تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا
( وَقِيلَ ) : إِنَّمَا يَكُونُ صَحَابِيًّا ( مَنْ أَقَامَ ) مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( عَامًا ) أَوْ عَامَيْنِ ، ( وَغَزَا مَعْهُ ) غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ ، ( وَذَا ) القول ( لِـ ) سَعِيدِ ( بْنِ الْمُسَيَّبِ ) بِكَسْرِ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَكَأَنَّهُ لِمَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدٍ مِنْ كَرَاهَتِهِ الْفَتْحِ . ( عَزَا ) ; أَيْ : ابْنُ الصَّلَاحِ وَأَسْنَدَهُ أَبُو حَفْصِ ابْنُ شَاهِينَ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَبُو مُوسَى فِي آخِرِ الذَّيْلِ . ج٤ / ص٢٣قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : وَكَأَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا إِنْ صَحَّ عَنْهُ رَاجِعٌ إِلَى الْمَحْكِيِّ عَنِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَلَكِنْ فِي عِبَارَتِهِ ضِيقٌ يُوجِبُ أَنْ لَا يُعَدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَمَنْ شَارَكَهُ فِي فَقْدِ ظَاهِرِ مَا اشْتَرَطَهُ فِيهِمْ مِمَّنْ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي عَدِّهِ مِنَ الصَّحَابَةِ .
انْتَهَى . وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي تَوَقُّفِهِ فِي صِحَّتِهِ عَنْ سَعِيدٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ ، مَعَ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ : ( أَوْ غَزَا مَعَهُ غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْنِ ) ، بِـ ( أَوْ ) ، وَهُوَ أَشْبَهُ فِي تَرْجِيعِهِ إِلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي . وَحَكَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَذْكُرُونَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَإِسْلَامَهُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسَةِ أَشْهُرٍ أَوْ نَحْوِهَا .
انْتَهَى . وَإِسْلَامُ جَرِيرٍ مُخْتَلَفٌ فِي وَقْتِهِ ، فَفِي ( الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ ) لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ : ( بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أثْرِ الْعُرَنِيِّينَ ) . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ ، لَكِنَّ فِيهِ الرَّبَذِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ .
وَفِي ( الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ ) مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا قَالَ : ( لَمَّا بعث النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي : ( يَا جَرِيرُ ، لِأَيِّ شَيْءٍ جِئْتَنَا ؟ ) قُلْتُ : لِأُسْلِمَ عَلَى يَدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَأَلْقَى إِلَيَّ ج٤ / ص٢٤كِسَاءَهُ .. . الْحَدِيثَ .
وَفِي سَنَدِهِ حُصَيْنُ بْنُ عُمَرَ الْأَحْمَسِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا . وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَتْرُوكَ الظَّاهِرِ ، وَلحْمَلُ عَلَى الْمَجَازِ ; أَيْ : لَمَّا بَلَغَنَا خَبَرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . أَوْ عَلَى الْحَذْفِ ; أَيْ : لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ دَعَا إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، ثُمَّ حَارَبَ قُرَيْشًا وَغَيْرَهُمْ ، ثُمَّ فَتَحَ مَكَّةَ ، ثُمَّ وَفَدَتْ عَلَيْهِ الْوُفُودُ .
فَقَدْ رَوي أَيْضًا فِي ( الْكَبِيرِ ) بِلَفْظِ : ( فَدَعَانِي إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ) ، وَالزَّكَاةُ إِنَّمَا فُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ . وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثٍ شَرِيكٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ : قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ .. . ) الْحَدِيثَ .
وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَخْدِشُ فِي جَزْمِ الْوَاقِدِيِّ بِأَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ ; لِأَنَّ وَفَاةَ النَّجَاشِيِّ كَانَتْ قَبْلَ سَنَةِ عَشْرٍ . وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : ( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ ) . وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا ; لِأَنَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ كَانَتْ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا .
وَاشْتَرَطَ بَعْضُهُمْ مَعَ طُولِ الصُّحْبَةِ الْأَخْذَ ، حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْجَاحِظُ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ ، الَّذِي قَالَ فِيهِ ثَعْلَبٌ : إِنَّهُ غَيْرُ ثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ . وَتَسْمِيَتُهُ لِأَبِيهِ بِيَحْيَى تَصْحِيفٌ مِنْ بَحْرٍ ، وَعِبَارَتُهُ : ذَهَبَ عَمْرُو بْنُ يَحْيَى إِلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ مَنْ ج٤ / ص٢٥طَالَتْ صُحْبَتُهُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْمَ .
وَحَكَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ أَيْضًا قَوْلًا غَيْرَ مَعْزُوٍّ لِأَحَدٍ ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ الْأَخْذِ بِالرِّوَايَةِ . وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ ، قَالَ : وَلَمْ أَرَ هَذَا الْقَوْلَ لِغَيْرِ عَمْرٍو . وَكَأَنَّ ابْنَ الْحَاجِبِ أَخَذَهُ مِنْ كَلَامِ الْآمِدِيِّ .