الْغَرِيبُ وَالْعَزِيزُ وَالْمَشْهُورُ
( أَوْ ) إنْ يُتْبَعَ رَاوِيهِ عَنْ ذَاكَ الْإِمَامِ مِنْ ( فَوْقُ ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ - أَيْ : فَوْقَ ذَلِكَ - كَثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ ، مَا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّوَاتُرِ ، ( فَمَشْهُورٌ ) ؛ أَيْ : النَّوْعُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ : الْمَشْهُورُ . وَعِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي تَعْرِيفِهِ تَبَعًا لِابْنِ مَنْدَهْ : فَإِذَا رَوَى الْجَمَاعَةُ عَنْهُمْ - أَيْ : عَنْ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُجْمَعُ حَدِيثُهُمْ - حَدِيثًا سُمِّيَ مَشْهُورًا . وَبِمُقْتَضَى مَا عَرَّفَنا بِهِ الْعَزِيزَ أَيْضًا يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إِذَا رَوَاهُ ثَلَاثَةٌ ، وَيَخْتَصُّ الْعَزِيزُ بِالاثْنَيْنِ ، وَالْمَشْهُورُ بِأَكْثَرَ مِنَ الثَّلَاثَةِ .
وَسُمِّيَ مَشْهُورًا لِوُضُوحِ أَمْرِهِ ، يُقَالُ : شَهَرْتُ الْأَمْرَ أَشْهَرُهُ شَهْرًا وَشُهْرَةً فَاشْتَهَرَ . وَهُوَ الْمُسْتَفِيضُ عَلَى رَأْيِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ وَبَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ . وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْتِشَارِهِ وَشِيَاعِهِ فِي النَّاسِ ، مِنْ فَاضَ الْمَاءُ يَفِيضُ فَيْضًا وَفَيْضُوضَةً : إِذَا كَثُرَ حَتَّى سَالَ عَلَى ضَفَّةِ الْوَادِي .
قَالَ شَيْخُنَا : وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ يَكُونُ فِي ابْتِدَائِهِ ج٣ / ص٣٩٠وَانْتِهَائِهِ ، يَعْنِي وَفِيمَا بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ ، وَالْمَشْهُورُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ مَا كَانَ أَوَّلُهُ مَنْقُولًا عَنِ الْوَاحِدِ ؛ كَحَدِيثِ الْأَعْمَالِ ، وَإِنِ انْتُقِدَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي التَّمْثِيلِ بِهِ ، وَلَا انْتِقَادَ بِالنَّظَرِ لِمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهِ ؛ إِذِ الشُّهْرَةُ فِيهِ نِسْبِيَّةٌ .وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيِّ الْمُلَقَّبِ شَيْخَ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ كَتَبَهُ عَنْ سَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَاعْتَنَى الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ مَنْدَهْ بِجَمْعِهِمْ وَتَرْتِيبِهِمْ ، بِحَيْثُ جَمَعَ نَحْوَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ . وَمِنْهُمْ مَنْ غَايَرَ عَلَى كَيْفِيَّةٍ أُخْرَى ، يَعْنِي بِأَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ دُونَ اعْتِبَارِ عَدَدٍ .
وَلِذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَالْقَفَّالُ : إِنَّهُ هُوَ وَالْمُتَوَاتِرُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا فِي الْمُسْتَفِيضِ : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَبَاحِثِ هَذَا الْفَنِّ ؛ يَعْنِي كَمَا فِي الْمُتَوَاتِرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، بِخِلَافِ الْمَشْهُورِ ؛ فَإِنَّهُ قَدِ اعْتُبِرَ فِيهِ هَذَا الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ ، سَوَاءٌ كَانَ صَحِيحًا أَمْ لَا .ج٣ / ص٣٩١( وَ ) لَكِنْ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِشُمُولِهِ الصَّحِيحَ وَغَيْرَهُ ، بَلْ ( كُلٌّ ) مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمَشْرُوحَةِ ، ( قَدْ رَأَوْا ) ؛ أَيْ : أَهْلُ الْحَدِيثِ ، ( مِنْهُ الصَّحِيحَ ) ؛ أي الْمُحْتَّجَ بِهِ الشَّامِلَ للْحَسَنَ ، ( وَالضَّعِيفَ ) إذ لَا يُنَافِي وَاحِدٌ مِنْهَا وَاحِدًا مِنْهُمَا ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِذَلِكَ فِي الْعَزِيزِ ، وَلَكِنَّ الضَّعْفَ فِي الْغَرِيبِ أَكْثَرُ .
وَلِذَا كَرِهَ جَمْعٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ تَتَبُّعَ الْغَرَائِبِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ : لَا تَكْتُبُوهَا فَإِنَّهَا مَنَاكِيرُ ، وَعَامَّتُهَا عَنِ الضُّعَفَاءِ . وَسُئِلَ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ) ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ . فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ زَعَمَ أَنَّهُ غَرِيبٌ .
فَقَالَ أَحْمَدُ : صَدَقَ ، إِذَا كَانَ خَطَأً فَهُوَ غَرِيبٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ طَلَبَهَا كَذَبَ . وَقَالَ مَالِكٌ : شَرُّ الْعِلْمِ الْغَرِيبُ ، ج٣ / ص٣٩٢وَخَيْرُهُ الظَّاهِرُ الَّذِي قَدْ رَوَاهُ النَّاسُ .
وَعَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ : كُنَّا نَرَى أَنَّ الْغَرِيبَ خَيْرٌ ، فَإِذَا هُوَ شَرٌّ .