خَفِيُّ الْإِرْسَالِ وَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْإِسْنَادِ
[ أورد الحاكم منها من مسند عائشة : إن أشد الناس عذابا يوم ج٣ / ص٤٧٦القيامة الذين يشبهون بخلق الله ، و" جاءت امرأة رفاعة ؛ فقالت : إن رفاعة طلقني ؛ فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير . " . ومن مسند غيرها غيرهما ، وسماه : " معرفة الأخبار التي لا معارض لها بوجه من الوجوه ، قال : وفيه كتاب كبير لعثمان بن سعيد الدارمي ] .
ج٣ / ص٤٧٧( خَفِيُّ الْإِرْسَالِ وَالْمَزِيدُ فِي مُتَّصِلِ الْإِسْنَادِ ) هَذَانِ نَوْعَانِ مُهِمَّانِ عَظِيمَا الْفَائِدَةِ ، عَمِيقَا الْمَسْلَكِ ، لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِمَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا إِلَّا نُقَّادُ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتُهُ ، وَهُمَا مُتَجَاذِبَانِ فَلِذَلِكَ قَرَنَ بَيْنَهُمَا ، وَفَصَلَ أَوَّلَهُمَا عَنِ الْمُرْسَلِ الظَّاهِرِ ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِمَانِعٍ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَيْهِ هُنَاكَ . ثُمَّ لِأَجْلِ مَا أَبْدَيْتُهُ مِنَ الْمُؤَاخَاةِ بَيْنَهُمَا لَوْ قَرَنَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ وَالنَّاسِخِ الْمَاضِي شَرْحُهُمَا لَكَانَ حَسَنًا . فَأَمَّا أَوَّلُهُمَا ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ قَوْلَ التَّابِعِيِّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمُرْسَلِ الظَّاهِرِ ، وَلَا الِانْقِطَاعَ بَيْنَ رَّاوِيَيْنِ لَمْ يُدْرِكْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ؛ كَرِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَمَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ .
بَلْ هُوَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فِي تَعْرِيفِهِ حَسْبَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا : الِانْقِطَاعُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنَ السَّنَدِ بَيْنَ رَاوِيَيْنِ مُتَعَاصِرَيْنِ لَمْ يَلْتَقِيَا ، وَكَذَا لَوِ الْتَقَيَا وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا سَمَاعٌ ؛ فَهُوَ انْقِطَاعٌ مَخْصُوصٌ ، يَنْدَرِجُ فِي تَعْرِيفِ مَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ فِي الْمُرْسَلِ بِسَقْطٍ خَاصٍّ . وَإِلَى ذَلِكَ الْإِشَارَةُ
بِقَوْلِ الْبُلْقِينِيِّ : إِنَّ تَسْمِيَتَهُ بِالْإِرْسَالِ هُوَ عَلَى طَرِيقَةٍ سَبَقَتْ فِي نَوْعِ الْمُرْسَلِ. وَبِهَذَا التَّعْرِيفِ يُبَايِنُ التَّدْلِيسَ ؛ إِذْ هُوَ كَمَا حُقِّقَ أَيْضًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ : رِوَايَةُ الرَّاوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْ ج٣ / ص٤٧٨مِنْهُ .
فَأَمَّا مَنْ عَرَّفَ مَا نَحْنُ فِيهِ : بِرِوَايَةِ الرَّاوِي عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ ، أَوْ عَمَّنْ لَقِيَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، أَوْ عَمَّنْ عَاصَرَهُ ، فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا عُمُومٌ مُطْلَقٌ . وَالْمُعْتَمَدُ مَا حَقَّقْنَاهُ أَوَّلًا . ( وَ ) حِينَئِذٍ فَـ ( عَدَمُ السَّمَاعِ ) مُطْلَقًا لِلرَّاوِي مِنَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ وَلَوْ تَلَاقَيَا ، ( وَ ) كَذَا عَدَمُ ( اللِّقَاءِ ) بَيْنَهُمَا حَيْثُ عُلِمَ أَحَدُهُمَا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : 1 - مِنْ إِخْبَارِ الرَّاوِي عَنْ نَفْسِهِ بِذَلِكَ كَقَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَقَدْ سُئِلَ : هَلْ تَذْكُرُ مِنْ أَبِيكَ شَيْئًا ؟ ( لَا ) .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى غُفْرَةَ ، وَقَدْ سَأَلَهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ الرَّاوِي عَنْهُ : أَسَمِعْتَ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ ؟ قَدْ أَدْرَكْتُ زَمَنَهُ . 2 - أَوْ جَزَمَ إِمَامٌ مُطَّلِعٌ بِكَوْنِهِ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْ وَجْهٍ يُحْتَجُّ بِهِ أَنَّهُمَا تَلَاقَيَا ؛ مِثْلُ أَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِهِمْ : إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا . وَمِثْلُ الْمِزِّيِّ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ ، وَكَانَ فِي هَذَا عَجَبًا مِنَ الْعَجَبِ ، فِي قَوْلِهِ : إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَلْقَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ .
( يَبْدُو بِهِ ) ؛ أَيْ : يَظْهَرُ بِكُلٍّ مِنْ عَدَمِ السَّمَاعِ وَاللِّقَاءِ ( الْإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ ) ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ فِي الْأَكْثَرِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ بِذَلِكَ ؛ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ : ( إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيُوقِظِ امْرَأَتَهُ ) . رَوَاهُ أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ ج٣ / ص٤٧٩الْمُنْكَدِرِ عَنْهُ . وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبَزَّارُ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
بَلْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : إِنَّهُ لَمْ يَلْقَهُ . وَهُوَ مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ كَوْنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ سَنَةً . وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ وَفَاتَهُ كَانَتْ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ أَوِ الَّتِي بَعْدَهَا ، فَيَكُونُ مَوْلِدُهُ عَلَى هَذَا قَبْلَ السِتِّينَ بِيَسِيرٍ ، وَوَفَاةُ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَتْ أَيْضًا قَبْلَ السِّتِّينَ بِيَسِيرٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ وَوَكِيعٌ وَالْعَدَنِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ الَّتِي لَمْ تُسَمَّ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ مِمَّنْ لَمْ يُوصَفْ بِالتَّدْلِيسِ ، فَظَهَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى مِنَ الْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ ، هَذَا مَعَ تَخْرِيجِ أَبِي دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ لِحَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَا وَاسِطَةٍ ، بَلْ وَخَرَّجَ غَيْرُهُ أَحَادِيثَ كَذَلِكَ . وَ ( كَذَا زِيَادَةُ اسْمِ رَاوٍ ) يَتَوَسَّطُ ( فِي السَّنَدْ ) بَيْنَ الرَّاوِيَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَ يُظَنُّ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا مَظْهَرَةً لِلْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا ( إِنْ كَانَ حَذْفُهُ ) ؛ أَيْ : ذَاكَ الِاسْمِ الزَّائِدِ وَقَعَ ( بِـ ) صِيغَةِ ( عَنْ ) . وَقَالَ : وَنَحْوُهُمَا مِمَّا لَيْسَ ج٣ / ص٤٨٠صَرِيحًا فِي الِاتِّصَالِ ( فِيهِ ) ؛ أَيْ : فِي السَّنَدِ الَّذِي بِدُونِهِ ( وَرَدْ ) ؛ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ الرِّوَايَةُ النَّاقِصَةُ مُعَلَّةٌ بِالْإِسْنَادِ الْآتِي بِالزِّيَادَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالتَّحْدِيثِ أَوْ نَحْوِهِ ؛ إِذِ الزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ .
وَعَبَّرَ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ : تَرَجَّحَتِ الزِّيَادَةُ . مِثَالُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ : ( ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ ) . رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو ، كِلَاهُمَا عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حرَاشٍ عَنْهُ بِالْعَنْعَنَةِ .
وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ : سَمِعْتُ رِبْعِيًّا يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ . بَلْ وَتُوبِعَ شُعْبَةُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ . وَكَذَا رَوَاهُ شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ ، لَكِنَّهُ قَالَ : عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيَانَ أَوْ غَيْرِهِ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ .
بَلْ رَوَاهُ الْأَشْجَعِيُّ وَأَبُو عَامِرٍ ، كِلَاهُمَا عَنِ الثَّوْرِيِّ بِإِثْبَاتِ زَيْدٍ . وَكَذَا رَوَاهُ مُؤَمَّلٌ عَنِ الثَّوْرِيِّ ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسَمِّهِ ، قَالَ : عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ . فَالرِّوَايَةُ الْأُولَى مُرْسَلَةٌ وَإِنْ كَانَ رِبْعِيٌّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ؛ فَقَدْ جَزَمَ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ ابْنُ عَسَاكِرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي ذَرٍّ .
وَحَكَاهُ الْمِزِّيُّ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ ، ج٣ / ص٤٨١هَذَا مَعَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ قَدْ أَثْبَتَ سَمَاعَهُ مِنْ عُمَرَ الْمُتَوَفَّى قَبْلَ أَبِي ذَرٍّ بِتِسْعِ سِنِينَ ، وَحِينَئِذٍ فَقَدْ أَدْرَكَ أَبَا ذَرٍّ جَزْمًا ؛ وَلِذَا تَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي الْجَزْمِ بِعَدَمِ سَمَاعِهِ مِنْهُ . وَلَكِنَّ اقْتِصَارَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَالضِّيَاءِ فِي ( الْمُخْتَارَةِ ) عَلَى إِيرَادِهِ فِي صِحَاحِهِمْ بِإِثْبَاتِ الْوَاسِطَةِ قَدْ يَشْهَدُ لِلْأَوَّلَيْنِ .