حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ وَالْمَشْهُورُ

ج٣ / ص٣٨١( الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ وَالْمَشْهُورُ ) وَرُتِّبَتْ بِالتَّرَقِّي مَعَ تَقْدِيمِ ابْنِ الصَّلَاحِ آخِرِهَا فِي نَوْعٍ مُسْتَقِلٍّ ، ثُمَّ إِرْدَافِهِ بِالْآخَرَيْنِ فِي آخَرَ . وَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهَا إِلَى الْأَنْوَاعِ السَّابِقَةِ ، وَضَمَّ الْغَرِيبِ إِلَى الْأَفْرَادِ . وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ أَمْلَى كِتَابَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ تَرْتِيبُهُ عَلَى الْوَضْعِ الْمُتَنَاسِبِ .

وَتَبِعَهُ فِي تَرْتِيبِهِ غَالِبُ مَنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ . ( وَمَا ) ؛ أَيْ : الْمَرْوِيِّ الَّذِي ، ( به مُطْلَقًا ) ؛ أَيْ : عَنْ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ أَوْ لَا ، ( الرَّاوِي ) الَّذِي رَوَاهُ ، ( انْفَرَدْ ) عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ الثِّقَاتِ وَغَيْرِهِمْ . إِمَّا بِجَمِيعِ الْمَتْنِ ؛ كَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَدِيثِ : ( السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ ) ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ ج٣ / ص٣٨٢الْأَئِمَّةِ .

لَكِنَّ الْغَرَابَةَ فِيهِ مُنْتَقِضَةٌ بِرِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ سُهَيْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي صَالِحٍ ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ . بَلْ وَبِطَرِيقِ عِصَامِ بْنِ رَوَّادٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ ، أَوْ بِبَعْضِهِ . وَذَلِكَ إِمَّا فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي السَّنَدِ ، فَالْأَوَّلُ بِأَنْ يَأْتِيَ فِي مَتْنٍ رَوَاهُ غَيْرُهُ بِزِيَادَةٍ ؛ كَحَدِيثِ زَكَاةِ الْفِطْرِ ، حَيْثُ قِيلَ مِمَّا هُوَ مُنْتَقَدٌ أَيْضًا : إِنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ عَنْ سَائِرِ مَنْ رَوَاهُ مِنَ الْحُفَّاظِ بِقَوْلِهِ : ( مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) .

أَوْ كَحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ ؛ حَيْثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي ( الْكَبِيرِ ) مِنْ رِوَايَةٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ ، فَجَعَلَاهُ مَرْفُوعًا كُلَّهُ ، وَإِنَّمَا الْمَرْفُوعُ مِنْهُ : ( كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ ) . ج٣ / ص٣٨٣وَالثَّانِي : كَحَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ أَيْضًا ، فَالْمَحْفُوظُ فِيهِ رِوَايَةُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ وَسَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي الْحُسَامِ ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِمَا ، عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَعَبَّادٍ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ عَنْ هِشَامٍ ، بِدُونِ وَاسِطَةِ أَخِيهِ .

( فَهْوَ ) أَيْ : مَا حَصَلَ التَّفَرُّدُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ ، ( الْغَرِيبُ ) ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ كِتَابِهِ ، وَخَصَّهُ الثَّوْرِيُّ بِالثِّقَةِ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ الْمَرْوِيِّ إِذْ ذَاكَ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ . ( وَ ) أَمَّا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ( ابْنُ مَنْدَهٍ ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ ، ( فَحَدَّ ) هُ ( بِالِانْفِرَادِ ) ، يَعْنِي : عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ أَوَّلًا ، لَكِنْ ( عَنْ إِمَامٍ ) مِنَ الْأَئِمَّةِ ؛ كَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ ( يُجْمَعُ حَدِيثُهُ ) .

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْغَرِيبَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مُطْلَقٌ ، وَنِسْبِيٌّ ؛ كَمَا سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ . وَحِينَئِذٍ فَهُوَ وَالْأَفْرَادُ كَمَا سَلَفَ فِي بَابِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، فَلِمَ حَصَلَتِ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَهُمَا ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إِنَّ الْأَحْسَنَ فِي تَعْرِيفِهِ مَا قَالَهُ الْمَيَّانِشِيُّ ، وَأنَّهُ مَا شَذَّ طَرِيقُهُ وَلَمْ يُعْرَفْ رَاوِيهِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ ذَاكَ ؛ لِعَدَمِ التَّقْيِدِ فِي رَاوِيهِ بِمَا ذُكِرَ . وَعَرَّفَهُ الشِّهَابُ الْخُوَيُّي بِأَنَّهُ مَا يَكُونُ مَتْنُهُ أَوْ بَعْضُهُ فَرْدًا عَنْ جَمِيعِ رُوَاتِهِ ، فَيَنْفَرِدُ بِهِ الصَّحَابِيُّ ، ثُمَّ التَّابِعِيُّ ، ثُمَّ تَابِعُ التَّابِعِيِّ ، وَهَلُمَّ جَرًّا .

أَوْ ج٣ / ص٣٨٤مَا يَكُونُ مَرْوِيًّا بِطُرُقٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ تَابِعِيٌّ أَوْ بَعْضُ رُوَاتِهِ . وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْغَرِيبُ عِنْدَهُ أَيْضًا عَلَى قِسْمَيْنِ : مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ . وَيَكُونَ افْتِرَاقُ أَوَّلِهِمَا عَنِ الْفَرْدِ بِالنَّظَرِ لِوُقُوعِ التَّفَرُّدِ فِي سَائِرِ طِبَاقِهِ ، فَهُوَ أَخَصُّ أَيْضًا .

وَيُحْتَمَلُ التَّرَدُّدُ بَيْنَ التَّعْرِيفَيْنِ ، لَكِنْ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا شَيْخُنَا بَعْدَ قَوْلِهِ : إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا ، بِأَنَّ أَهْلَ الِاصْطِلَاحِ غَايَرُوا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ وَقِلَّتُهُ ، فَالْفَرْدُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْفَرْدِ الْمُطْلَقِ ، وَهُوَ الْحَدِيثُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ ، وَلَوْ تَعَدَّدَتِ الطُّرُقُ إِلَيْهِ ، وَالْغَرِيبُ أَكْثَرُ مَا يُطْلِقُونَهُ عَلَى الْفَرْدِ النِّسْبِيِّ ، قَالَ : وَهَذَا مِنْ حيث إِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمَا . وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ اسْتِعْمَالُهُمُ الْفِعْلَ الْمُشْتَقَّ فَلَا يُفَرِّقُونَ ، فَيَقُولُونَ فِي المطلق والنِّسْبِيِّ : تَفَرَّدَ بِهِ فُلَانٌ ، أَوْ أَغْرَبَ بِهِ فُلَانٌ . انْتَهَى .

عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ أَشَارَ إِلَى افْتِرَاقِهِمَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ ، فَقَالَ : وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعَدُّ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَفْرَادِ مَعْدُودًا مِنْ أَنْوَاعِ الْغَرِيبِ كَمَا فِي الْأَفْرَادِ الْمُضَافَةِ إِلَى الْبِلَادِ
. قُلْتُ : إِلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْبَصْرَةِ مَثَلًا وَاحِدًا مِنْ أَهْلِهَا ، فَهُوَ الْغَرِيبُ ، وَرُبَّمَا يُسَمَّى كُلٌّ مِنْ قِسْمَيِ الْغَرِيبِ ضَيِّقَ الْمَخْرَجِ . قَالَ الْحَاكِمُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ عَمْرِو بْنِ زُرَارَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ وَاصِلٍ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَدَّادِ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ : ( دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِي ، فَقَالَ : ( لَا أَعْرِفُ شَيْئًا فِيمَا أَدْرَكْتُ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ ) : هُوَ أَضْيَقُ حَدِيثٍ فِي الْبُخَارِيِّ ، سَأَلَنِي عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي ذُهْلٍ - يَعْنِي ج٣ / ص٣٨٥أَحَدَ مَشَايِخِهِ - فَأَخْرَجْتُهُ لَهُ ، فَسَمِعَهُ - يَعْنِي : سَمِعَهُ شَيْخُهُ مِنْهُ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَمْشَاذَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، وَكَأَنَّ ضِيقَهُ مَخْصُوصٌ بِرِوَايَةِ الْحَدَّادِ عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، وَإِلَّا فَقَدْ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَقِبَ تَخْرِيجِهِ لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيِّ عَنِ ابْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ الْبُرْسَانِيِّ وَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ ، وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَبَّارُ فِي جَمْعِهِ لِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي ( الْمُسْتَخْرَجِ ) .

إِذَا عُلِمَ هَذَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : الْغَرِيبُ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى وِزَانِ الْغَرِيبِ مِنَ النَّاسِ ، فَكَمَا أَنَّ غُرْبَةَ الْإِنْسَانِ فِي الْبَلَدِ تَكُونُ حَقِيقَيةً بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُهُ فِيهَا أَحَدٌ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَتَكُونُ إِضَافِيَّةً بِأَنْ يَعْرِفَهُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ ، ثُمَّ قَدْ تتَفَاوَتُ مَعْرِفَةُ الْأَقَلِّ مِنْهُمْ تَارَةً وَالْأَكْثَرِ أُخْرَى ، وَقَدْ يَسْتَوِيَانِ ، فكَذَا الْحَدِيثُ .

موقع حَـدِيث