الْمُسَلْسَلُ
ج٣ / ص٤٣٢( الْمُسَلْسَلُ ) وَهُوَ لُغَةً : اتِّصَالُ الشَّيْءِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ ، وَمِنْهُ سِلْسِلَةُ الْحَدِيدِ . وَ ( مُسَلْسَلُ الْحَدِيثِ ) ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْإِسْنَادِ ، ( مَا تَوَارَدَا فِيهِ الرُّوَاةُ ) لَهُ كُلُّهُمْ ( وَاحِدًا فَوَاحِدَا حَالًا ) ؛ أَيْ : عَلَى حَالٍ ( لَهُمْ ) ، وَذَلِكَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلِيًّا لَهُمْ ؛ كَحَدِيثِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( إِنِّي أُحِبُّكَ ، فَقُلْ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ ) الْحَدِيثَ . فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا بِقَوْلِ كُلٍّ مِنْ رُوَاتِهِ : ( وأَنَا أُحِبُّكَ فَقُلْ ) .
وَنَحْوُهُ الْمُسَلْسَلُ بِقَوْلِ : ( رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا ، كَيْفَ لَوْ أَدْرَكَ زَمَانَنَا ؟ ! ) . وَبِقَوْلِ : ( قُمْ فَصُبَّ عَلَيَّ حَتَّى أُرِيَكَ وُضُوءَ فُلَانٍ ) . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَالُ فِعْلِيًّا كَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ : شَبَّكَ بِيَدِي أَبُو الْقَاسِمِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : ( خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ السَّبْتِ ) الْحَدِيثَ .
فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا بِتَشْبِيكِ كُلٍّ واحد مِنْ رُوَاتِهِ بِيَدِ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ . ج٣ / ص٤٣٣وَنَحْوُهُ الْمُسَلْسَلُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الرَّأْسِ ، وَبِالْأَخْذِ بِيَدِ الطَّالِبِ ، وَبِالْعَدِّ فِي يَدِهِ لِلْخَمْسَةِ الَّتِي مِنْهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالتَّرَحُّمُ ، وَالدُّعَاءُ ، وَبِالْمُصَافَحَةِ ، وَبِرَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَبِالِاتِّكَاءِ وَبِالْإِطْعَامِ وَالسَّقْيِ وَبِالضِّيَافَةِ بِالْأَسْوَدَيْنِ : التَّمْرِ وَالْمَاءِ . وَقَدْ يَجِيئَانِ مَعًا ، أَعْنِي الْقَوْلِيَّ وَالْفِعْلِيَّ ، فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : ( لَا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ وَمُرِّهِ ) .
قَالَ : وَقَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى لِحْيَتِهِ وَقَالَ : ( آمَنْتُ بِالْقَدَرِ ) . فَقَدْ تَسَلْسَلَ لَنَا بِقَبْضِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ عَلَى لِحْيَتِهِ مَعَ قَوْلِهِ : آمَنْتُ . إِلَى آخِرِهِ .
( أَوْ وَصْفًا ) ؛ أَيْ : أَوْ كَانَ التَّوَارُدُ مِنَ الرُّوَاةِ عَلَى وَصْفٍ لَهُمْ ، وَهُوَ أَيْضًا فِعْلِيٌّ كَالْمُسَلْسَلِ بِالْقُرَّاءِ وَبِالْحُفَّاظِ وَبِالْفُقَهَاءِ وَبِالنُّحَاةِ وَبِالصُّوفِيَّةِ وَبِالدِّمَشْقِيِّينَ وَبِالْمِصْرِيِّينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ ؛ كَالْمُسَلْسَلِ بِالْمُحَمَّدِينَ ، أَوْ بِمَنْ أَوَّلُ اسْمِهِ عَيْنٌ ، أَوْ بِمَنْ فِي اسْمِهِ أَوِ اسْمِ أَبِيهِ أو جده أَوْ نَسَبِتهِ أَوْ ج٣ / ص٤٣٤غَيْرِهِمَا مِمَّا يُضَافُ إِلَيْهِ نُونٌ ، أَوْ بِرِوَايَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ ، أَوْ بِالْمُعَمَّرِينَ ، أَوْ بِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ ، أَوْ مِنَ التَّابِعِينَ كَذَلِكَ . وَقَوْلِيٌّ كَالْمُسَلْسَلِ بِقِرَاءَةِ سُورَةِ الصَّفِّ وَنَحْوِهِ ، لَكِنَّهُ فِي الْوَصْفِيِّ غَالِبًا مُقَارِبٌ ، بَلْ مُمَاثِلٌ لَهُ فِي الْحَالِيِّ . ( اوْ وَصْفَ سَنَدْ ) ؛ أَيْ : أَوْ كَانَ التَّوَارُدُ مِنَ الرُّوَاةِ عَلَى وَصْفِ سَنَدٍ بِمَا يَرْجِعُ إِلَى التَّحَمُّلِ ؛ وَذَلِكَ إِمَّا فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ ، ( كَقَوْلِ كُلِّهِمْ ) ؛ أَيْ : الرُّوَاةِ ، ( سَمِعْتُ ) فُلَانًا ، أَوْ ثَنَا ، أَوْ أَنَا ، أَوْ شَهِدْتُ عَلَى فُلَانٍ .
( فَاتَّحَدْ ) مَا وَقَعَ مِنْهَا لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ ، فَصَارَ بِذَلِكَ مُسَلْسَلًا . بَلْ جَعَلَ الْحَاكِمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ أَلْفَاظُ الْأَدَاءِ مِنْ جَمِيعِ الرُّوَاةِ دَالَّةً عَلَى الِاتِّصَالِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : سَمِعْتُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : أَنَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ثَنَا . وَلَكِنِ الْأَكْثَرُونَ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالتَّوَارُدِ فِي صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَنَحْوُهُ الْحَلِفُ ؛ كَقَوْلِهِ : ( أَخبرنَا وَاللَّهِ فُلَانٌ ) ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ ، أَوْ مَا يَلْتَحِقُ بِهِ ؛ كَقَوْلِهِ : ( صُمَّتْ أُذُنَايَ إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْ فُلَانٍ ) . وَإِمَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَنِ الرِّوَايَةِ أَوْ بِمَكَانِهِا أَوْ بِتَارِيخِهَا . فَالْأَوَّلُ : كَالْمُسَلْسَلِ بِالتَّحَمُّلِ في يَوْمَ الْعِيدِ ، أَوْ بِقَصِّ الْأَظْفَارِ فِي ج٣ / ص٤٣٥يَوْمِ الْخَمِيسِ .
وَالثَّانِي : كَالْمُسَلْسَلِ بِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ فِي الْمُلْتَزَمِ . وَالثَّالِثُ : كَكَوْنِ الرَّاوِي آخِرَ مَنْ يَرْوِي عَنْ شَيْخِهِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعٍ لِلتَّسَلْسُلِ كَثِيرَةٍ لَا تَنْحَصِرُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ .