الْعَالِي وَالنَّازِلُ
( فَالْأَوَّلُ ) مِنَ الْأَقْسَامِ مِمَّا هُوَ عُلُوُّ مَسَافَةٍ عُلُوٌّ مُطْلَقٌ ، وَهُوَ مَا فِيهِ ( قُرْبٌ ) مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ ( مِنَ الرَّسُولِ ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ تَارَةً يَكُونُ بِالنَّظَرِ لِسَائِرِ الْأَسَانِيدِ ، وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إِلَى سَنَدٍ آخَرَ فَأَكْثَرَ يَرِدُ بِهِ ذَلِكَ الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ ، عَدَدُهُ أَكْثَرُ . ( وَ ) هَذَا الْقِسْمُ ( هُوَ الْأَفْضَلُ ) الْأَجَلُّ مِنْ بَاقِي أَقْسَامِهِ ، وَأَعْلَى مِنْ سَائِرِ الْعَوَالِي ، وَلَكِنْ مَحَلُّهُ ( إِنْ صَحَّ الْإِسْنَادُ ) بِالنَّقْلِ ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ مَعَ ضَعْفِهِ بِسَبَبِ رُوَاتِهِ لَا اعْتِدَادَ بِهِ ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ ، خُصُوصًا إِنِ اشْتَدَّ الضَّعْفُ حَيْثُ كَانَ مِنْ طَرِيقِ بَعْضِ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ ادَّعَوُا السَّمَاعَ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ كَأَبِي هُدْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هُدْبَةَ ، وَخِرَاشٍ ، وَدِينَارٍ ، وَعُثْمَانَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمَغْرِبِيِّ أَبِي الدُّنْيَا الْأَشَجِّ ، وَكَثِيرِ بْنِ سُلَيْمٍ ، وَمُوسَى الطَّوِيلِ ، وَنَافِعٍ أَبِي هُرْمُزٍ ، وَنَجْدَةَ الْحَرُورِيِّ ، وَيُسْرٍ مَوْلَى أَنَسٍ ، وَيَعْلَى بْنَ الْأَشْدَقِ ، وَيَغْنَمَ بْنِ سَالِمٍ ، وَأَبِي خَالِدٍ السَّقَّاءِ . أَوِ ادَّعَى فِيهِمُ الصُّحْبَةَ ؛ كَجُبَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ ، وَالرَّبِيعِ بْنِ مَحْمُودٍ الْمَارِدِينِيِّ ، وَرَتَنٍ وَسَرِبَاتِكَ الْهِنْدِيَّيْنِ ، وَمَعْمَرٍ ، وَنَسْطُورَ أَوِ ابْنِ نَسْطُورَ الرُّومِيِّ ، ج٣ / ص٣٥٤وَيُسْرِ بْنِ عُبَدِ اللَّهِ الْآتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِمْ فِي الصَّحَابَةِ .
وَقَدْ أَنْشَدَ الْحَافِظُ السِّلَفِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ قَوْلَهُ :
قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي مِيزَانِهِ : مَتَى رَأَيْتَ الْمُحَدِّثَ يَفْرَحُ بِعَوَالِي أَبِي هُدْبَةَ - وَسَمَّى غَيْرَهُ مِمَّنْ سَمَّيْنَاهُمْ وَأَضْرَابِهِمْ - فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَامِّيٌّ بَعْدُ. وَسَبَقَهُ صَاحِبُ ( شَرَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ) فَقَالَ تَبَعًا لِلْحَاكِمِ وَالْخَلِيلِيِّ : لَيْسَ الْعَالِي مِنَ الْإِسْنَادِ مَا يَتَوَهَّمُهُ عَوَامُّ النَّاسِ ، يَعُدُّونَ الْأَسَانِيدَ فَمَا وَجَدُوا مِنْهَا أَقْرَبَ عَدَدًا إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَهَّمُونَهُ أَعْلَى ، كَنُسْخَةِ الْخَضِرِ بْنِ أَبَانَ عَنْ أَبَي ج٣ / ص٣٥٥هُدْبَةَ عَنْ أَنَسٍ ، وَنُسْخَةِ خِرَاشٍ ، وَسَمَّى بَعْضَ مَن ذُكِرَ ، وَهَذِهِ لَا يُحْتَجُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَلَا يُوجَدُ فِي مَسَانِيدَ الْعُلَمَاءِ مِنْهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ .
قَالُوا : وَأَقْرَبُ مَا يَصِحُّ مِنَ الْأَسَانِيدِ بِعَدَدِ الرِّجَالِ نُسْخَةُ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ كُلٍّ مِنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَحُمَيْدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسٍ . انْتَهَى . وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ شَيْخَ شُيُوخِنَا السَّرَّاجَ ابْنَ الْمُلَقِّنِ مَعَ جَلَالَتِهِ عَقَدَ مَجْلِسَ الْإِمْلَاءِ ، فَأَمْلَى - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - : الْمُسَلْسَلَ بِالْأَوَّلِيَّةِ ، ثُمَّ عَدَلَ إِلَى أَحَادِيثِ خِرَاشٍ وَأَضْرَابِهِ مِنَ الْكَذَّابِينَ فَرِحًا بِعُلُوِّهَا .
قَالَ شَيْخُنَا : ( وَهَذَا مِمَّا يَعِيبُهُ أَهْلُ النَّقْدِ ، وَيَرَوْنَ أَنَّ النُّزُولَ حِينَئِذٍ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ كَالْعَدَمِ ) . انْتَهَى . وَأَعْلَى مَا يَقَعُ لَنَا ما بَيْنِ الْقُدَمَاءِ مِنْ شُيُوخِنَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَشَرَةَ أَنْفُسٍ ، وَذَلِكَ مِنَ الْغَيْلَانِيَّاتِ ، وَجُزْءِ الْأَنْصَارِيِّ ، وَجُزْءِ ابْنِ عَرَفَةَ ، وَجُزْءِ الْغِطْرِيفِي ، وَغَيْرِهَا .
بَلْ وَتَقَعُ لِي الْعُشَارِيَّاتُ بِالسَّنَدِ الْمُتَمَاسِكِ مِنْ ( الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ ) لِلطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَكُونُ الْآنَ فِي الدُّنْيَا أَقَلُّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ . ج٣ / ص٣٥٦وَكَذَا وَقَعَتِ الْعُشَارِيَّاتُ لِشَيْخِي بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَمَاسِكَةِ ، وَلِشُيُوخِهِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ وَنَحْوِهَا ، وَأَمْلَى مِنْ ذَلِكَ جُمَلًا ، وَخَرَّجَ مِنْهَا مِنْ مَرْوِيَّاتِ شَيْخِهِ التَّنُوخِيِّ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا ، وَمِنْ مَرْوِيَّاتِ شَيْخِهِ الْمُصَنِّفِ سِتِّينَ كَمَّلَ بِهَا الْأَرْبَعِينَ الَّتِي كَانَ الشَّيْخُ خَرَّجَهَا لِنَفْسِهِ . وَأُفْرِدَتِ التُّسَاعِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ شُيُوخِ شُيُوخِنَا ؛ كَالْقَاضِي عِزِّ الدِّينِ ابْنِ جُمَاعَةَ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَيَانِيِّ .
وَكَذَا لِأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ اللَّخْمِيِّ الصَّيْرَفِيِّ وَأَبِي حَيَّانَ التُّسَاعِيَّاتُ . وَأُفْرِدَتِ الثَّمَانِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَاسِطَتَانِ ؛ كَالنَّجِيبِ الْحَرَّانِيِّ وَمُؤْنِسَةَ خَاتُونَ ، وَكَذَا لِلرَّشِيدِ الْعَطَّارِ وَالضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ . وَالسُّبَاعِيَّاتِ لِمَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ثَلَاثَةُ وَسَائِطَ ؛ كَأَبِي جَعْفَرٍ الصَّيْدَلَانِيِّ .
وَالسُّدَاسِيَّاتِ لِمَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ خَمْسَةٌ وسائط ؛ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الرَّازِيِّ وَزَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ . وَالْخُمَاسِيَّاتِ لِمَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ خَمْسَةٌ أَيْضًا ؛ كَأَبِي الْحُسَيْنِ ابْنِ النَّقُّورِ وَزَاهِرٍ أَيْضًا . وَأُفْرِدَتْ مِنْ ( سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ ) وَالرُّبَاعِيَّاتِ لِمَنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سَبْعَةٌ ؛ كَأَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ ، وَهِيَ أَعْلَى مَا فِي ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) وَ ( أَبِي عَوَانَةَ ) وَ ( السُّنَنِ ) لِلنَّسَائِيِّ .
ج٣ / ص٣٥٧وَأَمَّا الثُّلَاثِيَّاتُ ، فَفِي مُسْنَدِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْهَا جُمْلَةٌ ، وَكَذَا الْكَثِيرُ فِي ( مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ) ، وَمَا يَنِيفُ عَنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا فِي ( صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ) ، وَلَيْسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْهَا مَا هُوَ عَلَى شَرْطِهِ ، وَحَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي كُلٍّ مِنْ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَخَمْسَةُ أَحَادِيثَ فِي ابْنِ مَاجَهْ ، لَكِنْ مِنْ طَرِيقِ بَعْضِ الْمُتَّهَمِينَ . وَفِي مَعَاجِمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْهَا الْيَسِيرُ . وَالثُّنَائِيَّاتُ فِي ( مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ) .
وَالْوُحْدَانِ فِي حَدِيثِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَكِنْ بِسَنَدٍ غَيْرِ مَقْبُولٍ ؛ إِذِ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ لَا رِوَايَةَ لَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ .