تَعْرِيفُ الصَّحَابِيِّ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا
وَعَنْ بَعْضِهِمْ : هُوَ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَاخْتَصَّ بِهِ اخْتِصَاصَ الصَّاحِبِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَلَّمْ مِنْهُ . قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْمَرِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ . وَعَنْ بَعْضِهِمْ : هُوَ مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ مَعَ الصُّحْبَةِ الِاتِّصَافُ بِالْعَدَالَةِ ، فَمَنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ ذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّحْبَةِ .
قَالَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ ابْنُ الْقَطَّانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ بَعْدَهَا . وَقِيلَ : هُوَ مَنْ أَدْرَكَ زَمَنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا وَإِنْ لَمْ يَرَهُ . وَهُوَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ ; فَإِنَّهُ قَالَ : وَمِمَّنْ دُفِنَ ; أَيْ : بِمِصْرَ ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِمَّنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ : أَبُو تَمِيمٍ الْجَيْشَانِيُّ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ .
وَكَذَا ذَكَرَهُ الدَّوْلَابِيُّ فِي الْكُنَى مِنَ الصَّحَابَةِ ، وَهُوَ إِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ . عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُهُمَا لَهُ فِي الصَّحَابَةِ لِإِدْرَاكِهِ ; لِكَوْنِ أَمْرِهِ عِنْدَهُمَا عَلَى الِاحْتِمَالِ ، وَلَمْ يَطَّلِعَا عَلَى تَأَخُّرِ قُدُومِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَصْرِيحِ أَوَّلِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ منه أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ أَنَّهُ رَآهُ . وَمِمَّنْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ عن الْأُصُولِيِّينَ الْقَرَافِيُّ فِي ( شَرْحِ التَّنْقِيحِ ) .
وَعَلَيْهِ عَمَلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ( الِاسْتِيعَابِ ) وَابْنِ مَنْدَهْ فِي ( الصَّحَابَةِ ) ; حَيْثُ ذَكَرَا الصَّغِيرَ الْمَحْكُومَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَقِفَا لَهُ عَلَى رُؤْيَةٍ ، وَكَأَنَّ حُجَّتَهُمَا تَوَفُّرُ هِمَمِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلَى إِحْضَارِ مَنْ يُولَدُ لَهُمْ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَدْعُوَ لَهُ ; كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُهُ بَعْدُ . بَلْ صَرَّحَ أَوَّلُهُمَا بِأَنَّهُ رَامَ بِذَلِكَ اسْتِكْمَالَ الْقَرْنِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ) . وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ بَعْضِهِمْ عَنِ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ ، أَوْ إِدْخَالُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فِيهِمْ ; كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ التَّابِعِينَ .