آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ
( وَاقْرَأْ ) أَيُّهَا الطَّالِبُ عِنْدَ شُرُوعِكَ فِي الطَّلَبِ لِهَذَا الشَّأْنِ ( كِتَابًا فِي ) مَعْرِفَةِ ( عُلُومِ الْأَثَرِ ) تَعْرِفُ بِهِ آداب التَّحَمُّلِ ، وَكَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَالطَّلَبِ ، وَمَنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ ، وَسَائِرَ مُصْطَلَحِ أَهْلِهِ ، ( كَـ ) كِتَابِ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي عَمْرٍو ( ابْنِ الصَّلَاحِ ) ، الَّذِي قَالَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ : إِنَّهُ مَدْخَلٌ إِلَى هَذَا الشَّأْنِ مُفْصِحٌ عَنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ ، شَارِحٌ لِمُصَنَّفَاتِ أَهْلِهِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَمُهِمَّاتِهِمُ الَّتِي يَنْقُصُ الْمُحَدِّثُ بِالْجَهْلِ بِهَا نَقْصًا فَاحِشًا ، قَالَ : فَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ تُقَدِّمَ الْعِنَايَةُ بِهِ ، وَعَلَيْهِ مُعَوَّلُ كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ . ( أَوْ كَذَا ) النَّظْمِ ( الْمُخْتَصَرِ ) مِنْهُ ، الْمُلَخَّصِ فِيهِ مَقَاصِدُهُ مَعَ زِيَادَةِ مَا يُسْتَعْذَبُ كَمَا سَلَفَ فِي الْخُطْبَةِ . وَعَوِّلْ عَلَى شَرْحِهِ هَذَا وَاعْتَمِدْهُ ، فَلَا تَرَى نَظِيرَهُ فِي الْإِتْقَانِ وَالْجَمْعِ مَعَ التَّلْخِيصِ وَالتَّحْقِيقِ ، نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَصَرَفَ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَعْنَاهُ ، وَلَمْ يَلْحَظْ مَغْزَاهُ مِنْ صَالِحٍ وَطَالِحٍ ، وَحَاسِدٍ وَنَاصِحٍ ، وَصَبِيٍّ جَهُولٍ وَغَبِيٍّ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ ، مُتَفَهِّمًا لِمَا يَلِيقُ بِخَاطِرِكَ مِنْهَا مِمَّنْ يَكُونُ مُمَارِسًا لِلْفَنِّ مَطْبُوعًا فِيهِ عَامِلًا بِهِ ، وَإلَّا تَكُنْ كَخَابِطِ عَشْوَاءَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْيَاءَ .
وَذَلِكَ وَاجِبٌ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ . ج٣ / ص٣٢٠وَإِذَا عَلِمْتَ كَيْفِيَّةَ الطَّلَبِ وَمَا يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ فَلْيَكُنْ أَوَّلِ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَعِمَلَهُ شِدَّةُ الْحِرْصِ عَلَى السَّمَاعِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهِ ، وَالْمُلَازَمَةِ لِلشُّيُوخِ ، وَتَبْتَدِئُ بِسَمَاعِ الْأُمَّهَاتِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالْأُصُولِ الْجَامِعَةِ لِلسُّنَنِ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ . وَهِيَ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْمَسَانِيدِ وَالْمُبَوَّبَةِ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ ، أَنْفَعُهَا بِالنَّظَرِ ؛ لِسُرْعَةِ اسْتِخْرَاجِ الْفَائِدَةِ مِنْهَا ، فَقَدِّمْهَا .
( وَبِالصَّحِيحَيْنِ ) لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْهَا ( ابْدَأَنْ ) [ بنون التأكيد الخفيفة ] ، وَقَدِّمْ أَوَّلَهُمَا لِشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ بِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ الْمقَصْدُ الْأَعْظَمُ ، مَعَ تَقَدِّمِهِ وَرُجْحَانِهِ كَمَا سَبَقَ فِي مَحَلِّهِ إِلَّا إِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ ، كَأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لـِ ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) انْفَرَدَ بِهِ ، وَيُخْشَى فَوْتُهُ ، وَرُوَاةُ ( الْبُخَارِيِّ ) فِيهِمْ كَثْرَةٌ ، كَمَا اتَّفَقَ فِي عَصْرِنَا لِلزَّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزَّرْكَشِيِّ الْحَنْبَلِيِّ آخِرِ مَنْ سَمِعَ ( صَحِيحَ مُسْلِمٍ ) عَلَى الْبَيَانِيِّ ؛ فَإِنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّشَاغُلُ عَنْهُ بِـ ( صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ) الَّذِي اسْتَمَرَّ بَعْدَهُ فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، رُبَّمَا فَاتَ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ . ( ثُمَّ ) أَرْدِفْهُا بِكُتُبِ ( السُّنَنْ ) الْمُرَاعِي مُصَنِّفُوهَا فِيهَا الِاتِّصَالَ غَالِبًا ، وَالْمُقَدَّمُ مِنْهَا كِتَابُ أَبِي دَاوُدَ ؛ لِكَثْرَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، ثُمَّ كِتَابُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ؛ لِتتَمَرَّنَ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَشْيِ فِي الْعِلَلِ ، ثُمَّ كِتَابُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ ؛ لِاعْتِنَائِهِ بِالْإِشَارَةِ لِمَا فِي الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، وَبَيَانِهِ لِحُكْمِ مَا يُورِدُهُ مِنْ صِحَّةٍ وَحُسْنٍ وَغَيْرِهِمَا . ( وَ ) يَلِيهَا كِتَابُ ( السُّنَنِ ) لِلْحَافِظِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ ( الْبَيْهَقِي ) ، فَلَا تَحِدْ عَنْهُ ؛ لِاسْتِيعَابِهِ لِأَكْثَرِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، بَلْ لَا نَعْلَمُ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - ج٣ / ص٣٢١فِي بَابِهِ مِثْلَهُ .
وَلِذَا كَانَ حَقُّهُ التَّقْدِيمَ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ السُّنَنِ ، لَكِنْ قَدَّمْتُ تِلْكَ لِتَقَدُّمِ مُصَنِّفِيهَا فِي الْوَفَاةِ وَمَزِيدِ جَلَالَتِهِمْ ، ( ضَبْطًا وَفَهْمًا ) ؛ أَيْ : بِالضَّبْطِ فِي سَمَاعِكَ لِمُشْكِلِهَا ، وَالْفَهْمِ لِخَفِيِ مَعَانِيهَا ، بِحَيْثُ إِنَّكَ كُلَّمَا مَرَّ بِكَ اسْمٌ مُشْكِلٌ أَوْ كَلِمَةٌ مِنْ حَدِيثٍ مُشْكِلَةٍ تَبْحَثُ عَنْهَا ، وَتُودِعُهَا قَلْبَكَ ، فَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ لَكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ . [ وحينئذ فالفهم هنا فيما يرجع لغريب الأسماء والمتون ليتمكن من النطق بها على وجهها ؛ فهو أخص مما تقدم ] . وَكَذَا اعْتَنِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُبَوَّبَةِ بِسَمَاعِ الصِّحَاحِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَلَمْ يُوجَدْ تَامَّا ، وَلِابْنِ حِبَّانَ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ ، وَبِسَمَاعِ الْجَامِعِ الْمَشْهُورِ بِـ ( الْمُسْنَدِ ) لِلدَّارِمِيِّ ( وَالسُّنَنِ ) لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ مَعَ مُسْنَدِهِ ، وَهُوَ عَلَى الْأَبْوَابِ ، وَ ( السُّنَنِ الْكُبْرَى ) لِلنَّسَائِيِّ ؛ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَاتِ عَلَى تِلْكَ ، وَ ( السُّنَنِ ) لِابْنِ مَاجَهْ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ ، وَبِـ ( شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ ) لِلطَّحَاوِيِّ .
( ثُمَّ ثَنْ بِـ ) سَمَاعِ ( مَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ ) كُتُبِ الْمَسَانِيدِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا كَـ ( مُسْنَدِ أَحْمَدَ ) وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، وَالْحُمَيْدِيِّ ، وَالْعَدَنِيِّ ، وَمُسَدَّدٍ ، وَأَبِي يَعْلَى ، وَالْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا أَعْلَى مِنْهَا فِي الَّتِي قَبِلَهَا غَالِبًا . وَكَذَا بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ عَلَى الْأَبْوَابِ أَيْضًا ، لَكِنْ كَثُرَ فِيهَا الْإِيرَادُ لِغَيْرِ الْمُسْنَدِ ، كَالْمُرْسَلِ وَشِبْهِهِ ، مَعَ كَوْنِهَا سَابِقَةً لِتِلْكَ فِي الْوَضْعِ ( كَـمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ) وَ ( السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ) وَ ( الْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ ) لِمُقْتَفِي السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ الَّذِي قَالَ أَبُو خُلَيْدٍ عُتْبَةُ بْنُ حَمَّادٍ : إِنَّهُ لَمَّا عَرَضَهُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ فِي أَرْبَعَةِ أَيْامٍ قَالَ لَهُ : عِلْمٌ جَمَعْتُهُ فِي سِتِّينَ سَنَةً أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيْامٍ ؟ ! وَاللَّهِ لَا يَنْفَعُكُمُ اللَّهُ بِهِ أَبَدًا ، وَفِي لَفْظٍ : لَا فَقِهْتُمْ أَبَدًا . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ( الْحِلْيَةِ ) .
ج٣ / ص٣٢٢وَكَكُتُبِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُشَيْمٍ وَابْنِ وَهْبٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَوَكِيعٍ . وَ ( الْمُوَطَّأُ ) قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ : مَا قَدَّمْنَا فِي أَصَحِ كُتُبِ الْحَدِيثِ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ : إِنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي هَذَا النَّوْعِ ، فَيَجِبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ . قُلْتُ : وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ تَابِعِيًّا ، فَكُلُّهُمْ وَاطَأَهُ عَلَى صِحَّتِهِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ الطَّحَّانِ فِي ( تَارِيخِ الْمِصْرِيِّينَ ) لَهُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّا جُرِّبَ أَنَّ الْحَامِلَ إِذَا أَمْسَكَتْهُ بِيَدِهَا تَضَعُ فِي الْحَالِ .
ثُمَّ بِالْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنَ التَّصَانِيفِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَبْوَابٍ مَخْصُوصَةٍ ؛ كَالطَّهَارَةِ وَالزَّكَاةِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَالْأَدَبِ وَالْفَضَائِلِ وَالسِّيَرِ ، وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ كَثْرَةً . وَكَذَا مِنَ الْمَعَاجِمِ الَّتِي عَلَى الصَّحَابَةِ وَالَّتِي عَلَى الشُّيُوخِ ، وَالْفَوَائِدِ النَّثْرِيَّةِ ، وَالْأَجْزَاءِ الْحَدِيثِيَّةِ ، وَالْأَرْبَعِينِاتِ . وَقَدِّمْ مِنْهُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، وَذَلِكَ لَا يُمَيِّزُهُ إِلَّا النُّبَهَاءُ ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ .
وَكُلُّ مَا سَمَّيْتُهُ فَأَكْثَرُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ لِي مَسْمُوعٌ ، وَمَا لَمْ أُسَمِّهِ فَعِنْدِي بِالسَّمَاعِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ مَا يَفُوقُ الْوَصْفَ .