حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْعَالِي وَالنَّازِلُ

( وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ ) مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ خَلَّادٍ ج٣ / ص٣٥٠وَالْخَطِيبُ غَيْرَ مُعَيِّنَيْنِ لَهُ ( النُّزُولَ ) ؛ فَإِنَّ الْعُلُوَّ - كَمَا قَالَ بَعْضُ الزُّهَّادِ - مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهُوَ كَلَامٌ وَاقِعٌ ، فَالْغَالِبُ عَلَى الطَّالِبِينَ ذَلِكَ . قَالَ : وَقَوْلُهُمُ : الْعُلُوُّ قُرْبٌ مِنَ اللَّهِ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقٍ وَبَحْثٍ ، وَكَأَنَّهُ لِمَا لَعَلَّهُ يَتَضَمَّنُ مِنْ إِثْبَاتِ الْجِهَةِ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مَعْرِفَةِ جَرْحِ مَنْ يَرْوِي عَنْهُ وَتَعْدِيلِهِ ، وَالِاجْتِهَادُ فِي أَحْوَالِ رُوَاةِ النَّازِلِ أَكْثَرُ ، فَكَانَ الثَّوَابُ فِيهِ أَوْفَرَ .

قَالَ ابْنُ خَلَّادٍ : وَهَذَا مَذْهَبُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْخَبَرَ أَقْوَى مِنَ الْقِيَاسِ
، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْبَحْثَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي الْخَبَرِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ، أَوْ لِأَنَّ تَقْدِيمَ النَّازِلِ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى كَثْرَةِ الْوَسَائِطِ الْمُقْتَضِيَةِ لِتَكْثِيرِ الْخَبَرِ تتَضَمَّنُ تَرْجِيحَ الْخَبَرِ فِي الْجُمْلَةِ . وَيُسَاعِدُ هَذَا الْقَوْلَ ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَهْدِيٍّ : لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يَطْلُبِ الْإِسْنَادَ ، يَعْنِي : التَّعالِيَ فِيهِ . وَاسْتِعْمَالُ ( بَعْضٍ ) بِلَا إِضَافَةٍ قَلِيلٌ كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي ( غَيْرٍ ) مِنْ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ .

( وَهْوَ ) أَيِ : الْقَوْلُ بِتَفْضِيلِ النُّزُولِ ، ( رَدْ ) أَيْ : مَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ لِضَعْفِهِ وَضَعْفِ حُجَّتِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْمَشَقَّةِ - فِيمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - لَيْسَتْ مَطْلُوبَةً لِنَفْسِهَا . قَالَ : وَمُرَاعَاةُ الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ مِنَ الرِّوَايَةِ - وَهُوَ ج٣ / ص٣٥١الصِّحَّةُ - أَوْلَى ، وَأَيَّدَهُ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَنْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ لِلْجَمَاعَةِ فَيَسْلُكُ الطَّرِيقَ الْبَعِيدَ لِتَكْثِيرِ الْخُطَى رَغْبَةً فِي تَكْثِيرِ الْأَجْرِ ، وَإِنْ أَدَّاهُ سُلُوكُهَا إِلَى فَوْتِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي هِيَ الْمَقْصُودُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْحَدِيثِ التَّوَصُّلُ إِلَى صِحَّتِهِ ، وَبُعْدُ الْوَهْمِ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ رِجَالُ الْإِسْنَادِ تَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالُ الْخَطَأِ وَالْخَلَلِ ، وَكُلَّمَا قَصُرَ السَّنَدُ كَانَ أَسْلَمَ .

وَسَبَقَهُ الْخَطِيبُ فَقَالَ : وَمِنْهُمْ ، أَيْ : وَمِنْ أَهْلِ النَّظَرِ ، مَنْ يَرَى أَنَّ سَمَاعَ الْعَالِي أَفْضَلُ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُخَاطِرٌ ، وَسُقُوطُ بَعْضِ الْإِسْنَادِ مُسْقِطٌ لِبَعْضِ الِاجْتِهَادِ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ ، فَكَانَ أَوْلَى
.

وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : الْعُلُوُّ يُبْعِدُ الْإِسْنَادَ مِنَ الْخَلَلِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ رِجَالِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقَعَ الْخَلَلُ مِنْ جِهَتِهِ سَهْوًا أَوْ عَمْدًا ، فَفِي قِلَّتِهِمْ قِلَّةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ ، وَفِي كَثْرَتِهِمْ كَثْرَةُ جِهَاتِ الْخَلَلِ ، قَالَ : وَهَذَا جَلِيٌّ وَاضِحٌ
.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَا أَعْلَمُ وَجْهًا جَيِّدًا لِتَرْجِيحِ الْعُلُوِّ إِلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الصِّحَّةِ وَقِلَّةِ الْخَطَأِ فَإِنَّ الطَّالِبِينَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْإِتْقَانِ ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ الْإِتْقَانِ ، فَإِذَا كَثُرَتِ الْوَسَائِطُ ، وَوَقَعَ مِنْ كُلِّ وَاسِطَةٍ تَسَاهُلٌ مَا ، كَثُرَ الْخَطَأُ وَالزَّلَلُ ، وَإِذَا قَلَّتِ الْوَسَائِطُ قَلَّ
. انْتَهَى .

وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ فِي تَرْجِيحِ مَا قَلَّتْ وَسَائِطُهُ عَلَى مَا كَثُرَتْ ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ الْغَلَطِ فِيمَا قَلَّتْ وَسَائِطُهُ أَقَلُّ ، ثُمَّ إِنَّ مَا عَلَّلَ بِهِ تَفْضِيلَ النُّزُولِ قَدْ يُوهِمُ أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ وَلَوْ كَانَ رَاوِيَ الْعَالِي أَحْفَظَ أَوْ أَوْثَقَ أَوْ أَضَبَطَ ونَحْوَ ذَلِكَ . وَلَيْسَ كَذَلِكَ جَزْمًا ، ج٣ / ص٣٥٢كَمَا أَنَّهُ إِذَا انْضَمَّ إِلَى النُّزُولِ الْإِتْقَانُ ، وَكَانَ الْعُلُوُّ بِضِدِّهِ لَا تَرَدُّدَ - كَمَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ - فِي أَنَّ النُّزُولَ أَقْوَى ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ، وَسَأَذْكُرُ الْمَسْأَلَةَ آخِرَ الْبَابِ . وَحِينَئِذٍ فَمَحَلُّ الِاخْتِلَافِ عِنْدَ التَّسَاوِي فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ مَا عَدَا العُّلُوَّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالْعُلُوُّ أَفْضَلُ ، وَطَلَبُهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ - مِنْ عُلُوِ هِمَّةِ الْمُحَدِّثِ ، وَنُبْلِ قَدْرِهِ ، وَجَزَالَةِ رَأْيِهِ .

وَلِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى طَلَبِهِمْ لَهُ ، وَمَدْحِهِمْ إِيَّاهُ ، حَتَّى إِنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يُورِدْ فِي صَحِيحِهِ حَدِيثَ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِكَوْنِهِ لَا يَصِلُ لِمَالِكٍ مِنْ طَرِيقِهِ إِلَّا بِوَاسِطَتَيْنِ ، وَهُوَ قَدِ اسْتَغْنَى عَنْ ذَلِكَ بِإِدْرَاكِهِ لأَصْحَابَهُ كَالْقَعْنَبِيِّ ، فَلَمْ يَرَ النُّزُولَ مَعَ إِمْكَانِ الْعُلُوِّ .

وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : وَلِهَذَا اعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ فِي كَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَلَى شُعَيْبٍ ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَحْسَنِ مَا أَدْرَكَهُ مِنَ الْإِسْنَادِ ، وَأَقَلَّ مِنَ الرِّوَايَةِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ لِأَنَّ أَكْثَرَ حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَقَعَ لَهُ بِنُزُولٍ ،
عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُمْ تِلْمِيذُهُ مُسْلِمٌ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ؛ كَأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ ، وَدَاوُدَ بْنِ رُشَيْدٍ ، وَسُرَيْجِ بْنِ يُونُسَ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَعَبَّادِ بْنِ مُوسَى الْخُتُلِّيِّ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَهَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ . مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِدُونِهَا إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَسْمَعْ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ إِلَّا مِنْهُمْ ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا بَسَطْتُ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ .

وَقِيلَ لِابْنِ مَعِينٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ : مَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ : بَيْتٌ ج٣ / ص٣٥٣خَالٍ ، وَإِسْنَادٌ عَالٍ . ( وَ ) قَدْ ( قَسَّمُوهُ ) ؛ أَيْ : قَسَّمَ أَبُو الْفَضْلِ ابْنُ طَاهِرٍ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَابَعَهُمَا الْعُلُوَّ ( خَمْسَةً ) مِنَ الْأَقْسَامِ ، مَعَ اخْتِلَافِ كَلَامَيِ الْمَذْكُورَيْنِ فِي مَاهِيَّةِ بَعْضِهَا ، وَهِيَ تَرْجِعُ إِلَى عُلُوِّ مَسَافَةٍ ، وَهُوَ قِلَّةُ الْوَسَائِطِ ، وعُلُوِّ صِفَةٍ .

موقع حَـدِيث