ذِكْرُ الْكُتُبِ الْمُهِمَّةِ فِي هَذَا الْفَنِّ
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ هَذَا حِينُ الشُّرُوعِ فِي الرِّجَالِ وَطَبَقَاتِ الْعُلَمَاءِ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ . وَمَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ فَنٌّ جَلِيلٌ ، وَفَائِدَتُهُ التَّمْيِيزُ لِلْمُرْسَلِ ، وَالْحُكْمُ لَهُمْ بِالْعَدَالَةِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَلِأَئِمَّتِنَا فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ ; كَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فِي كِتَابِهِ ( مَعْرِفَةِ مَنْ نَزَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ سَائِرَ الْبُلْدَانِ ) ، وَهُوَ فِي خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ فِيمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ ، يَعْنِي لَطِيفَةً .
وَكَالْبُخَارِيِّ ، وَقَالَ شَيْخُنَا : إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِيهَا فِيمَا أعلم . وَكَالتِّرْمِذِيِّ وَمُطَيَّنٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ وَعَبْدَانَ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ فِي ( الْحُرُوفِ ) ، وَأَبِي حَفْصِ ابْنِ شَاهِينَ ، وَأَبِي مَنْصُورٍ الْبَاوَرْدِيِّ ، وَأَبِي حَاتِمِ ابْنِ حِبَّانَ ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَنْدَهْ ، وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ ، وَكَأَبِي عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ( الِاسْتِيعَابِ ) ، وَهُوَ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَحْسَنِهَا وَأَكْثَرِهَا فَوَائِدَ ، لَوْلَا مَا شَانَهُ بِذِكْرِ مَا شَجَرَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ، وَحِكَايَتِهِ عَنِ الْإخْبَارِيِّينَ الغالب عليهم الإكثار والتخليط . وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ بِجَمَاعَةٍ ; كَأَبِي إِسْحَاقَ ابْنِ الْأَمِينِ وَأَبِي بَكْرِ ابْنِ فَتْحُونٍ ، وَهُمَا مُتَعَاصِرَانِ ، وَثَانِيهِمَا أَحْسَنُهُمَا .
وَاخْتَصَرَ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلِيلِيُّ الِاسْتِيعَابِ ، وَسَمَّاهُ ( أعْلَامَ الْإِصَابَةِ في أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ ) . فِي آخَرِينَ يكثر حَصْرُهُمْ ; كَأَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الطَّبَرِيِّ ، وَأَبَوَيِ الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَالْعُثْمَانِيِّ ، وَأَبِي الْحَسَينِ ابْنِ قَانِعٍ فِي مَعَاجِمِهِمْ . وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ خَاصَّةً .
وَكَانَ مِنْهُمْ عَلَى رَأْسِ الْقَرْنِ السَّابِعِ الْعِزُّ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَزَرِيُّ ابْنُ الْأَثِيرِ أَخُو أَبِي السَّعَادَاتِ صَاحِبِ ( النِّهَايَةِ فِي الْغَرِيبِ ) فِي كِتَابٍ حَافِلٍ سَمَّاهُ ( أُسْدَ الْغَابَةِ ) جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ عِدَّةٍ مِنَ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ ، وَلَكِنَّهُ مَعَ ضَبْطِهِ وَتَحْقِيقِهِ لَأَشْيَاءَ حَسَنَةٍ لَمْ يَسْتَوْعِبْ وَلَمْ يُهَذِّبْ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ ، حَتَّى إِنَّ كُلًّا مِنَ النَّوَوِيِّ وَالْكَاشْغَرِيِّ اخْتَصَرَهُ ، وَاقْتَصَرَ الذَّهَبِيُّ عَلَى تَجْرِيدِهِ ، وَزَادَ عَلَيْهِ النَّاظِمُ عِدَّةَ أَسْمَاءٍ . وَلِأَبِي أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيِّ فِيهَا كِتَابٌ رَتَّبَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ . وَلِأَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ سَعِيدٍ الْحِمْصِيِّ الَّذِي نَزَلَ مِنْهُمْ حِمْصَ خَاصَّةً ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ الَّذِي نَزَلَ مِصْرَ ، وَلِأَبِي مُحَمَّدِ ابْنِ الْجَارُودِ الْآحَادُ مِنْهُمْ .
وَلِلْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيِّ ( الْإِصَابَةُ لِأَوْهَامٍ حَصَلَتْ فِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ ) فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ . وَلِخَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ ، وَيَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ ، وَأَبِي بَكْرِ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرِهِمْ ، فِي كُتُبٍ لَمْ يَخُصُّوهَا بِهِمْ ، بَلْ بضَمُّ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَيْهِمْ . وَقَدِ انْتَدَبَ شَيْخُنَا لِجَمْعِ مَا تَفَرَّقَ مِنْ ذَلِكَ ، وَانْتَصَبَ لِدَفْعِ الْمُغْلَقِ مِنْهُ عَلَى السَّالِكِ ، مَعَ تَحْقِيقٍ لِغَوَامِضَ ، وَتَوْفِيقٍ بَيْنَ مَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَالْمُتَنَاقِضِ ، وَزِيَادَاتٍ جَمَّةٍ وَتَتِمَّاتٍ مُهِمَّةٍ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ ( الْإِصَابَةَ ) ، جَعَلَ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ غَالِبًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : فِيمَنْ وَرَدَتْ رِوَايَتُهُ أَوْ ذِكْرُهُ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ أَوْ ضَعِيفَةٍ أَوْ مُنْقَطِعَةٍ .
الثَّانِي : مَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ فَقَطْ . الثَّالِثُ : مَنْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ وَالْإِسْلَامَ ، وَلَمْ يَرِدْ فِي خَبَرٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . الرَّابِعُ : مَنْ ذُكِرَ فِي كُتُبِ مُصَنِّفِي الصَّحَابَةِ ومُخَرِّجِي الْمَسَانِيدِ غَلَطًا ، مَعَ بَيَانِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقِهِ مِمَّا لَمْ يُسْبَقْ إِلَى غَالِبِهِ .
وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ مِنْهُ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّنْبِيهُ فِيهِ عَلَى عَجَائِبَ يُسْتَغْرَبُ وُقُوعُ مِثْلِهَا ، وَمَاتَ قَبْلَ عَمَلِ الْمُبْهَمَاتِ ، وَأَرْجُو عَمَلَهَا .