الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ وَالْمَشْهُورُ
( فَإِنْ عَلَيْهِ ) ؛ أَيْ : الْمَرْوِيُّ مِنْ طَرِيقِ إِمَامٍ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ ، ( يُتْبَعُ ) رَاوِيهِ ، ( مِنْ وَاحِدٍ ) فَقَطْ ، ( وَ ) كَذَا مِنْ ( اثْنَيْنِ فَـ ) ـهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِابْنِ مَنْدَهْ : النَّوْعُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : ( الْعَزِيزُ ) . وَسُمِّيَ بِذَلِكَ إِمَّا لِقِلَّةِ وُجُودِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ : عَزَّ الشَّيْءُ يَعِزُّ ، بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ ، عِزًّا وَعَزَازَةً إِذَا قَلَّ بِحَيْثُ لَا يَكَادُ يُوجَدُ ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ قَوِيَ وَاشْتَدَّ بِمَجِيئِهِ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : عَزَّ يَعَزُّ ، بِفَتْحِ الْعَيْنِ فِي الْمُضَارِعِ ، عِزًّا وَعَزَازَةً أَيْضًا إِذَا اشْتَدَّ وَقَوِيَ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ) أَيْ : قَوَّيْنَا وَشَدَدْنَا .
وَجَمْعُ الْعَزِيزِ عِزَازٌ ، مِثْلُ : كَرِيمٍ وَكِرَامٍ ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَسَبَقَهُ لِنَحْوِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ حَيْثُ مَثَّلَ لِلْمَشْهُورِ بِحَدِيثِ : ( الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ) ، مَعَ كَوْنِ أَوَّلِ سَنَدِهِ فَرْدًا ، وَالشُّهْرَةُ إِنَّمَا طَرَأَتْ لَهُ مِنْ عِنْدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . بَلْ قَالَ فِي الْغَرِيبِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّهُ غَرِيبٌ مَشْهُورٌ ، وَذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ وَاعْتِبَارَيْنِ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ ، عَنِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ ، عَنْ عَلِيٍّ رَفَعَهُ : ( مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطهور ) : إِنَّهُ مَشْهُورٌ ، لَا نَعْرِفُهُ ج٣ / ص٣٨٧إِلَّا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ .
فَقَالَ شَيْخُنَا : إِنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ مَشْهُورٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَقِيلٍ . فَهَذِهِ الشُّهْرَةُ النِّسْبِيَّةُ نَظِيرُ الْغَرَابَةِ النِّسْبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا يَنْفَرِدُ بِهِ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ : غَرِيبٌ . وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ فَرْدٌ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ مِنْ رِوَايَةِ هَذَا بِخُصُوصِهِ عَنْهُ ، مَعَ أَنَّ الشَّيْخَ قَدْ يَكُونُ تُوبِعَ عَلَيْهِ عَنْ شَيْخِهِ .
وَعَلَى هَذَا فَيَخْرُجُ الْحُكْمُ عَلَى حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِأَنَّهُ فَرْدٌ فِي أَوَّلِهِ ، مَشْهُورٌ فِي آخِرِهِ ، يُرِيدُ أَنَّهُ اشْتُهِرَ عَمَّنِ انْفَرَدَ بِهِ ، فَهِيَ شُهْرَةٌ نِسْبِيَّةٌ لَا مُطْلَقَةٌ . وَعَلَى هَذَا مَشَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ أَخَذْتُ عَنْهُ ، فَعَرَّفَ الْعَزِيزَ اصْطِلَاحًا : بِأَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فِي طَبَقَةٍ مِنْ طِبَاقِهِ رَاوِيَانِ فَقَطْ . وَلَكِنْ لَمْ ج٣ / ص٣٨٨يَمْشِ شَيْخُنَا فِي تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ عَلَى هَذَا ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ خَصَّهُ بِوُرُودِهِ مِنْ طَرِيقِ رَاوِيَيْنِ فَقَطْ ، عَنَى بِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ طِبَاقِهِ ، وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ : إِنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا يَرِدَ بِأَقَلَّ مِنْهُمَا ، فَإِنْ وَرَدَ بِأَكْثَرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنَ السَّنَدِ الْوَاحِدِ لَا يَضُرُّ ؛ إِذِ الْأَقَلُّ فِي هَذَا يَقْضِي عَلَى الْأَكْثَرِ .
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَمَا كَانَتِ الْعِزَّةُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ لِرَاوٍ وَاحِدٍ انْفَرَدَ رَاوِيَانِ عَنْهُ يُقَيَّدُ فَيُقَالُ : عَزِيزٌ مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ . وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَيَنْصَرِفُ لِمَا أَكْثَرُ طِبَاقِهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ سَنَدٍ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ بِرِوَايَةِ اثْنَيْنِ عن اثنين قَدِ ادَّعَى فِيهِ ابْنُ حِبَّانَ عَدَمَ وُجُودِهِ ، وَكَادَ شَيْخُنَا يُوَافِقَهُ ؛ حَيْثُ قَالَ : إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسَلَّمَ بِخِلَافِهِ فِي الصُّورَةِ الَّتِي قَرَّرْنَاهَا ، وَهِيَ أَنْ لَا يَرْوِيَهُ أَقَلُّ مِنِ اثْنَيْنِ عَنْ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ ، يَعْنِي كَمَا حَرَّرَهُ هُوَ فَإِنَّهُ مَوْجُودٌ . ومِثَالُهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ) الْحَدِيثَ .
وَرَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا قَتَادَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ . ج٣ / ص٣٨٩وَرَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ شُعْبَةُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَسَعِيدٌ عَلَى مَا يُحَرَّرُ ؛ فَإِنِّي قَلَّدْتُ شَيْخَنَا فِيهِ مَعَ عدم وُقُوفِي عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَحْصِ . وَرَوَاهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ كَمَا فِي مُسْلِمٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ كُلٍّ جَمَاعَةٌ .