استكمال النبي والصديق وعمر وعلي لثلاثة وستين سنة
فَأَمَّا الثَّانِي ( فَاسْتَكْمَلَ النَّبِيُّ ) سَيِّدُ الْعَالَمِينَ طُرًّا ، وَسَنَدُ الْمُؤْمِنِينَ ذُخْرًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرُفَ وَكَرُمَ ، ( وَ ) كَذَا خَلِيفَتُهُ وَصَاحِبُهُ ( الصِّدِّيقُ ) أَبُو بَكْرٍ ، وَ ( كَذَا ) ابْنُ عَمِّهِ وَزَوْجُ ابْنَتِهِ ( عَلِيٌّ ) هُوَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ ( كَذَا الْفَارُوقُ ) هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخُطَّابِ الْمُسَمَّى قَدِيمًا بِذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِكَوْنِهِ كَمَا فِي مَرْفُوعٍ مُرْسَلٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ : ( فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ) ، وَالْمُتَأَخِّرُ هُنَا فِي الذِّكْرِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ لِلضَّرُورَةِ ، ( ثَلَاثَةَ الْأَعْوَامِ وَالسِّتِّينَا ) أَيْ : ثَلَاثا وَسِتِّينَ سَنَةً مَعَ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ بِالنَّظَرِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمْ . لَكِنَّ الْقَوْلَ بِهِ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مَعَ مَجِيءِ خِلَافِهِ أَيْضًا عَنْهُمْ إِلَّا مُعَاوِيَةَ فَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ سِوَاهُ ، وَبِهِ جَزَمَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ ، وَكَذَا قَالَ بِهِ الْقَاسِمُ وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَالْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ سَعْدٍ : هُوَ الثَّبَتُ عِنْدَنَا . بَلْ حَكَى فِيهِ الْحَاكِمُ الْإِجْمَاعَ ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ ، وَتَأَولوُا الْبَاقِيَ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ : سِتُّونَ كَمَا ثَبَتَ فِي ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) عَنْ أَنَسٍ ، وَرُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمَالِكٍ ، وَأَوْرَدَهُ الْحَاكِمُ فِي ( الْإِكْلِيلِ ) ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِهِ ، وَهُوَ مُخَرَّجٌ عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُلْغِي الْكُسُورَ وَتَقْتَصِرُ عَلَى الْأَعْدَادِ الصَّحِيحَةِ ، وَقِيلَ : خَمْسٌ وَسِتُّونَ .
روى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ أَيْضًا ، وَدَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ ، وَقِيلَ : اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ . قَالَهُ قَتَادَةُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْهُ ، وَنَحْوُهُ مَا فِي تَارِيخِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ إِلَى أَنَسٍ ، قَالَ : اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ وَنِصْفٌ ، وَفِي كِتَابِ ابْنِ شَبَّةَ : إِحْدَى أَوِ اثْنَتَانِ ، لَا أَرَاهُ بَلَغَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ ، وَهُوَ شَاذٌّ ، وَالَّذِي قَبْلَهُ إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ وُلِدَ فِي رَمَضَانَ ، وَهُوَ شَاذٌّ أَيْضًا . ثُمَّ إِنَّ الرِّوَايَاتِ اخْتَلَفَتْ فِي مِقْدَارِ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ مِنْ وَقْتِ مَجِيءِ الْمَلَكِ إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنَّهُ عَشْرٌ فَقَطْ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَدَّ مِنْ بَعْدِ فَتْرَةِ الْوَحْيِ وَمَجِيءِ الْمَلَكِ بِـ ( الْمُدَّثِّرُ ) .
وَالْقَوْلُ بِهِ فِي الصِّدِّيقِ صَحَّ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي الْخُلَفَاءِ ، لَهُ مِنْ جِهَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ قَانِعٍ وَالْمِزِّيُّ وَالذَّهَبِيُّ ، وَقَالَ مُبَالِغًا فِي أَصَحِّيَّتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَقِيلَ : خَمْسٌ وَسِتُّونَ قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهُوَ شَاذٌّ ، وَقِيلَ : اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ ، وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا . قَالَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ . وَالْقَوْلُ بِهِ فِي الْفَارُوقِ صَحَّ أيضا عَنْ أَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَصَحَّحَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْمِزِّيُّ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْمُصَنِّفُ بِكَوْنِهِ وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، يَعْنِي فَإِنَّ مَوْلِدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِيهِ ، وَهُوَ تَأَخَّرَ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي سَبَقَهُ بِهَا ، وَقِيلَ : أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ .
قَالَهُ بَعْضُهُمْ ، وَقِيلَ : خَمْسٌ وَخَمْسُونَ . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْخُلَفَاءِ لَهُ ، وَقِيلَ : سِتٌّ وَخَمْسُونَ أَوْ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ أَوْ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ ، رُوِيَتْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، وَقِيلَ : سِتُّونَ . وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ قَانِعٍ فِي ( الْوَفَيَاتِ ) ، وَقِيلَ : إِحْدَى وَسِتُّونَ .
قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَقِيلَ : خَمْسٌ وَسِتُّونَ . قَالَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالزُّهْرِيُّ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُمَا ، وَقِيلَ : سِتٌّ وَسِتُّونَ . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا فِي تَصْحِيحِ الْأَوَّلِ ، فَقَالَ : وَفِيهِ نَظَرٌ .
فَهُوَ وَإِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ عُمَرَ قُتِلَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَظْهَرُ مِنْهُ ، فَرَأَيْتُ فِي أَخْبَارِ الْبَصْرَةِ لِعُمْرَ بْنِ شَبَّةَ : ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، ثَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِعَامٍ : أَنَا ابْنُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ ، أَوْ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَإِنَّمَا أَتَانِي الشَّيْبُ مِنْ قِبَلِ أَخْوَالِي بَنِي الْمُغِيرَةِ . قَالَ : فَعَلَى هَذَا يَكُونُ يَوْمَ مَاتَ ابْنَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ أَوْ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ . وَهَذَا الْإِسْنَادُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَهُوَ يُرَجَّحُ عَلَى الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَخْبَرُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ ، وَبِأَنَّهُ عَنْ آلِ بَيْتِهِ ، وَآلِ الرَّجُلِ أَتْقَنُ لِأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ .
وَالْقَوْلُ بِهِ فِي عَلِيٍّ مَرْوِيٌّ عَنْ وَلَدِهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَأَبِي بَكْرِ ابْنِ عَيَّاشٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَآخَرِينَ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَلَامَهُ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ : إِنَّهُ تُوُفِّيَ لِثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ . وَقِيلَ : سَبْعٌ وَخَمْسُونَ .
قَالَهُ الْهَيْثَمُ وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ الْبَرْقِيِّ ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ قَانِعٍ كَلَامَهُ ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالْمِزِّيُّ حِينَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ ، وَقِيلَ : ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ . وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَاضِي ، وَقِيلَ : اثْنَانِ وَسِتُّونَ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْخُلَفَاءِ لَهُ ، وَقِيلَ : أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ أَوْ خَمْسٌ وَسِتُّونَ ، رُوِيَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَيْضًا . ( وَ ) أَمَّا الْوَفَيَاتُ وَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ وَالْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ وَالْفُقَهَاءِ الْخَمْسَةِ ، الثَّوْرِيِّ ، ثُمَّ الْأَرْبَعَةِ الْمَشْهُورِينَ وَالْحُفَّاظِ الْخَمْسَةِ أَصْحَابِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَسَبْعَةِ حُفَّاظٍ بَعْدَهُمُ انْتُفِعَ بِتَصَانِيفِهِمُ الْحَسَنَةِ مِنْ زَمَنِهِمْ ، وَهَلُمَّ جَرًّا ، وَأَرْدَفَ الْعَشَرَةَ بِجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُعَمَّرِينَ ( فَفِي ) شَهْرِ ( رَبِيعٍ ) هُوَ الْأَوَّلُ ( قَدْ قَضَى ) أَيْ : مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَقِينَا ) أَيْ : بِلَا خِلَافٍ ; فَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا ، لَكِنْ فِي حَدِيثٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ أَنَّهُ كَانَ فِي حَادِي عَشَرَي شَهْرَ رَمَضَانَ ـ انْتَهَى .
وَذَلِكَ ( سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ ) بِسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى أَحَدِ لُغَاتِهَا مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَكَذَا لَا خِلَافَ فِي كَوْنِهِ دُفِنَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِالْيَوْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ ، وَمِنَ التَّابِعِينَ أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالزُّهْرِيُّ وَجَعْفَرٌ الصَّادِقُ فِي آخَرِينَ ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي ضَبْطِهِ مِنَ الشَّهْرِ بِعَدَدٍ مُعَيَّنٍ ، فَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ سَعْدٍ وَسَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّهُ كَانَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ ، وَبِهِ جَزَمَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالنَّوَوِيُّ فِي ( شَرْحِ مُسْلِمٍ ) وَ ( الرَّوْضَةِ ) وَغَيْرِهِمَا مِنْ تَصَانِيفِهِ ، وَالذَّهَبِيُّ فِي ( الْعِبَرِ ) ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ، وَبِهِ صَدَّرَ الْمِزِّيُّ كَلَامَهُ ، وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ شِهَابٍ وَاللَّيْثِ وَالْخَوَارِزْمِيِّ أَنَّهُ فِي مُسْتَهَلِّهِ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ زَبْرٍ فِي ( الْوَفَيَاتِ ) ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ كَمَا سَيَأْتِي عَنْهُمَا أَنَّهُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ ، بَلْ يُرْوَى ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ سَلْمِ بْنَ قُتَيْبَةَ الْبَاهِلِيِّ : ثَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : ( لَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرِضَ ثَمَانِيَةً فَتُوُفِّيَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ ، وَنَحْوُهُ مَا نَقَلَهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ وَأَبِي مِخْنَفٍ أَنَّهُ فِي ثَانِيهِ ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ يَتَنَزَّلُ مَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ عَاشَ بَعْدَ حِجَّتِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا ، وَقِيلَ : أحِدًا وَثَمَانِينَ يَوْمًا . وَأَمَّا عَلَى ما جَزْمٍ بِهِ فِي ( الرَّوْضَةِ ) ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فَيَكُونُ عَاشَ بَعْدَ حِجَّتِهِ تِسْعِينَ يَوْمًا أَوْ أَحَدًا وتِسْعِينَ . وَقَدِ اسْتَشْكَلَ السُّهَيْلِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَا الْحِجَّةِ كَانَ أَوَّلُهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، فَمَهْمَا فُرِضَتِ الشُّهُورُ الثَّلَاثَةُ تَوَامَّ أَوْ نَوَاقِصَ أَوْ بَعْضُهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ .
وَأَجَابَ الشَّرَفُ ابْنُ الْبَارِزِيِّ ثُمَّ ابْنُ كَثِيرٍ بِاحْتِمَالِ وُقُوعِ الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ كَوَامِلَ ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ اخْتَلَفُوا فِي رُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَرَآهُ أَهْلُ مَكَّةَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ، وَلَمْ يَرَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَحَصَلَتِ الْوَقْفَةُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ مَكَّةَ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَرَّخُوا بِرُؤْيَةِ أَهْلِهَا ، فَكَانَ أَوَّلُ ذِي الْحِجَّةِ الْجُمُعَةَ وَآخِرُهُ السَّبْتَ ، وَأَوَّلُ الْمُحَرَّمِ الْأَحَدَ وَآخِرُهُ الِاثْنَيْنِ ، وَأَوَّلُ صَفَرٍ الثُّلَاثَاءَ ، وَآخِرُهُ الْأَرْبِعَاءَ ، وَأَوَّلُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ الْخَمِيسَ ، فَيَكُونُ ثَانِيَ عَشره الِاثْنَيْنِ ، وَأَجَابَ الْبَدْرُ ابْنُ جَمَاعَةَ بِجَوَابٍ آخَرَ فَقَالَ : يُحْمَلُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ أَيْ : بِأَيَّامِهَا فَيَكُونُ مَوْتُهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ ، وَتُفْرَضُ الشُّهُورُ كَوَامِلَ فَيَصِحُّ قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَاسْتَبْعَدَهُمَا شَيْخُنَا لِمُخَالَفَةِ الثَّانِي اصْطِلَاحَ أَهْلِ اللِّسَانِ فِي قَوْلِهِمْ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يَفْهَمُونَ مِنْهَا إِلَّا مُضِيَّ اللَّيَالِي ، وَيَكُونُ مَا أُرِّخَ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَشَرَ ، وَلِاسْتِلْزَامِهِمَا مَعًا تَوَالى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ كَوَامِلَ مَعَ جَزْمِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ أَحَدِ الثِّقَاتِ ، كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ( الدَّلَائِلِ ) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ : بِأَنَّ ابْتِدَاءَ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَفَرَ ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ صَفَرَ كَانَ نَاقِصًا ، وَأَنَّ أَوَّلَهُ كَانَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَنَحْوُهُ فِي تَضَمُّنِ كَوْنِ أَوَّلِهِ السَّبْتَ مَا فِي ( الْمَغَازِي ) لِأَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِإِحْدَى عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرَ .. . إِلَى أَنْ قَالَ : إِنَّهُ اشْتَكَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ السَّبْتَ إِلَّا إنْ كَانَ ذُو الْحِجَّةِ ، وَالْمُحَرَّمُ نَاقِصَيْنِ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ نَقْصَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مُتَوَالِيَةٍ ، قَالَ : وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَالَهُ أَبُو مِخْنَفٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مِمَّا رَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ فِي ثَانِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَكَأنَ لَفْظُ شَهْرٍ غُيِّرَ مِنْ أَوَّلِ قَائِلٍ بِعَشْرٍ ، فَصَارَ ثَانِيَ عَشَرَ ، وَاسْتَمَرَّ الْوَهْمُ بِذَلِكَ ; لِاقْتِفَاءِ الْمُتَأَخِّرِ الْمُتَقَدِّمَ بِدُونِ تَأَمُّلٍ .
قُلْتُ : وَهُوَ وَإِنْ سَبَقَهُ شَيْخُهُ الْمُصَنِّفُ إِلَى الْمَيْلِ إِلَيْهِ وَظَنِّ الْغَلَطِ ، لَكِنْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُ قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ مَنْ قَالَ : ثَانِي عَشَرَ . غَلِطَ مِنَ الْمَوْلِدِ إِلَى الْوَفَاةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ مُتَعَذِّرٌ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخِ إِلَّا عَلَى الْمَحْمَلِ الْمَاضِي لَهُ مَعَ خَدْشِهِ ، مُسْتَلْزِمٌ لِتَوَالِي الْأَشْهُرِ الثَّلَاثَةِ فِي النَّقْصِ ، وَكَلَامُهُ أَوَّلًا مُشْعِرٌ بِالتَّوَقُّفِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ صَفَرَ ، فَاشْتَكَى ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . فَمُشْكِلٌ ; لِاسْتِلْزَامِهِ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ صَفَرَ الْأَرْبِعَاءَ ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِكَوْنِ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ الْخَمِيسَ ، مَهْمَا فُرِضَتِ الْأَشْهُرُ الثَّلَاثَةُ ، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ : ثُمَّ بَدَأَ بِهِ مَرَضُهُ الَّذِي مَاتَ مِنْهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ صَفَرَ .
يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ صَفَرَ الْخَمِيسُ ، وَهُوَ غَيْرُ مُطَابِقٍ أَيْضًا .