آدَابُ طَالِبِ الْحَدِيثِ
( وَهْوَ ) ؛ أي التَّأْلِيفُ الْأَعَمُّ ( فِي التَّصْنِيفِ ) فِي الْحَدِيثِ ( طَرِيقَتَانِ ) مَأْلُوفَتَانِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ : الْأُولَى : ( جَمْعُهُ ) ؛ أَيِ : التَّصْنِيفِ بِالسَّنَدِ ، ( أَبْوَابَا ) ؛ أَيْ : عَلَى الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِهَا ، وَتَنْوِيعُهُ أَنْوَاعًا ، وَجَمْعُ مَا وَرَدَ فِي كُلِّ حُكْمٍ وَكُلِّ نَوْعٍ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا فِي بَابٍ فَبَابٍ ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ مَا يَدْخُلُ فِي الْجِهَادِ مَثَلًا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ . وَأَهْلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ ؛ كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ ؛ كَبَاقِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ قَرِيبًا ، وَمَا لَا يَنْحَصِرُ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ . وَرُبَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْإِسْنَادُ ج٣ / ص٣٣٣وَاقْتُصِرَ عَلَى الْمَتْنِ فَقَطْ ؛ كَـ ( الْمَصَابِيحِ ) لِلْبَغَوِيِّ ، ثُمَّ ( الْمِشْكَاةِ ) ، وَزَادَ عَلَى الْأَوَّلِ عَزْوَ الْمَتْونِ ، وَهُمَا نَافِعَانِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُقَصِّرِ أَهْلُهَا ، ثُمَّ مِنَ الْمُبَوِّبِينَ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَابٍ وَاحِدٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الْحَدِيثِ صَرِيحًا كَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ إِجْمَالًا كَأَبِي دَاوُدَ .
( أَوْ ) جَمْعُهُ ( مُسْنَدًا ) ؛ أَيْ : عَلَى الْمَسَانِيدِ ، ( تُفْرِدُهُ صِحَابَا ) ؛ أَيْ : لِلصَّحَابَةِ وَاحِدًا فَوَاحِدًا ، وَإِنِ اخْتَلَفَت أَنْوَاعُ أَحَادِيثِهِ ، وَذَلِكَ كَـ ( مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ) وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ قَرِيبًا ، وَكَذَا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ؛ كَـ ( مُسْنَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ ) ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ ، وَأَبِي بَكْرِ ابْنِ شَيْبَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ ، وَأَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ ، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ ، وَمَا يُوجَدُ مِنْ ( مُسْنَدِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ ) ، وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ - كَمَا سَيَأْتِي - الْقَلِيلُ ، وَ ( مُسْنَدِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ) ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَوْجُودٍ الْآنَ ، وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ( إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُسْنَدًا وَتَتَبَّعَهُ ، وَأَسَدِ بْنِ مُوسَى ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ نُعَيْمٍ سِنًّا ، وَأَقْدَمَ سَمَاعًا ، فَيُحْتَمَلُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - أَنْ يَكُونَ تَصْنِيفُ نُعَيْمٍ لَهُ فِي حَدَاثَتِهِ ، وَتَصْنِيفُ أَسَدٍ بَعْدَهُ فِي كِبَرِهِ ) . انْتَهَى .
وَلَوْلَا أَنَّ الْجَامِعَ لِـ ( مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ ) غَيْرُهُ بِحَسَبِ مَا وَقَعَ لَهُ ج٣ / ص٣٣٤بِخُصُوصِهِ مِنْ حَدِيثِهِ لا بِالنَّظَرِ لِجَمِيعِ مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ ؛ فَإِنَّهُ مُكْثِرٌ جِدًّا ، لَكَانَ أَوَّلَ مُسْنَدٍ ؛ فَإِنَّ الطَّيَالِسِيَّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى هَؤُلَاءِ . وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ، وَالْقَصْدُ مِنْهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ - تَدْوِينُ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ؛ لِيُحْفَظَ لَفْظُهُ وَيُسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْحُكْمُ ، يَعْنِي فِي الْجُمْلَةِ . وَأَهْلُهَا مِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ بِأَنْ يَجْعَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَأُسَامَةَ فِي الْهَمْزَةِ ؛ كَالطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ ، ثُمَّ الضِّيَاءِ فِي مُخْتَارَتِهِ الَّتِي لَمْ تَكْمُلْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى الْقَبَائِلِ ، فَيُقَدِّمُ بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّسَبِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ ، فَيُقَدِّمُ الْعَشَرَةَ ، ثُمَّ أَهْلَ بَدْرٍ ، ثُمَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ الْأَصَاغِرَ الْأَسْنَانِ كَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي الطُّفَيْلِ ، ثُمَّ بِالنِّسَاءِ ، وَيَبْدَأُ مِنْهُنَّ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ .
قَالَ الْخَطِيبُ : ( وَهِيَ أَحَبُّ إِلَيْنَا ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : إِنَّهَا أَحْسَنُ ، يَعْنِي لِتَقْدِيمِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى ، وَاللَّتَانِ قَبْلَهَا أَسْهَلُ تَنَاوُلًا مِنْهَا ، وَأَسْهَلُهُمَا أَوْلَاهُمَا ) . ثُمَّ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ يَجْمَعُ فِي تَرْجَمَةِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِصِحَّةٍ وَغَيْرِهَا ، وَهُمُ الْأَكْثَرُ ، ج٣ / ص٣٣٥وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّالِحِ لِلْحُجَّةِ كَالضِّيَاءِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ كَمُسْنَدٍ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا ، أَوْ مُسْنَدِ عُمَرَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى طَرَفِ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى بَقِيَّتِهِ ، وَيَجْمَعُ أَسَانِيدَهُ إِمَّا مُسْتَوْعِبًا ، أو مُقَيِّدًا بِكُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ شِبْهَ مَا فَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الطَّرَقِيُّ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَقَافٍ - فِي ( أَطْرَافِ الْخَمْسَةِ ) ، وَالْمِزِّيُّ فِي ( أَطْرَافِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ) ، وَشَيْخُنَا فِي ( أَطْرَافِ الْكُتُبِ الْعَشَرَةِ ) . وَطَرِيقَةُ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّحَابِيُّ مِنَ الْمُكْثِرِينَ رَتَّبَ حَدِيثَهُ عَلَى الْحُرُوفِ أَيْضًا فِي الرُّوَاةِ عَنْهُ ، وَكَذَا يَفْعَلُ فِي التَّابِعِي حَيْثُ يَكُونُ مِنَ الْمُكْثِرِينَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ ، وَهَكَذَا . وَقَدْ طَرَّفَ ابْنُ طَاهِرٍ أَحَادِيثَ الْأَفْرَادِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ .
وَسَلَكَ ابْنُ حِبَّانَ طَرِيقَةً ثَالِثَةً ، فَرَتَّبَ صَحِيحَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ، وَهِيَ : الْأَوَامِرُ ، وَالنَّوَاهِي ، وَالْإِخْبَارُ عَمَّا احْتِيجَ لِمَعْرِفَتِهِ ؛ كَبَدْءِ الْوَحْيِ ، وَالْإِسْرَاءِ ، وَمَا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْإِبَاحَاتِ ، وَأَفْعَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي انْفَرَدَ بِفِعْلِهَا مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ وَشَبَهُهُ ، وَنَوَّعَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهَا أَنْوَاعًا . وَلَعَمْرِي إِنَّهُ وَعْرُ الْمَسْلَكِ ، صَعْبُ الْمُرْتَقَى ، بِحَيْثُ سَمِعْتُ شَيْخَنَا يَقُولُ : ج٣ / ص٣٣٦إِنَّهُ رَامَ تَقْرِيبَهُ فَبَعَّدَهُ .