمْ عَجَزُوا عَنِ التَّخْرِيجِ وَالتَّفْتِيشِ إِمَّا لِكِبَرِ سِنٍّ وَضَعْفِ بَدَنٍ كَمَا اتَّفَقَ لِلنَّاظِمِ فِي إِمْلَاءِهِ بِأخِرِة لِذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا خَرَّجَهُ لَهُ شَيْخُنَا رَحِمَهُما اللَّهُ ، وَإِمَّا لِطُرُوء عَمًى وَنَحْوِهِ ، ( مُتْقِنُ ) مِنْ حُفَّاظِ وَقْتِهِمْ ( مَجَالِسَ الْإِمْلَاءِ ) الَّتِي يُرِيدُونَ إِمْلَاءَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا . إِمَّا بِسُؤَالٍ مِنْهُمْ لَهُ أَوِ ابْتِدَاءً ، ( فَهْوَ حَسَنُ ) ، بَلْ قَالَ الْخَطِيبُ : إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاصِرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِبَعْضِ حُفَّاظِ وَقْتِهِ ، فَقَدْ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ شُيُوخِنَا كَأَبِي الْحُسَيْنِ ابْنِ بِشْرَانَ ، وَالْقَاضِي أَبِي عُمَرَ الْهَاشِمِيِّ ، وَأَبِي الْقَاسِمِ السَّرَّاجِ وَغَيْرِهِمْ يَسْتَعِينُونَ بِمَنْ يُخَرِّجُ لَهُمْ . ( وَلَيْسَ بِالْإِمْلَاءِ حِينَ يَكْمُلُ غِنًى عَنِ الْعَرْضِ ) وَالْمُقَابَلَةِ ( لِـ ) إِصْلَاحِ ( زَيْغٍ ) ، أَوْ طُغْيَانِ قَلَمٍ ( يَحْصُلُ ) ؛ يَعْنِي : فَإِنَّ الْمُقَابَلَةَ بَعْدَ الْكِتَابَةِ وَاجِبَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهَا حِكَايَةً عَنِ الْخَطِيبِ وَغَيْرِهِ ؛ إِذْ لَا فَرْقَ .

وَحِينَئِذٍ فَيَأْتِي الْقَوْلُ بِجَوَازِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْفَرْعِ غَيْرِ الْمُقَابَلِ بالشُّرُوطِ الْمُتَقَدَّمَةِ . بَلْ كَانَ شَيْخُنَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَكْتُبُ عَنْهُ الْإِمْلَاءَ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ هَمَّ أَنْ يَجْعَلَ بِكُلِّ جَانِبٍ وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ بِالْفَنِّ إِلْمَامٌ فِي الْجُمْلَةِ لِيَخْتَبِرَ كِتَابَتَهُمْ وَيُرَاجِعُونَهُ ، فَمَا تَيَسَّرَ . وَالتَّبْكِيرُ بِالْمَجْلِسِ أَوْلَى ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الشِّتَاءِ ؛ فَالْأَوْلَى أَنْ يَصْبِرَ سَاعَةً حَتَّى يَرْتَفِعَ النَّهَارُ .

وَاسْتُحِبَّ لِلطَّالِبِ السَّبْقُ بِالْمَجِيءِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ شَيْءٌ ، فَتَشُقُّ إِعَادَتُهُ ، فَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - بِكَرَاهَةِ تَكْرِيرِ مَاضِيهِ ، وَاسْتِثْقَالِ الْإِعَادَةِ لِفَائِتِهِ وَمُنْقَضِيهِ ، حَتَّى قَالَ الثَّوْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُمَا : مَنْ غَابَ خَابَ ، وَأَكَلَ نَصِيبَهُ الْأَصْحَابُ ، وَلَمْ نُعِدْ لَهُ حَدِيثًا . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : نَقْلُ الصَّخْرِ أَهْوَنُ مِنْ إِعَادَةِ الْحَدِيثِ . وَقَالَ نَفْطَوَيْهِ يُخَاطِبُ ثَقِيلًا مِنْ أَبْيَاتٍ : خَلٍ عَنَّا فَإِنَّمَا أَنْتَ فِينَا وَاوُ عَمْرٍو وَكَالْحَدِيثِ الْمُعَادِ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى الشَّيْخِ وَقْتَ الِانْصِرَافِ ، فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ : وَلَا يَرِدُونَ الْمَاءَ إِلَّا عَشِيَّةً إِذَا صَدَرَ الْوُرَّادُ عَنْ كُلِّ مَنْهَلٍ وَلِذَا كَانَ خَلْقٌ يَبِيتُونَ لَيْلَةَ الْإِمْلَاءِ عَلَي بْنِ الْمَدِينِيِّ بِمَحَلِّ جُلُوسِهِ حِرْصًا عَلَى السَّمَاعِ ، وَتَخَوُّفًا مِنَ الْفَوَاتِ .

موقع حَـدِيث