بَوَاعِثُ وَضْعِ التَّأْرِيخِ
( وَوَضَعُوا التَّارِيخَ ) الْمُشْتَمِلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مَعَ ضَمِّهِمْ لَهُ الضَّبْطَ لِوَقْتِ كُلٍّ مِنَ السَّمَاعِ ، وَقُدُومِ الْمُحَدِّثِ الْبَلَدَ الْفُلَانِيَّ فِي رِحْلَةِ الطَّالِبِ وَمَا أَشْبَهَهُ ، كَمَا تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ تَصَانِيفِهِمْ فِي آدَابِ طَالِبِ الْحَدِيثِ ; لِيَخْتَبِرُوا بِذَلِكَ مَنْ جَهِلُوا حَالَهُ فِي الصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ ، ( لَمَّا كَذَبَا ذَوُوهُ ) أَيْ : ذَوُو الْكَذِبِ ، ( حَتَّى بَانَ ) أَيْ : ظَهَرَ بِهِ كَذِبُهُمْ وَبُطْلَانُ قَوْلِهِمُ الَّذِي يُرَوِّجُونَ بِهِ عَلَى مَنْ أَغْفَلَهُ ، ( لَمَّا حُسِبَا ) سِنُّهُمْ وَسِنُّ مَنْ زَعَمُوا لُقْيَهُمْ إِيَّاهُ ، وَافْتَضَحُوا بِذَلِكَ ، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ كَمَا اتَّفَقَ لِإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا اخْتِبَارًا : أَيُّ سَنَةٍ كَتَبْتَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ؟ فَقَالَ : سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ . يَعْنِي : وَمِائَةٍ ، ( فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ سَمِعْتَ مِنْ خَالِدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَبْعِ سِنِينَ ) وَهَذَا عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي وَقْتِ وَفَاةِ خَالِدٍ ، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ : ج٤ / ص٣٦٦جَاءَ عَنْ عِمْر بْنِ مُوسَى أَنَّهُ قَالَ : أَخبرنَا شَيْخُكُمُ الصَّالِحُ . وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ : مَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ : خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ .
فَقِيلَ لَهُ : فِي أَيِّ سَنَةٍ لَقِيتَهُ ؟ قَالَ : سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ فِي غَزَاةِ أَرْمِينِيَّةَ . فَقِيلَ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ يَا شَيْخُ ، وَلَا تَكْذِبْ ، مَاتَ خَالِدٌ سَنَةَ أَرْبَعٍ ومائة ، وَلَمْ يَغْزُ أَرْمِينِيَّةَ ) . وَكَذَا قَالَ عُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ خَالِدٍ أَيْضًا : إِنَّهُ مَاتَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ ، وَهُوَ قَوْلُ دُحَيْمٍ وَسُلَيْمَانَ الْخَبَائرِيِّ وَمُعَاوِيَةَ بنِ صَالِحٍ وَيَزِيدَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ قَرَأَهُ كَذَلِكَ فِي دِيوَانِ الْعَطَاءِ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي ( الْعِبَرِ ) .
وَفِيهَا مِنَ الْأَقْوَالِ أَيْضًا : سَنَةَ ثَمَانٍ ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ قَانِعٍ ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ ثَلَاثٍ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : إِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْهَيْثَمِ بْنِ عَدِيٍّ وَالْمَدَائِنِيِّ وَالْفَلَّاسِ وَابْنِ مَعِينٍ وَيَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ فِي آخَرِينَ ، وَكَذَا اتَّفَقَ لِلْحَاكِمِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ حَاتِمٍ الْكَشِّيِّ حِينَ حَدَّثَ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ فَسَأَلَهُ عَنْ مَوْلِدِهِ ، فَقَالَ لَهُ : فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ . فَقَالَ : إِنَّ ج٤ / ص٣٦٧هَذَا سَمِعَ مِنْ عَبْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَقَالَ الْمُعَلَّى بْنُ عِرْفَانَ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ ، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ ؟ وَكَذَا أرخ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ الشَّيْبَانِيُّ سَمَاعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فِي سَنَةِ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ فَافْتَضَحَ ; إِذْ مَوْتُ عَمْرٍو قَبْلَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا ، كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي الْمُسَلْسَلِ .
وَمِنْ ثَمَّ
قَالَ الثَّوْرِيُّ : لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمُ التَّارِيخَ. أَوْ كَمَا قَالَ ، وَنَحْوُهُ قَوْلِ حَسَّانَ بْنِ يَزِيدَ كَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ ، لَمْ يُسْتَعَنْ عَلَى الْكَذَّابِينَ بِمِثْلِ التَّارِيخِ ، يُقَالُ لِلشَّيْخِ : سَنَةَ كَمْ وُلِدْتَ ؟ فَإِذَا أَقَرَّ بِمَوْلِدِهِ عُرِفَ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ ، وَقَوْلِ حَفْصِ بْنَ غِيَاثٍ الْقَاضِي : إِذَا اتَّهَمْتُمُ الشَّيْخَ فَحَاسِبُوهُ بِالسِّنَّيْنِ يَعْنِي بِفَتْحِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ تَثْنِيَةُ سِنٍّ ، وَهُوَ الْعُمُرُ ، يُرِيدُ احْسُبُوا سِنَّهُ وَسِنَّ مَنْ كَتَبَ عَنْهُ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . وَكَذَا يَتَبَيَّنُ بِهِ مَا فِي السَّنَدِ مِنَ انْقِطَاعٍ أَوْ عَضَلٍ أَوْ تَدْلِيسٍ أَوْ إِرْسَالٍ ظَاهِرٍ أَوْ خَفِيٍّ ، لِلْوُقُوفِ بِهِ عَلَى أَنَّ الرَّاوِيَ مَثَلًا لَمْ يُعَاصِرْ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ عَاصَرَهُ ، وَلَكِنْ لَمْ يَلْقَهُ ; لِكَوْنِهِ فِي غَيْرِ بَلَدِهِ وَهُوَ لَمْ يَرْحَلْ إِلَيْهَا ، مَعَ كَوْنِهِ ج٤ / ص٣٦٨لَيْسَتْ لَهُ مِنْهُ إِجَازَةٌ أَوْ نَحْوُهَا ، وَكَوْنُ الرَّاوِي عَنْ بَعْضِ الْمُخْتَلِطِينَ ، سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَرُبَّمَا يَتَبَيَّنُ بِهِ التَّصْحِيفُ فِي الْأَنْسَابِ كَمَا أَسْلَفْتُهُ فِي التَّصْحِيفِ ، وَهُوَ أَيْضًا أَحَدُ الطُّرُقِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا النَّاسِخُ مِنَ الْمَنْسُوخِ كَمَا سَلَفَ فِي بَابِهِ ، وَرُبَّمَا يُسْتَدَلُّ بِهِ لِضَبْطِ الرَّاوِي ، حَيْثُ يَقُولُ فِي الْمَرْوِيِّ : وَهُوَ أَوَّلُ شيخ سَمِعْتُهُ مِنْهُ ، أَوْ رَأَيْتُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ يَفْعَلُ كَذَا ، أَوْ كَانَ فُلَانٌ آخِرَ مَنْ رَوَى عَنْ فُلَانٍ ، أَوْ سَمِعْتُ مِنْ فُلَانٍ قَبْلَ أَنْ يُحَدِّثَ مَا أُحَدِّثُ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِطَ ، وَفِي الْمُتُونِ أَيْضًا مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ كَـ ( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ كَذَا ; وَكَقَوْلِهِ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ : ( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ ) الْحَدِيثَ .
وَكَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ، وَقَوْلِ عَائِشَةَ : ( إِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ إِذَا لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَغْتَسِلْ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدُ وَأَمَرَ بِهِ وَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ ج٤ / ص٣٦٩بِعَامٍ .. . أَوْ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِشَهْرٍ ، وَكُنَّا نَفْعَلُ كَذَا حَتَّى قَدِمْنَا الْحَبَشَةَ ، وَنَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ كَذَا ) . وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، بِحَيْثُ أَفْرَدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ فَمَنْ بَعْدَهُمُ الْأَوَائِلَ بِالتَّصْنِيفِ ، وَأَجْمَعُهَا لِشَيْخِنَا ، وَكَذَا أَفْرَدَ أَبُو زَكَرِيَّا ابْنُ مَنْدَهْ آخِرَ الصَّحَابَةِ مَوْتًا كَمَا سَلَفَ هُنَاكَ ، بَلْ أَفْرَدَ الْأَوَاخِرَ مُطْلَقًا بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ .
وَلِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ فِي الْمُتُونِ مِنْ ذَلِكَ أَفْرَدَهُ الْبُلْقِينِيُّ بِنَوْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَلَوْ ضَمَّهُ لهَذَا ، وَيَكُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ : سَنَدِيٍّ وَمَتْنِيٍّ ، وَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ لَكَانَ حَسَنًا . وَكَانَ لِخِيَارِ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ بِأَهْلِهِ أَتَمُّ اعْتِنَاءٍ ، حَتَّى إِنَّ الْأَمِيرَ سَنْجَرَ الدَّوَادَارِيَّ سَأَلَ الدِّمْيَاطِيَّ وَنَاهِيَكَ بِجَلَالَتِهِ عَنْ سَنَةِ وَفَاةِ الْبُخَارِيِّ ، فَلَمْ يتَّفِقْ لَهُ الْمُبَادَرَةُ لِاسْتِحْضَارِهَا ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ فَسَأَلَهُ عَنْهَا ج٤ / ص٣٧٠فَبَادَرَ لِذِكْرِهَا فَحَظِيَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ جِدًّا ، وَزَادَ فِي إِكْرَامِهِ وَتَقْرِيبِهِ . وَفُنُونُهُ مُتَشَعِّبَةٌ جِدًّا ، وَالْمَرْغُوبُ عَنْهُ مِنْهَا مَا لَا نَفْعَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا وُضِعَ لِلتَّفَرُّجِ ; وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي ( الْإِحْيَاءِ ) ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ مِنَ ( الرَّوْضَةِ ) : الْكِتَابُ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِثَلَاثَةِ أَغْرَاضٍ : التَّعْلِيمِ وَالتَّفَرُّجِ بِالْمُطَالَعَةِ ، وَالِاسْتِفَادَةِ .
فَالتَّفَرُّجُ لَا يُعَدُّ حَاجَةً ; كَاقْتِنَاءِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالتَّوَارِيخِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَا فِي الدُّنْيَا ، فَهَذَا يُبَاعُ فِي الْكَفَّارَةِ وَزَكَاةِ الْفِطْرِ ، وَيَمْنَعُ اسْمَ الْمَسْكَنَةِ . انْتَهَى . وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الْإِحْيَاءِ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنَ الْعِلْمِ الْمُبَاحِ ; فَإِنَّهُ قَالَ : وَأَمَّا الْمُبَاحُ مِنْهُ فَالْعِلْمُ بِالْأَشْعَارِ الَّتِي لَا سَخْفَ فِيهَا ، وَتَوَارِيخُ الْأَخْبَارِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ ، وَوَلِعَ بَعْضُ الْفُسَّاقِ بِهَذَا الْكَلَامِ فِي ذَمِّ مُطْلَقِ التَّارِيخِ فَأَخْطَأَ ، بَلْ هُوَ وَاجِبٌ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُقُوفِ عَلَى اتِّصَالِ الْخَبَرِ وَشِبْهِهِ .
وَقَدْ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ : فُنُونُ التَّوَارِيخِ الَّتِي تَدْخُلُ فِي تَارِيخَيِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ ، وَسَرَدَهَا فَكَانَتْ أَمْرًا عَجَبًا ، قال : وَلَمْ أَنْهَضْ لَهُ ، وَلَوْ عَمِلْتُهُ لَجَاءَ فِي سِتِّمِائَةِ مُجَلَّدٍ . وَلِذَا قَالَ مُغْلَطَايُ كَمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِّهِ أَيْضًا : إِنَّ شَخْصًا وَاحِدًا حَازَ نَحْوًا مِنْ أَلْفِ تَصْنِيفٍ فِيهِ ، ج٤ / ص٣٧١وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِي الْوَفَيَاتِ بِخُصُوصِهَا كِتَابٌ مُسْتَوْفًى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُمَيْدِيُّ مُؤَلِّفُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ ، وَأَنَّهُ رَامَ جَمْعَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرِ ابْنُ مَاكُولَا : رَتِّبْهُ عَلَى الْحُرُوفِ بَعْدَ أَنْ تُرَتِّبَهُ عَلَى السِّنِينِ ، يَعْنِي فِي تَصْنِيفَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ يَسْتَوفى الْغَرَضَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ فِي وَاحِدٍ فَقَطْ ، وَيَكُونُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا مُسْتَوْفِيًا ، وَالْآخَرُ : حَوَالَةً ، بِأَنْ يَقُولَ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ مَثَلًا : عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الطَّبَقَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنَ التَّابِعِينَ . لِيَتَيَسَّرَ بِذَلِكَ لِلطَّالِبِ الْإِحَاطَةُ بِالرَّاوِي ، سَوَاءٌ عَرَفَ طَبَقَتَهُ أَوِ اسْمَهُ .
وَإِنْ كَانَ صَنِيعُ الذَّهَبِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ طَبَقَةٍ عَلَى قِسْمَيْنِ : قِسْمٍ فِيهِ الْأَسْمَاءُ مُرَتَّبَةً عَلَى الْحُرُوفِ ، وَالْآخَرِ فِيهِ الْحَوَادِثُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ عَقِبَ كَلَامِ الْحُمَيْدِيِّ فِي تَرْجَمَتِهِ مِنْ تَارِيخِ الْإِسْلَامِ لَهُ مَا نَصُّهُ : قَدْ فَتَحَ اللَّهُ بِكِتَابِنَا هَذَا ـ انْتَهَى . فَإِنَّ الظَّاهِرَ مَا قَدَّمْتُهُ . هَذَا مَعَ أَنَّ تَارِيخَ الْإِسْلَامِ قَدْ فَاتَهُ فِيهِ مِنَ الْخَلْقِ مَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَزِدْتُ فِيهِ قَدْرَهُ أَوْ أَكْثَرَ ، وَصَارَ الْآنَ كِتَابًا حَافِلًا بَدِيعًا مَعَ أَنِّي لَمْ أَبْلُغْ فِيهِ غَرَضِي .
ج٤ / ص٣٧٢