الْعَالِي وَالنَّازِلُ
( ثُمَّ ) حَيْثُ انْقَضَتِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي هِيَ عُلُوُّ الْمَسَافَةِ ، فَلْنَشْرَعْ فِي عُلُوِّ الصِّفَةِ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ بِالْعُلُوِّ الْمَعْنَوِيِّ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي ج٣ / ص٣٦٨الْمَغَارِبَةِ : بَابٌ مُتَّسِعٌ ، وَمَدَارُهُ عَلَى وُجُودِ الْمُرَجِّحَاتِ وَكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا ، وَبِحَسَبِ ذَلِكَ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَئِمَّةِ الشَّأْنِ فِي أَنْ يُصَحِّحَ بَعْضُهُمْ مَا لَا يُصَحِّحُ الْآخَرُ ؛ إِذْ قُطْبُ دَائِرَتِهِ الظَّنُّ . وَأَهَمُّهُ مَا يَرْجِعُ إِلَى صِفَةِ الرَّاوِي ، كَأَنْ يَكُونَ أَفْقَهَ ، أَوْ أَحْفَظَ ، أَوْ أَتْقَنَ ، أَوْ أَضَبَطَ ، أَوْ أَكْثَرَ مُجَالَسَةً لِلْمَرْوِيِّ عَنْهُ ، أَوْ أَقْدَمَ سَمَاعًا مِنْ غَيْرِهِ أَوْ وَفَاةً ، قَالَ : وَعُلُوُّ الصِّفَةِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ بِالْأَنْدَلُسِ أَرْجَحُ مِنْ عُلُوِّ الْمَسَافَةِ خِلَافًا لِلْمَشَارِقَةِ ، يَعْنِي الْمُتَأَخِّرِينَ . وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ الْعِمَادُ ابْنُ كَثِيرٍ : إِنَّهُ نَوْعٌ قَلِيلُ الْجَدْوَى بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِي الْفُنُونِ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا : وَقَدْ عَظُمَتْ رَغْبَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِيهِ ، حَتَّى غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ ، بِحَيْثُ أَهْمَلُوا الِاشْتِغَالَ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهُ .
وَسَبَقَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ : وَقَدْ عَظُمَتْ رَغْبَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي طَلَبِ الْعُلُوِّ ، حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِخَلَلٍ كَثِيرٍ فِي الصَّنْعَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْإِعْرَاضُ عَمَّنْ طَلَبَ الْعِلْمَ بِنَفْسِهِ بِتَمْيِيزِهِ إِلَى مَنْ أَجْلَسَ صَغِيرًا لَا تَمْيِيزَ لَهُ ، وَلَا ضَبْطَ ، وَلَا فَهْمَ طَلَبًا لِلْعُلُوِّ وَتَقَدُّمِ السَّمَاعِ .وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ عِنْدَ ذِكْرِ الْمُوَافَقَاتِ وَمَا مَعَهَا : وَقَدْ كَثُرَ اعْتِنَاءُ الْمُحَدِّثِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهَذَا النَّوْعِ ، يَعْنِي مُفَرَّقًا وَمَجْمُوعًا عَلَى حِدَةٍ ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَسَاكِرَ ، قَالَ : وَمِمَّنْ وَجَدْتُهُ فِي كَلَامِهِ الْخَطِيبُ وَبَعْضُ شُيُوخِهِ وَابْنُ مَاكُولَا وَالْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ طَبَقَتِهِمْ ، وَمِمَّنْ جَاءَ بُعْدَهُمْ .