حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْعَالِي وَالنَّازِلُ

( فَإِنْ يَكُنْ ) الْمُخَرِّجُ ( فِي شَيْخِهِ ) ؛ أَيْ : شَيْخِ أَحَدِ السِّتَّةِ ، ( قَدْ وَافَقَهْ ) ، كَأَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ مَثَلًا أَوْرَدَ حَدِيثًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ ، فَنُخْرِجُهُ نَحْنُ مِنْ جُزْءِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَشْهُورِ ، وَذَلِكَ ( مَعَ عُلُوٍّ ) بِدَرَجَةٍ كَمَا هُنَا ، وَقَدْ يَكُونُ بِأكْثَرَ عَمَّا لَوْ رَوَيْنَاهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ ، ( فَهُوَ الْمُوَافَقَهْ ) ؛ إِذْ قَدِ اتَّفَقَا فِي الْأَنْصَارِيِّ . أَوْ إِنْ يَكُنِ الْمُخَرِّجُ وَافَقَ أَحَدَ أَصْحَابِ السِّتَّةِ فِي ( شَيْخِ شَيْخِهِ كَذَاكَ ) ؛ أَيْ : مَعَ عُلُوٍّ بِدَرَجَةٍ فَأَكْثَرَ ؛ كَحَدِيثٍ يُورِدُهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْحُمَيْدِيِّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَنُخْرِجُهُ نحن مِنْ جِهَةِ الْعَدَنِيِّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، فَهُوَ أَيْضًا الْمُوَافَقَةُ ، لَكِنْ مُقَيَّدَةٌ ، فَيُقَالُ : مُوَافَقَةٌ فِي شَيْخِ شَيْخِ فُلَانٍ . ج٣ / ص٣٦٠وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ( فَـ ) هُوَ ( الْبَدَلْ ) ؛ لِوُقُوعِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوٍ بَدَلَ الرَّاوِي الَّذِي أَوْرَدَهُ أَحَدُ أَصْحَابِ السِّتَّةِ مِنْ جِهَتِهِ .

وَمِنْ لَطِيفِ الْمُوَافَقَةِ وَعَزِيزِهَا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْمُوَافَقَةُ لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا رَوَاهُ عَنْ شَيْخٍ غَيْرِ شَيْخِ الْآخَرِ فِيهِ . وَلَهُ أَمْثِلَةٌ : مِنْهَا مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نُعَيْمٍ قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرٍ الطَّلْحِيُّ ، ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ غَنَّامٍ ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، ثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ ، ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، ثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَفَعَهُ : ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ : الرَّيَّانُ ) ؛ فَإِنَّ مُسْلِمًا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَالْبُخَارِيَّ رَوَاهُ عَنِ الْقَطَوَانِيِّ ، فَوَقَعَ لَنَا مُوَافَقَةٌ لَهُمَا مَعَ اخْتِلَافِ شَيْخَيْهِمَا . وَأَمَّا مَا تَقَعُ الْمُوَافَقَةُ فِيهِ فِي شَيْخٍ يَرْوِيَانِ عَنْهُ ، فَكَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : كَثِيرٌ ، يَعْنِي لِاتِّفَاقِهِمَا ، بَلْ وَكَذَا بَقِيَّةُ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّنةِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ كَثِيرِينَ ، وَقَدْ نَظَمَهُمُ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ : بندار ابن المثنى الجهضمي أبو سعيد عمرو وقيسي وحساني يعقوب والعنبري الجوهري هم مشايخ الستة اعرفهم بإحسان فبُنْدَارٌ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، وَابْنُ الْمُثَنَّى هُوَ أَبُو مُوسَى مُحَمَّدٌ ، وَالْجَهْضَمِيُّ هُوَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو سَعِيدٍ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الْأَشَجُّ ، وَعَمْرٌو هُوَ ابْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ ، وَالْقَيْسِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ، وَالْحَسَّانِيُّ هُوَ ج٣ / ص٣٦١زِيَادُ بْنُ يَحْيَى ، وَيَعْقُوبُ هُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ ، وَالْعَنْبَرِيُّ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ ، وَالْجَوْهَرِيُّ هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ ، وَلَكِنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا خْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا .

وَالْجَوْهَرِيُّ لَمْ تَقَعْ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ صَرِيحًا ، وَإِنَّمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَسَاكِرَ وَمَنْ تَبِعَهُ فِيمَا قَالَهُ شَيْخُنَا ، وَيَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ ، وَقَدْ ذَيَّلَ الْبَدْرُ بْنُ سَلَامَةَ الْحَنَفِيُّ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ : وأبو كريب رووا عنه بأجمعهم والفيريابي قل شيخ لهم ثاني ثُمَّ إِنَّ الْمُخَرِّجِينَ لَا يُطْلِقُونَ اسْمَ الْمُوَافَقَةِ أَوِ الْبَدَلِ إِلَّا مَعَ الْعُلُوِّ ، وَحَيْثُ فُقِدَ فَلَا يَلْتَفِتُونَ لِذَلِكَ ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ . ج٣ / ص٣٦٢وَلَكِنْ قَدْ أَطْلَقَهُ فِيهِمَا مَعَ التَّسَاوِي فِي الطَّرِيقَتيْنِ ابْنُ الظَّاهِرِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، فَإِنْ عَلَا قِيلَ : مُوَافَقَةً عَالِيَةً أَوْ بَدَلًا عَالِيًا ، وَلِذَا

قَالَ شَيْخُنَا : وَأَكْثَرُ مَا يَعْتَبِرُونَ الْمُوَافَقَةَ وَالْبَدَلَ إِذَا قَارَنَّا الْعُلُوَّ ، وَإِلَّا فَاسْمُ الْمُوَافَقَةِ وَالْبَدَلِ وَاقِعٌ بِدُونِهِ
. انْتَهَى .

بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الظَّاهِرِيِّ وَالذَّهَبِيِّ اسْتِعْمَالُ الْمُوَافَقَةِ فِي النُّزُولِ ، لَكِنْ مُقَيَّدًا ، كَمَا قُيِّدَتْ فِي الْعُلُوِّ ، فَيُقَالُ : مُوَافَقَةٌ نَازِلَةٌ . ( وَإِنْ يَكُنْ ) الْمُخَرِّجُ ( سَاوَاهُ ) ؛ أَيْ : سَاوَى أَحَدَ أَصْحَابِ السِّتَّةِ ( عَدًّا قَدْ حَصَلْ ) ؛ أَيْ : مِنْ جِهَةِ الْعَدِّ ، بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُخَرِّجِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَرْفُوعِ ، أَوِ الصَّحَابِيِّ فِي الْمَوْقُوفِ ، أَوِ التَّابِعِيِّ فِي الْمَقْطُوعِ ، أَوْ مَنْ قَبْلَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَتَّفِقُ ، كَمَا بَيْنَ أَحَدِ السِّتَّةِ وَبَيْنَ أَحَدِ مَنْ ذُكِرَ فِي الْعَدَدِ ، سَوَاءٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُلَاحَظَةِ ذَاكَ الْإِسْنَادِ الْخَاصِّ . ( فَهُوَ الْمُسَاوَاةُ ) لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْعَدَدِ ، وَهِيَ مَفْقُودَةٌ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ وَمَا قَارَبَهَا بِالنِّسْبَةِ لِأَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَمَنْ فِي طَبَقَتِهِمْ .

نَعَمْ ، يَقَعُ لَنَا ذَلِكَ مَعَ مَنْ بَعْدَهُمْ كَالْبَيْهَقِيِّ وَالْبَغَوِيِّ فِي ( شَرْحِ السُّنَّةِ ) وَنَحْوِهِمَا ، بَلْ قَدْ وَقَعَتْ لِي الْمُسَاوَاةُ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِ السِّتَّةِ فِي مُطْلَقِ الْعَدَدِ ، لَا فِي مَتْنٍ مُتَّحِدٍ ، وَذَلِكَ أَنَّنِي - كَمَا قَدَّمْتُ - بَيْنِي وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَشَرَةُ رُوَاةٍ . وَكَذَا وَقَعَ لِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ أَصْحَابِ السِّتَّةِ حَدِيثٌ عُشَارِيٌّ ، فَقَالَا : أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ بُنْدَارٌ ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ : وَقُتَيْبَةُ ، قَالَا : ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، هُوَ ابْنُ مَهْدِيٍّ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ ج٣ / ص٣٦٣حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ ، كِلَاهُمَا عَنْ زَائِدَةَ .

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيِّ وَيُوسُفَ بْنِ مِرَوانَ ، كِلَاهُمَا عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ الربيع بن خثيم ، عن عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ [ وقدم على الذي قبله في رواية فضيل ] ، عَنِ عبد الرحمن بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ امْرَأَةٍ من الأنصار ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثُلُثٌ الْقُرْآنِ ) . وَقَالَ النَّسَائِيُّ عَقِبَهُ : لَا أَعْرِفُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إِسْنَادًا أَطْوَلَ مِنْ هَذَا . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي قَرِيبًا مِنْ عِنْدِ النَّسَائِيِّ أَيْضًا مِثَالٌ لِهَذَا .

ج٣ / ص٣٦٤( وَ ) أَمَّا ( حَيْثُ رَاجَحَهُ الْأَصْلُ ) ؛ أَيْ : زَادَ أَحَدُ أَصْحَابِ السِّتَّةِ عَلَى الْمُخَرِّجِ بِالْوَاحِدِ فِي حَدِيثٍ ، كَأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَحَدِ أَصْحَابِ السِّتَّةِ وَصَاحِبِ الْخَبَرِ عَشْرَةٌ مَثَلًا ، وَبَيْنَ الْمُخَرِّجِ وَبَيْنَهُ أَحَدَ عَشَرَ ، بِحَيْثُ يَسْتَوِي مَعَ تِلْمِيذِهِ ، وَيَكُونُ شَيْخُ الْمُخَرِّجِ مُسَاوِيًا لِأَحَدِ الْمُصَنِّفِينَ ، فَهُوَ الْمُسَاوَاةُ لِلشَّيْخِ . وَ ( الْمُصَافَحَهْ ) لِلْمُخَرِّجِ ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِي الْغَالِبِ بِالْمُصَافَحَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاقِيَيْنِ ، وَالْمُخَرِّجُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ كَأَنَّهُ لَاقَى أَحَدَ أَصْحَابِ السِّتَّةِ ، فَكَأَنَّهُ صَافَحَهُ . فَإِنْ كَانَتِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيْخِ شَيْخِهِ كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِهِ أَوْ لِشَيْخِ شَيْخِ شَيْخِهِ ، فَالْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِ شَيْخِهِ .

وَالْمُخَرِّجُونَ غَالِبًا يُنَبِّهُونَ عَلَى ذَلِكَ تَرْغِيبًا فِيهِ وَتَنْشِيطًا لِطَالِبِيهِ ، فَيَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى : فَكَأَنِّي سَمِعْتُ فُلَانًا - وَيُسَمِّي ذَلِكَ الْمُصَنِّفَ الَّذِي وَقَعَ التَّصَافُحُ مَعَهُ - وَصَافَحْتُهُ . وَحِينَئِذٍ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِي ذِكْرِ ذَلِكَ وَعَدَمِهِ . ثُمَّ إِذَا ذَكَرْتَهُ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيمَا إِذَا كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ لِشَيْخِكَ أَوْ شَيْخِ شَيْخِكَ ، بَيْنَ أَنْ تُعَيِّنَهُ بِأَنْ تَقُولَ : فكَأَنَّ شَيْخِي أَوْ شَيْخَ شَيْخِي ، أَوْ تَقُولَ : فَكَأَنَّ فُلَانًا ، فَقَطْ .

قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : ثُمَّ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ أَنَّ فِي الْمُسَاوَاةِ وَالْمُصَافَحَةِ الْوَاقِعَتَيْنِ لَكَ لَا يَلْتَقِي إِسْنَادُكَ وَإِسْنَادُ الْمُصَنِّفِ إِلَّا بَعِيدًا عَنْ شَيْخِهِ ، فَيَلْتَقِيَانِ فِي الصَّحَابِيِّ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ ، فَإِنْ كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ الَّتِي تَذْكُرُهَا لَيْسَتْ لَكَ بَلْ لِمَنْ فَوْقَكَ مِنْ رِجَالِ إِسْنَادِكَ أَمْكَنَ الْتِقَاءُ الْإِسْنَادَيْنِ فِيهَا فِي شَيْخِ الْمُصَنِّفِ ، وَدَاخَلَتِ الْمُصَافَحَةُ حِينَئِذٍ الْمُوَافَقَةَ ؛ فَإِنَّ مَعْنَى الْمُوَافَقَةِ رَاجِعٌ إِلَى مُسَاوَاةٍ وَمُصَافَحَةٍ مَخْصُوصَةٍ ؛ إِذْ حَاصِلُهَا أَنَّ بَعْضَ مَن تَقَدَّمَ مِنْ رُوَاةِ إِسْنَادِكَ الْعَالِي سَاوَى أَوْ صَافَحَ ذَاكَ الْمُصَنِّفَ ؛ لِكَوْنِهِ سَمِعَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْ شَيْخِهِمَا مَعَ تَأَخُّرِ طَبَقَتِهِ عَنْ طَبَقَتِهِمَا . قَالَ : ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعُلُوِّ عُلُوٌّ تَابِعٌ لِنُزُولٍ ؛ إِذْ لَوْلَا نُزُولُ ج٣ / ص٣٦٥ذَلِكَ الْإِمَامِ فِي إِسْنَادِهِ لَمْ تَعْلُ أَنْتَ فِي إِسْنَادِكَ
. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمَّا قَرَأَ بِمَرْوَ عَلَى شَيْخِهِ أَبِي الْمُظَفَّرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ الْأَرْبَعِينَ لِأَبِي الْبَرَكَاتِ الْفُرَاوِيِّ ، وَمَرَّ فِيهَا فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَأَنَّهُ سَمِعَهُ هُوَ أَوْ شَيْخُهُ مِنَ الْبُخَارِيِّ .

قَالَ أَبُو الْمُظَفَّرِ : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَكَ بِعَالٍ ، وَلَكِنَّهُ لِلْبُخَارِيِّ نَازِلٌ ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : ( وَهَذَا حَسَنٌ لَطِيفٌ يَخْدِشُ وَجْهَ هَذَا الْنَوْعِ مِنَ الْعُلُوِّ ) . لَكِنْ قَالَ الْمُؤَلِّفُ : إِنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ الْحَدِيثُ مَعَ عُلُوِّهِ النِّسْبِيِّ عَالِيًا لِذَاكَ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا .

وَذَلِكَ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : ( أنْ يَتَأَخَّرْ رَفِيقُ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ فِي سَمَاعِهِ عَنْهُ فِي الْوَفَاةِ ، ثُمَّ يَسْمَعُ مِنْهُ مَنْ تَتَأَخَّرُ وَفَاتُهُ ، فَيَحْصُلُ لِلْمُخَرِّجِ الْمُوَافَقَةُ الْعَالِيَةُ مِنْ غَيْرِ نُزُولٍ لِذَاكَ الْمُصَنِّفِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ مِنَ الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ ) . وَقَدْ أَفْرَدَ كَثِيرٌ مِنَ الْحُفَّاظِ كَثِيرًا مِنَ الْمُوَافَقَاتِ وَالْأَبْدَالِ ، وَمِنْ أَوْسَعِهَا كِتَابُ الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ عَسَاكِرَ ، وَهُوَ ضَخْمٌ أَنْبَأَ عَنْ تَبَحُّرِهِ فِي هَذَا الْفَنِّ ، وَكَذَا خَرَّجَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ الْمُسَاوَاةَ وَالْمُصَافَحَةَ . وَذَكَرَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي تَصْنِيفِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ عِدَّةَ أَمْثِلَةٍ مِمَّا وَقَعَ لَهُ فِيهَا الْمُصَافَحَةُ ، بَلْ وَذَكَرَ فِيه شَبِيهًا بِالْمُوَافَقَةِ الْمَاضِيَةِ ؛ فَإِنَّهُ قَرَّرَ أَنَّ كُتُبَ الْخَطَّابِيِّ ج٣ / ص٣٦٦وَشِبْهِهِ عِنْدَهُ بِوَاسِطَتَيْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُصَنِّفِهَا ، وَأَجَلُّ شَيْخٍ لِلْخَطَّابِيِّ أَبُو سَعِيدِ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ ، وَحَدِيثُهُ عِنْدَهُ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ .

ثُمَّ إِنَّ الْمُصَافَحَةَ مَفْقُودَةٌ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ أَيْضًا ، وَلَكِنْ قَدْ وَقَعَتْ لِقُدَمَاءِ شُيُوخِنَا ، فَأَخْبَرَتْنِي أُمُّ مُحَمَّدِ ابْنَةُ عُمَرَ بْنِ جُمَاعَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ ، مِنْهُمْ : أَبُو حَفْصٍ الْمِزِّيُّ ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّعْدِيُّ مُشَافَهَةً ، عَنْ عَفِيفَةَ ابْنَةِ أَحْمَدَ ، قَالَتْ : أَخْبَرَتْنَا فَاطِمَةُ ابْنَةُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ : أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ الْحَافِظُ ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنْبَاعِ رَوْحُ بْنُ الْفَرَجِ وَيُوسُفُ الْقَاضِي ، قَالَ الْأَوَّلُ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ ، وَقَالَ الثَّانِي : ثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَا ، وَاللَّفْظُ لِأَوَّلِهِمَا : ثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ سَبْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَذِنَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُتْعَةِ ) . الْحَدِيثَ . وَفِيهِ : ( ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ اللَّاتِي يَتَمَتَّعُ بِهِنَّ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا ) .

هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مَعًا عَنْ قُتَيْبَةَ عَنِ اللَّيْثِ ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا لَهُمَا عَالِيًا . وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ . وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي جَمْعَةٍ لِحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى خَيَّاطِ السُّنَّةِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَحْبُوبٍ ، عَنْ عَبْثَرَ بْنِ ج٣ / ص٣٦٧الْقَاسِمِ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَلِيٍّ .

فَبِاعْتِبَارِ هَذَا الْعَدَدِ ، كَأَنَّ شَيْخَتَنَا لَقِيَتِ النَّسَائِيَّ وَصَافَحَتْهُ ، وَرَوَتْ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ . وَلَكِنْ قَدْ نَازَعَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي التَّمْثِيلِ بِمَا الصَّحَابِيُّ فِيهِ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّرِيقَيْنِ كَمَا وَقَعَ هُنَا . وَتَعَقَّبَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ رُشَيْدٍ فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ ، وَقَالَ : بَلِ التَّنْزِيلُ إِلَى التَّابِعِ وَالصَّاحِبِ سَوَاءٌ ؛ إِذِ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ الْغَايَةُ الْعُظْمَى ، وَهُوَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَالَ : وَقَدْ عَمِلَ بِهَذَا التَّنْزِيلِ ، يَعْنِي كَذَلِكَ ، الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي مُعْجَمِ شَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ ، وَعَمِلَ بِهِ غَيْرُهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ عِنْدَ الْمَشَارِقَةِ مَعْرُوفَةٌ ، مَا رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ مَنْ أَنْكَرَهَا . انْتَهَى . وَسَمَّاهُ تَنْزِيلًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْزِيلِ رَاوٍ مَكَانَ آخَرَ ،

وَكَذَا سَمَّاهُ عَصْرِيُّهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي بَعْضِ أَقْسَامِهِ ، وَجَعَلَهُ قِسْمًا مُسْتَقِلًا ، فَقَالَ : وَعُلُوُّ التَّنْزِيلِ وَهُوَ الَّذِي يُولَعُونَ بِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَةَ أَنْفُسٍ ، وَيَكُونَ أَحَدُ هَؤُلَاءِ الْمُصَنِّفِينَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَةٌ مَثَلًا ، فَيَنْزِلُ هَذَا الْمُصَنِّفِ مَنْزِلَةَ شَيْخِ شَيْخِنَا
.

موقع حَـدِيث