حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْعَالِي وَالنَّازِلُ

فَأَوَّلُ أَقْسَامِ عُلُوِّ الصِّفَةِ ، وَهُوَ الرَّابِعُ : ( عُلُوُّ ) الْإِسْنَادِ بِسَبَبِ ( قِدَمِ الْوَفَاةِ ) فِي أَحَدِ رُوَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ آخَرَ مُتَأَخِّرِ الْوَفَاةِ عَنْهُ اشْتَرَكَ مَعَهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ شَيْخِهِ بِعَيْنِهِ . فَسَمَاعُنَا مَثَلًا لِلْبُخَارِيِّ مِمَّنْ رَوَاهُ لَنَا عَنِ الْبَهَاءِ أَبِي الْبَقَاءِ السُّبْكِيِّ ، أوَ التَّقِيِّ ابْنِ حَاتِمٍ ، أَوِ النَّجْمِ ابْنِ رَزِينٍ ، أَوِ الصَّلَاحِ الزِّفْتَاوِيِّ أَوْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِمْ أَعْلَى مِنْهُ مِمَّنْ رَوَاهُ لَنَا عَنْ عَائِشَةَ ابْنَةِ ابْنِ عَبْدِ الْهَادِي ، وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي رِوَايَتِهِمْ لَهُ عَنِ الْحَجَّارِ لِتَأَخُّرِ وَفَاةِ عَائِشَةَ عَنِ الْجَمِيعِ . وَكَذَا سَمَاعُنَا لِمُسْلِمٍ مِمَّنْ رَوَاهُ لَنَا عَنِ التَّقِيِّ ابْنِ حَاتِمٍ أَوِ النَّجْمِ الْبَالِسِيِّ أَوِ التَّقِيِّ الدُّجْوِيِّ أَوْ عن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِمْ أَعْلَى مِنْهُ مِمَّنْ رَوَاهُ لَنَا عَنِ الشَّرَفِ ابْنِ الْكُوَيْكِ ، وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي رِوَايَتِهِمْ لَهُ عَنِ الزَّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْهَادِي ؛ لِتَأَخُّرِ وَفَاةِ ابْنِ الْكُوَيْكِ عَنِ الْجَمِيعِ .

وَمَثَّلَ لَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّ رِوَايَتَهُ عَنْ شَيْخٍ عَنْ آخَرَ عَنِ الْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْحَاكِمِ أَعْلَى مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ شَيْخٍ عَنْ آخَرَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَفٍ عَنِ الْحَاكِمِ ، وَإِنْ تَسَاوَى الْإِسْنَادَانِ فِي الْعَدَدِ ؛ لِتَقَدُّمِ وَفَاةِ الْبَيْهَقِيِّ عَلَى ابْنِ خَلَفٍ ، فَالْبَيْهَقِيُّ مَاتَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَالْآخَرُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَذَا الْقِسْمِ فِي الْعُلُوِّ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ فِي ( الْإِرْشَادِ ) ، فَقَالَ : قَدْ يَكُونُ الْإِسْنَادُ يَعْلُو عَلَى غَيْرِهِ بِتَقَدُّمِ مَوْتِ رَاوِيهِ ، وَإِنْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْعَدَدِ . وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ طَاهِرٍ فِي تَصْنِيفِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ ، وَمَثَّلَهُ بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ ؛ لِحَدِيثِ : أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى جَنْبِ خَشَبَةٍ ؛ فَإِنَّهَا أَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ وَفَاةَ الْحَسَنِ كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَمِائَةٍ ، وَوَفَاةَ حُمَيْدٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ .

قَالَ : فَلَا يَكُونُ الْإِسْنَادُ إِلَى الْحَسَنِ مِثْلَ الْإِسْنَادِ إِلَى حُمَيْدٍ ، وَإِنِ اسْتَوَيَا فِي الرُّتْبَةِ ، بَلِ الطَّرِيقُ إِلَى الْحَسَنِ أَعْلَى وَأَجَلُّ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّ الرَّاوِيَ لِهَذَا عَنِ الْحَسَنِ هُوَ الْمُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ ، وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حُمَيْدٍ هُوَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ . قَالَ : وَقَدْ يَقَعُ فِي طَبَقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا ؛ فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَ فِي كِتَابِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُنَادِي ، وَاسْمُهُ - عَلَى الْمُعْتَمَدِ - مُحَمَّدٌ لَا أَحْمَدُ ، عَنْ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ بِحَدِيثٍ ، أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأُبَيٍّ : ( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ) ، وَحَدَّثَ بِهِ بِعَيْنِهِ أَبُو عَمْرِو ابْنُ السَّمَّاكِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُنَادِي ، وَبَيْنَ وَفَاتَيْهِمَا ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً .

فَالْبُخَارِيُّ كَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَتَأَخَّرَ شَيْخُهُ الْمَذْكُورُ بَعْدَهُ أَرْبَعَ عَشْرَةِ سَنَةً حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ ابْنُ السَّمَّاكِ ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاةُ ابْنِ السَّمَّاكِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . فَهُمَا - وَإِنِ اجْتَمَعَا فِي الْمَنْزِلَةِ - فَقَدِ افْتَرَقَا فِي الْجَلَالَةِ وَقِدَمِ السَّمَاعِ ، فَلَا يَكُونُ الطَّرِيقُ إِلَى الْبُخَارِيِّ كَالطَّرِيقِ إِلَى ابْنِ السَّمَّاكِ . وَمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ الْوَفَاةِ يَكُونُ حَدِيثُهُ أَعْلَى ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَ سَمَاعُهُ أَوِ اقْتَرَنَ أَوْ تَأَخَّرَ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُتَأَخِّرِ يَنْدُرُ وُقُوعُهُ كَمَا سَيَأْتِي فِي الَّذِي بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ الْوَفَاةِ يَعِزُّ وُجُودُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِالنَّظَرِ لِمُتَأَخِّرِهَا ، فَيُرْغَبُ فِي تَحْصِيلِ مَرْوِيِّهِ لِذَلِكَ .

عَلَى أَنَّ ابْنَ أَبِي الدَّمِ قَدْ نَازَعَ فِي أَصْلِ هَذَا الْقِسْمِ ، وَقَالَ : يَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا رَوَى صَحَابِيَّانِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ ، وَاتَّصَلَتْ سِلْسِلَةُ كُلِّ جَمَاعَةٍ بِمَنْ رَوَى عَنْهُ ، وَتَسَاوَى الصَّحَابِيَّانِ مَعَ الْعَدَالَةِ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ ، وَتَسَاوَى الْإِسْنَادُ فِي الْعَدَدِ وَصِفَاتِ الرُّوَاةِ ، إِلَّا أَنَّ أَحَدَ الصَّحَابِيَّيْنِ تُوُفِّيَ قَبْلَ الْآخَرِ ، أَنَّ إِسْنَادَ مَنْ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ أَعْلَى مِنْ إِسْنَادِ مَنْ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ . قَالَ : وَهَذَا لَمْ أَجِدْهُ مَنْقُولًا كَذَلِكَ ، وَهُوَ لَازِمٌ لَا مَحَالَةَ . انْتَهَى .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا لَمْ يَرْتَضِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي ( الِاقْتِرَاحِ ) ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرْه شَيْخُنَا فِي ( تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ ) . ثُمَّ إِنَّ هَذَا كُلَّهُ فِي الْعُلُوِّ الْمُبْتَنَى عَلَى تَقَدُّمِ الْوَفَاةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ نِسْبَةِ شَيْخٍ إِلَى شَيْخٍ ، وَقِيَاسِ رَاوٍ بِرَاوٍ .

موقع حَـدِيث