حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

حَقِيقَةُ التَّأْرِيخِ

ج٤ / ص٣٦٢( تَوَارِيخُ الرُّوَاةِ وَالْوَفَيَاتِ ) وَحَقِيقَةُ التَّارِيخِ : التَّعْرِيفُ بِالْوَقْتِ الَّذِي تُضْبَطُ بِهِ الْأَحْوَالُ فِي الْمَوَالِيدِ وَالْوَفَيَاتِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ مَا يَتَّفِقُ مِنَ الْحَوَادِثِ وَالْوَقَائِعِ الَّتِي تنْشَأُ عَنْهَا مَعَانٍ حَسَنَةٌ مَعَ تَعْدِيلٍ وَتَجْرِيحٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، ج٤ / ص٣٦٣وَحِينَئِذٍ فَالْعَطْفُ بِالْوَفَيَاتِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ ، يُقَالُ : تَارِيخٌ وَتَوْرِيخٌ ، وَأَرَّخْتُ الْكِتَابَ وَوَرَّخْتُهُ بِمَعْنًى ، وَقَالَ الصُّولِيُّ : تَارِيخُ كُلِّ شَيْءٍ غَايَتُهُ وَوَقْتُهُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ زَمَنُهُ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِفُلَانٍ : تَارِيخُ قَوْمِهِ . أَيْ : إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي شَرَفِ قَوْمِهِ ، كَمَا قَالَهُ الْمُطَرِّزِيُّ ، أَوْ لِكَوْنِهِ ذَاكِرٌ لِلْأَخْبَارِ وَمَا شَاكَلَهَا ، وَمِمَّنْ لُقِّبَ بِذَلِكَ أَبُو الْبَرَكَاتِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ الْعَسَّالُ الْمُقْرِئُ الْحَنْبَلِيُّ الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ . وَأَوَّلُ مَنْ أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ، وَاخْتِيرَ لِابْتِدَائِهِ أَوَّلُ سِنِّيهَا بَعْدَ أَنْ جَمَعَ ج٤ / ص٣٦٤الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ ، وَاسْتَشَارَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهَا فِيمَا قِيلَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا بِخِلَافِ وَقْتِ كُلٍّ مِنَ الْبَعْثَةِ وَالْوِلَادَةِ ، وَأَمَّا وَقْتُ الْوَفَاةِ فَهُوَ وَإِنْ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ فَالِابْتِدَاءُ بِهِ ، وَجَعْلُهُ أَصْلًا غَيْرَ مُسْتَحْسَنٍ عَقْلًا ; لِتَهْيِيجِهِ لِلْحُزْنِ وَالْأَسَفِ ، وَأَيْضًا فَوَقْتُ الْهِجْرَةِ مِمَّا يُتَبَرَّكُ بِهِ ; لِكَوْنِهِ وَقْتَ اسْتِقَامَةِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَتَوَالِي الْفُتُوحِ وَتَرَادُفِ الْوُفُودِ وَاسْتِيلَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، ثُمَّ اخْتِيرَ أَنْ تَكُونَ السَّنَةُ مُفْتَتَحَةً مِنْ شُهُورِهَا بِالْمُحَرَّمِ ; لِكَوْنِهِ شَهْرُ اللَّهِ ، وَفِيهِ يُكْسَى الْبَيْتُ ، وَيُضْرَبُ الْوَرَقُ ، وَفِيهِ يَوْمٌ تَابَ فِيهِ قَوْمٌ فَتِيبَ عَلَيْهِمْ ، وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ أَنَّهُ تَأْتِينَا مِنْكَ كُتُبٌ لَيْسَ فِيهَا تَارِيخٌ فَأَرِّخْ .

بَلْ رُوى أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، وَقَدِمَهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ . وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، أَوَّلُ مَنْ أَرَّخَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ بِالْيَمَنِ ، وَلَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ الْأَوَّلُ . ج٤ / ص٣٦٥وَهُوَ فَنٌّ عَظِيمُ الْوَقْعِ مِنَ الدِّينِ ، قَدِيمُ النَّفْعِ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ ، لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَلَا يُعْتَنَى بِأَعَمَّ مِنْهُ ، خُصُوصًا مَا هُوَ الْمقَصْدُ الْأَعْظَمُ مِنْهُ ، وَهُوَ الْبَحْثُ عَنِ الرُّوَاةِ وَالْفَحْصِ عَنْ أَحْوَالِهِمْ فِي ابْتَدَائِهِمْ وَحَالِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهِمْ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الِاعْتِقَادِيَّةَ وَالْمَسَائِلَ الْفِقْهِيَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ كَلَامِ الْهَادِي مِنَ الضَّلَالَةِ وَالْمُبَصِّرِ مِنَ الْعَمَى وَالْجَهَالَةِ ، وَالنَّقَلَةُ لِذَلِكَ هُمُ الْوَسَائِطُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، وَالرَّوَابِطُ فِي تَحْقِيقِ مَا أَوْجَبَهُ وَسَنَّهُ ، فَكَانَ التَّعْرِيفُ بِهِمْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ ، وَالتَّشْرِيفُ بِتَرَاجِمِهِمْ مِنَ الْمُهِمَّاتِ ; وَلِذَا قَامَ بِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ أَهْلُ الْحَدِيثِ ، بَلْ نُجُومُ الْهُدَى وَرُجُومُ الْعِدَى .

موقع حَـدِيث