حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

مُخْتَلِفُ الْحَدِيثِ

( وَ ) جُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّا نَقُولُ : ( الْمَتْنُ ) الصَّالِحُ لِلْحُجَّةِ ( إِنْ نَافَاهُ ) بِحَسَبِ الظَّاهِرِ ( مَتْنٌ آخَرُ ) مِثْلُهُ ، ( وَأَمْكَنَ الْجَمْعُ ) بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ صَحِيحٍ زَالَ بِهِ التَّعَارُضُ ، ( فَلَا تَنَافُرُ ) بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ ، بَلْ يُصَارُ إِلَيْهِمَا وَيُعْمَلُ بِهِمَا مَعًا . وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ ، ( كَمَتْنِ لَا يُورِدْ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ ، ( مُمْرِضٌ ) ، بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ ، اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَمْرَضَ الرَّجُلُ : إِذَا أَصَابَ مَاشِيَتَهُ مَرَضٌ ، ( عَلَى مُصِحٍّ ) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَصَحَّ : إِذَا أَصَابَتْ مَاشِيَتَهُ عَاهَةٌ ثُمَّ ج٣ / ص٤٧٢ذَهَبَتْ عَنْهَا وَصَحَّتْ . الْمُوَازِي لِمَعْنَى مَتْنِ : ( فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ ) ، المشار إليه بعد ( مَعْ ) بِالسُّكُونِ مَتْنِ : ( لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ) ، وَكُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ ، فَظَاهِرُهَا التَّنَافُرُ ، وَمُنَافَاةُ الْأَخِيرِ لِلْأَوَّلَيْنِ ، حَتَّى بَالَغَ أَبُو حَفْصِ ابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُ ، وَزَعَمُوا النَّسْخَ فِي الْأَوَّلَيْنِ ، وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مُمْكِنٌ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ .

( فَالنَّفْيُ ) فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا عَدْوَى ) ( لِلطَّبْعِ ) ؛ أَيْ : لِمَا كَانَ يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَبَعْضُ الْحُكَمَاءِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَمْرَاضَ مِنَ الْجُذَامِ وَالْبَرَصِ تُعْدِي بِالطَّبْعِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ ) ؛ أَيْ : أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ لِذَلِكَ بِسَبَبٍ وَبغَيْرِ سَبَبٍ . ( وَالنهي ) والْأَمْرُ في حديثي : لا يورد ، وفر عدوا أي سريعا ؛ كناية عن فرارك من الأسد للِخَوْفٍ مِنْ وُجُودِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُمَاسَّةِ الَّتي جعلها الله سببا للإعداء ، ثم قَدْ يتخلف عن سببه كما في سائر الأسباب مما هو مشاهد فِي بَعْضِ الْمُخَالِطِينَ ، بَلْ نُشَاهِدُ مَنْ يَجْتَهِدُ فِي التَّحَرُّزِ مِنَ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُمَاسَّةِ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ الْمَرَضِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَسَالِكِ الَّتِي سَلَكَهَا الْأَئِمَّةُ فِي الْجَمْعِ : ج٣ / ص٤٧٣أَحَدِهَا - وَعَلَيْهِ نَقْتَصِرُ - مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٌ كَابْنِ خُزَيْمَةَ وَالطَّحَاوِيِّ ، وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا ؛ فَقَالَ فِي ( تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ ) : وَالْأَوْلَى فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ نَفْيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَدْوَى باق عَلَى عُمُومِهِ ، وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا ) ، وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَنْ عَارَضَهُ بِأَنَّ الْبَعِيرَ الْأَجْرَبَ يَكُونُ فِي الْإِبِلِ الصَّحِيحَةِ فَيُخَالِطُهَا فَتَجْرَبُ ، حَيْثُ رَدَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ ؟ ) ، يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ابْتَدَأَ ذَلِكَ فِي الثَّانِي كَمَا ابْتَدَأَهُ فِي الْأَوَّلِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ بِالْفِرَارِ مِنَ الْمَجْذُومِ فَمِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ ؛ لِئَلَّا يَتَّفِقَ لِلشَّخْصِ الَّذِي يُخَالِطُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى ابْتِدَاءً ، لَا بِالْعَدْوَى الْمَنْفِيَّةِ ، فَيَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهِ ، فَيَعْتَقِدُ صِحَّةَ الْعَدْوَى ، فَيَقَعُ فِي الْحَرَجِ ، فَأَمَرَ بِتَجَنُّبِهِ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ .

وَعِبَارَةُ أَبِي عُبَيْدٍ : لَيْسَ فِي قَوْلِهِ : ( لَا يُورِدْ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ ) إِثْبَاتُ الْعَدْوَى بَلْ لِأَنَّ الصِّحَاحَ لَوْ مَرِضَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى رُبَّمَا وَقَعَ فِي نَفْسِ صَاحِبِهَا أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْعَدْوَى فَيَفْتَتِنُ وَيَتَشَكَّكُ فِي ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِاجْتِنَابِهِ . قَالَ : وَكَانَ بَعْضُ النَّاسِ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاجْتِنَابِ إِنَّمَا هُوَ لِلْمَخَافَةِ عَلَى الصَّحِيحَةِ مِنْ ذَوَاتِ الْعَاهَةِ . قَالَ : وَهَذَا شَرُّ مَا حُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِثْبَاتَ الْعَدْوَى الَّتِي نَفَاهَا الشَّارِعُ ، وَلَكِنَّ وَجْهَ الْحَدِيثِ عِنْدِي مَا ذَكَرْتُهُ .

ج٣ / ص٤٧٤( أَوْ لَا ) ؛ أَيْ : وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَتْنَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَاسْتَمَرَّ التَّنَافِي عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ . ( فَإِنْ نَسْخٌ بَدَا ) ؛ أَيْ : ظَهَرَ بطَرِيقٌ مِنَ الطُّرُقِ الْمَشْرُوحَةِ فِي بَابِهِ ، ( فَاعْمَلْ بِهِ ) ؛ أَيْ : بِمُقْتَضَاهُ فِي الِاحْتِجَاجِ وَغَيْرِهِ . ( أَوْ لَا ) ؛ أَيْ : وَإِنْ لَمْ يَبْدُ نَسْخٌ ، ( فَرَجِّحْ ) أَحَدَ الْمَتْنَيْنِ بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَتْنِ أَوْ بِالْإِسْنَادِ ؛ كَالتَّرْجِيحِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ أَوْ ج٣ / ص٤٧٥بِصِفَاتِهِمْ .

وَقَدْ سَرَدَ مِنْهَا الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ ( النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ) خَمْسِينَ مَعَ إِشَارَتِهِ إِلَى زِيَادَتِهَا عَلَى ذَلِكَ . وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ زَادَهَا الْأُصُولِيُّونَ فِي بَابٍ مَعْقُودٍ لَهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ أَيْضًا ، أَوْرَدَ جَمِيعَهَا الْمُؤَلِّفُ فِي النُّكَتِ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ ، فَلَا نُطِيلُ بِإِيرَادِهَا . ( وَاعْمَلَنْ ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَ النَّظَرِ فِي الْمُرَجِّحَاتِ ( بِالْأَشْبَهِ ) ؛ أَيْ : الْأَرْجَحِ مِنْهُمَا .

وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمُجْتَهِدُ مُرَجِّحًا تَوَقَّفَ عَنِ الْعَمَلِ بِأَحَدِ الْمَتْنَيْنِ حَتَّى يَظْهَرَ . وَقِيلَ : يَهْجُمُ فَيُفْتِي بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، أَوْ يُفْتِي بِهَذَا فِي وَقْتٍ ، وَبِهَذَا فِي آخَرَ ، كَمَا يَفْعَلُ أَحْمَدُ ، وَذَلِكَ غَالِبًا سَبَبُ اخْتِلَافِ رِوَايَاتِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ . قَالَ شَيْخُنَا [ تبعا لغيره ] : فَصَارَ مَا ظَاهِرُهُ التَّعَارُضُ وَاقِعًا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ : الْجَمْعِ إِنْ أَمْكَنَ ، فَاعْتِبَارِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ ، فَالتَّرْجِيحِ إِنْ تَعَيَّنَ ، ثُمَّ التَّوَقُّفِ عَنِ الْعَمَلِ بِأَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ .

[ قال ] وَالتَّعْبِيرُ بِالتَّوَقُّفِ أَوْلَى مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّسَاقُطِ ؛ لِأَنَّ خَفَاءَ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُعْتَبَرِ فِي الْحَالَةِ الرَّاهِنَةِ ، مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَظْهَرَ لِغَيْرِهِ مَا خَفِيَ عَلَيْهِ ، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَتْنِ مَا يُنَافِيهِ ، بَلْ سَلِمَ مِنْ مَجِيءِ خَبَرٍ يُضَادُّهُ فَهُوَ الْمُحْكَمُ ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ ،

موقع حَـدِيث