آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ
وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي النَّهْيُ عَنِ الِانْتِخَابِ لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ : ( وَالْكِتَابَ ) ، أَوِ الْجُزْءَ ، بِالنَّصْبِ ( تَمِّمْ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ ( سَمَاعَهُ ) وَكِتَابَتَهُ ، وَ ( لَا تَنْتَخِبْهُ تَنْدَمِ ) ؛ فَإِنَّكَ قَدْ تَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ مِنْهُ ، فَلَا تَجِدُهُ فِيمَا انْتَخَبْتَهُ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ . وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : مَا جَاءَ مِنْ مُنْتَقي خَيْرٌ قَطُّ . وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ : سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ .
وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ : صَاحِبُ الِانْتِخَابِ يَنْدَمُ ، وَصَاحِبُ النَّسْخِ لَا يَنْدَمُ . وَقَالَ الْمَجْدُ الصُّرْخكِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ : مَا قَرْمَطْنَا نَدِمْنَا ، وَمَا انَتَخَبْنَا نَدِمْنَا ، وَمَا لَمْ نُقَابِلْ نَدِمْنَا . وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْمُقَابَلَةِ .
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : كُنَّا نَكْتُبُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ . وَلَمْ يَقْنَعِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِانْتِخَابِ كُتُبِ غُنْدَرٍ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ ، بَلْ قَالَ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا نَسَخَ كُتُبَهُ غَيْرَنَا . ( وَ ) لَكِنْ ( إِنْ يَضِقْ حَالٌ ) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ ( عَنِ اسْتِيعَابِهِ ) ؛ أَيِ : الْكِتَابِ أَوِ الْجُزْءِ لِعُسْرِ الشَّيْخِ ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَوِ الطَّالِبِ وَارِدًا غَيْرَ مُقِيمٍ ، فَلَا يَتَّسِعُ الْوَقْتُ لَهُ ، أَوْ لِضَيِّقِ يَدِ الطَّالِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَكَذَا إِنِ اتَّسَعَ مَسْمُوعُهُ بِحَيْثُ تَكُونُ كِتَابَةُ الْكُتُبِ أَوِ الْأَجْزَاءِ كَامِلَةً كَالتِّكْرَارِ ، وَاتَّفَقَ شَيْءٌ مِنْهَا ( لِعَارِفٍ ) ؛ أَيْ : بِجَوْدَةِ الِانْتِخَابِ ، اجْتَهَدَ ( وَأَجَادَ فِي انْتِخَابِهِ ) بِنَفْسِهِ ، فَقَدْ كَانَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ . ( أَوْ ) اتَّفَقَ ذَلِكَ لِمَنْ ( قَصُرَ ) عَنْ مَعْرِفَةِ الِانْتِخَابِ ( اسْتَعَانَ ) فِي انْتِخَابِ مَا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ ( ذَا ) ؛ أَيْ : صَاحِبَ ، ( حِفْظٍ ) وَمَعْرِفَةٍ ؛ ( فَقَدْ كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ لَهُ ) ؛ أَيْ : لِلِانْتِخَابِ لِرِفَاقِهِ الْمُتَمَيِّزِينَ فَضْلًا عَنِ الْقَاصِرِينَ ، ( يُعِدْ ) ؛ أَيْ : يُهَيِّأ له بِحَيْثُ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ وَيَتَصَدَّى لِفِعْلِهِ كَأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ ، وَالنَّسَائِيِّ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أُورَمَةَ ، وَعُبَيْدٍ الْعِجْلِ ، وَالْجِعَابِيِّ ، وَعُمَرَ بْنِ جعفر الْبَصْرِيِّ ، وَابْنِ الْمُظَفَّرِ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَابْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ ، وَاللَّالِكَائِيِّ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَخِبُونَ عَلَى الشُّيُوخِ ، وَالطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِانْتِخَابِهِمْ . وَاقْتَفَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّاظِمِ وَتَلَامِذَتِهِ كَوَلَدِهِ وَالصَّلَاحِ الْأَقْفَهْسِيِّ وَشَيْخِنَا ، ثُمَّ طَلَبَتِهِ كَالْجَمَّالِ ابْنِ مُوسَى وَمُسْتَمْلِيهِ وَصَاحِبِنَا النَّجْمِ الْهَاشِمِيِّ .
وَتَوَسَّعَا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدٍّ لَمْ أَرْتَضِهِ مِنْهُمَا ، وَإِنْ كُنْتُ سَلَكْتُهُ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِلَّا فَمَتَى لَمْ يَكُنْ عَارِفًا وَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَخَلَّ ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَعِينٍ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ مِمَّا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : دَفَعَ إِلَيَّ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ سِتَّمِائَةِ حَدِيثٍ ، فَانْتَقَيْتُ شِرَارَهَا لِكَوْنِي لَمْ يَكُنْ لِي بِهَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ . وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الِانْتِخَابِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ يَنْتَخِبُ لَهُمْ ، فَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ ابْنِ عُقْدَةَ قَالَ : كُنَّا نَحْضُرُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِعُبَيْدٍ ، وَيُلَقَّبُ أَيْضًا ( الْعِجْلَ ) ، عِنْدَ الشُّيُوخِ وَهُوَ شَابٌّ يَنْتَخِبُ لَنَا ، فَكَانَ إِذَا أَخَذَ الْكِتَابَ كَلَّمْنَاهُ فَلَا يُجِيبُنَا حَتَّى يَفْرَغَ ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّهُ إِذَا مَرَّ حَدِيثُ الصَّحَابِيِّ أَحْتَاجُ أَتَفَكَّرُ فِي مُسْنَدِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ ، هَلِ الْحَدِيثُ فِيهِ أَمْ لَا ؟ فَلَوْ أَجَبْتُكُمْ خَشِيتُ أَنْ أَزِلَ ، فَتَقُولُونَ لِي : لِمَ انْتَخَبْتَ هَذَا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ فُلَانٌ ؟ ( وَعَلَّمُوا ) ؛ أَيْ : مَنِ انْتَخَبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ ، ( فِي الْأَصْلِ ) الْمُنْتَخَبِ مِنْهُ مَا انْتَخَبُوهُ لِأَجْلِ تَيَسُّرِ مُعَارَضَةِ مَا كَتَبُوهُ بِهِ ، أَوْ لِإِمْسَاكِ الشَّيْخِ أَصْلَهُ بِيَدِهِ ، أَوْ لِلتَّحْدِيثِ مِنْهُ ، أَوْ لِكِتَابَةِ فَرْعٍ آخَرَ مِنْهُ حَيْثُ فُقِدَ الْأَوَّلُ . وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُهُمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ لَا حَجْرَ فِيهِ ، فَعَلَّمُوا ( إِمَّا خَطَّا ) بِالْحُمْرَةِ ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَرِيضًا فِي الْحَاشِيَةِ الْيُسْرَى كَالدَّارَقُطْنِيِّ ، أَوْ صَغِيرًا فِي أَوَّلِ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ كَاللَّالَكَائِيِّ .
( أَوْ ) عَلَّمُوا بِصُورَةِ ( هَمْزَتَيْنِ ) بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى ؛ كَأَبِي الْفَضْلِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَينِ الْفَلَكِيِّ ، ( أَوْ بِصَادٍ ) مَمْدُودَةٍ بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْضًا ؛ كَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ النُّعَيْمِيِّ ، ( أَوْ ) بِـ ( طَا ) ء مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ كَذَلِكَ ؛ كَأَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ ، أَوْ بِحَائَيْنِ إِحْدَاهُمَا إِلَى جَنْبِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ ؛ كَمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ النِّعَالِيِّ ، أَوْ بِجِيمٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى كَالْجَمَاعَةِ ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ .