حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

المتكلمون في الرجال

قِسْمٌ مِنْهُمْ مُتَعَنِّتٌ فِي التَّوْثِيقِ ، مُتَثَبِّتٌ فِي التَّعْدِيلِ يَغْمِزُ الرَّاوِيَ بِالْغَلْطَتَيْنِ وَالثَّلَاثِ ، فَهَذَا إِذَا وَثَّقَ شَخْصًا فَعَضَّ عَلَى قَوْلِهِ بِنَوَاجِذِكَ ، وَتَمَسَّكْ بِتَوْثِيقِهِ ، وَإِذَا ضَعَّفَ رَجُلًا فَانْظُرْ هَلْ وَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى تَضْعِيفِهِ ، فَإِنْ وَافَقَهُ وَلَمْ يُوَثِّقْ ذَاكَ الرَّجُلَ أَحَدٌ مِنَ الْحُذَّاقِ فَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَإِنْ وَثَّقَهُ أَحَدٌ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَالُوا : لَا يُقْبَلُ فيه الْجَرْحُ إِلَّا مُفَسَّرًا ، يَعْنِي لَا يَكْفِي فِيهِ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ مَثَلًا : هُوَ ضَعِيفٌ . وَلَمْ يُبَيِّنْ سَبَبَ ضَعْفِهِ ، ثُمَّ يَجِيءُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ يُوَثِّقُهُ ، وَمِثْلُ هَذَا يُخْتَلَفُ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِهِ وَتَضْعِيفِهِ ، وَمَنْ ثَمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ ، وَهُوَ مَنْ أَهْلِ الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ فِي نَقْدِ الرِّجَالِ : ولَمْ يَجْتَمِعِ اثْنَانِ مِنْ عُلَمَاءِ هَذَا الشَّأْنِ قَطُّ عَلَى تَوْثِيقٍ ضَعِيفٍ وَلَا عَلَى تَضْعِيفِ ثِقَةٍ . انْتَهَى .

وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَبُ النَّسَّائِيِّ أَنْ لَا يُتْرَكَ حَدِيثُ الرَّجُلِ حَتَّى يَجْتَمِعَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْكِهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مَعَ توجيهه بِمَا يَحْسُنُ اسْتِحْضَارُهُ هُنَا . 2 - وَقِسْمٌ مِنْهُمْ مُتَسَمِّحٌ ; كَالتِّرْمِذِيِّ وَالْحَاكِمِ ، قُلْتُ : وَكَابْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِي كُلٍّ مِنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ الْبَغَوِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارِ وَأَبِي الْعَبَّاسِ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْمَشْهُورِينَ : إِنَّهُ مَجْهُولٌ . 3 - وَقِسْمٌ مُعْتَدِلٌ ; كَأَحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ .

( وَ ) لِوُجُودِ الْمُتَشَدِّدِ وَمُقَابِلِهِ نَشَأَ التَّوَقُّفُ فِي أَشْيَاءَ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ، بَلْ ( رُبَّمَا رُدَّ كَلَامُ ) كُلٌّ مِنَ الْمُعَدِّلِ وَ ( الْجَارِحِ ) مَعَ جَلَالَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَنَقْدِهِ وَدِيَانَتِهِ ; إِمَّا لِانْفِرَادِهِ عَنْ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ ; كَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى ; فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ : لَمْ يُوَثِّقْهُ غَيْرُهُ . وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ ، لَكِنْ قَدِ اعْتَذَرَ السَّاجِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ إِلَّا فِي الْفَضَائِلِ ، يَعْنِي وَهُمْ يَتَسَامَحُونَ فِيهَا ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَوْجُودَ خَلَافُهُ ، وَابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّ مُجَالَسَتَهُ لِإِبْرَاهِيمَ كَانَتْ فِي حَدَاثَتِهِ . وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ كَمَا مَضَى فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْإِمَامَ الَّذِي لَهُ أَتْبَاعٌ يُقَلِّدُونَهُ فِيمَا يَذْهَبُ إِلَيْهِ ، إِذَا احْتَجَّ بِرَاوٍ ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ كَانَ ذَلِكَ الرَّاوِي حُجَّةً فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَ ذَلِكَ الْإِمَامَ .

أَوْ لِتَحَامُلِهِ ( كَالنَّسَّائِي ) بِالْإِسْكَانِ لِلْوَزْنِ ، صَاحِبِ ( السُّنَنِ ) ( فِي أَحْمَدَ بْنِ صَالِحِ ) أَبِي جَعْفَرٍ الْمِصْرِيِّ الْحَافِظِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ الطَّبَرِيِّ ، حَيْثُ جَرَّحَهُ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُه عَبْدِ الْكَرِيمِ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ بِثِقَةٍ وَلَا مَأْمُونٍ ، تَرَكَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَرَمَاهُ يَحْيَى بِالْكَذِبِ ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : حدثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، سَمِعْتُ ابْنَ مَعِينٍ يَقُولُ : أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ كَذَّابٌ يَتَفَلْسَفُ . انْتَهَى . فَإِنَّهُ - كَمَا قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ - مِمَّنِ اتَّفَقَ الْحُفَّاظُ عَلَى أَنَّ كَلَامَهُ فِيهِ : فيه تَحَامُلٌ ، قَالَ : وَلَا يَقْدَحُ كَلَامُ أَمْثَالِهِ فِيهِ .

وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي ( الْمِيزَانِ ) : إِنَّهُ آذَى نَفْسَهُ بِكَلَامِهِ فِيهِ ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَثِقَتِهِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ ثِقَةٌ صَدُوقٌ ، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَتَكَلَّمُ فِيهِ بِحُجَّةٍ ، كَانَ أَحْمَدُ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا يُثَبِّتُونَهُ ، وَكَانَ يَحْيَى - يَعْنِي ابْنَ مَعِينٍ - يَقُولُ : سَلُوهُ ; فَإِنَّهُ ثَبَتٌ . وَمِمَّنْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ ، وَقَالَ : صَاحِبُ سُنَّةٍ ، وَأَبُو حَاتِمٍ ، وَقَالَ ابْنُ يُونَسَ : لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا . كَمَا قَالَ النَّسَائِيُّ : لَمْ تَكُنْ لَهُ آفَةٌ غَيْرَ الْكِبْرِ .

وَالسَّبَبُ فِي كَلَامِ النَّسَائِيِّ فِيهِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ أَحَدًا حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ ، فَجَاءَهُ النَّسَائِيُّ ، وَقَدْ صَحِبَ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ ، لَيْسُوا هُنَاكَ ، فَأَبَى أَحْمَدُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ ، فَعَمِدَ النَّسَائِيُّ إِلَى جَمْعِ أَحَادِيثَ قَدْ غَلِطَ فِيهَا ابْنُ صَالِحٍ فَشَنَّعَ بِهَا وَلَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ هَارُونَ البرقي يَقُولُ : إِنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَهُ فَطَرَدَهُ مِنْهُ ، فَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّكَلُّمِ فِيهِ . قلت : والذي أراه في الاعتذار عن النسائي : أنه غير موافق لابن صالح على مذهبه في كونه لا يحدث إلا من شهد عنده بعدالته - حسبما حكاه مسلمة بن قاسم - ويروى أن ذلك منه وسيلة لكتم العلم ، سيما حيث فهم منه أن التعاظم والكبر موجبه ، حتى وصفه بندار بسوء الخلق .

وعلى كل حال فهو مجتهد ومأجور . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ مَعِينٍ فِيهِ فَجَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ، فَالَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ إِنَّمَا هُوَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الشُّمُومِيُّ الْمِصْرِيُّ شَيْخٌ بِمَكَّةَ ، كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ ، سَأَلَ مُعَاوِيَةُ عَنْهُ يَحْيَى . فَأَمَّا هَذَا فَهُوَ يُقَارِنُ ابْنَ مَعِينٍ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ، وَقَوَّاهُ شَيْخُنَا بِنَقْلِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا عَنِ ابْنِ مَعِينٍ ، كَمَا حَكَيْنَاهُ أَنَّهُ ثَبَتٌ ، عَلَى أَنَّ ابْنَ يُونُسَ قَدْ رَدَّ قَوْلَ ابْنِ مَعِينٍ أَنْ لَوْ كَانَ فِي أَبِي جَعْفَرٍ بِقَوْلِهِ : لَعَلَّ ابْنَ مَعِينٍ لَا يَدْرِي مَا الْفَلْسَفَةُ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ; وَلِذَا كَانَ الجهل بالعلوم ومراتبها والحق والباطل منها أَحَدَ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تَدْخُلُ الْآفَةُ مِنْهَا فِي ذَلِكَ ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ ، وَقَالَ : إِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرَ ; لِأَنَّ النَّاسَ انْتَشَرَتْ بَيْنَهُمْ أَنْوَاعٌ مِنَ الْعُلُومِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ حَتَّى عُلُومِ الْأَوَائِلِ ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ عُلُومَ الْأَوَائِلِ قَدِ انْقَسَمَتْ إِلَى حَقٍّ وَبَاطِلٍ ، فَمِنَ الْحَقِّ عِلْمُ الْحِسَابِ وَالْهَنْدَسَةِ وَالطِّبِّ ، وَمِنَ الْبَاطِلِ مَا يَقُولُونَهُ فِي الطَّبِيعِيَّاتِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْإِلَهِيَّاتِ وَأَحْكَامِ النُّجُومِ ، وَقَدْ تَحَدَّثَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ أَقْوَامٌ ، فَيَحْتَاجُ الْقَادِحُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُمَيِّزًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ; لِئَلَّا يُكَفِّرَ مَنْ لَيْسَ بِكَافِرٍ أَوْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْكَافِرِ ، وَالْمُتَقَدِّمُونَ قَدِ اسْتَرَاحُوا مِنْ هَذَا ; لِعَدَمِ شُيُوعِ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي زَمَانِهِمْ ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ : إِنَّهُ مِمَّا يَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ فِي الْجَارِحِ وَالْمُعَدِّلِ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ ، فَيُجَرِّحَ عِنْدَ الْمَالِكِيِّ مَثَلًا بِشُرْبِ النَّبِيذِ مُتَأَوِّلًا ; لِأَنَّهُ يَرَاهُ قَادِحًا دُونَ غَيْرِهِ ; إِذْ لَوْ لَمْ نَعْتَبِرْ ذَلِكَ لَكَانَ الْجَارِحُ والْمُعَدِّلُ غَارًّا لِبَعْضِ الْحُكَّامِ حَتَّى يَحْكُمَ بِقَوْلِ مَنْ لَا يَرَى قَبُولَ قَوْلِهِ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْغِشِّ .

وَهُنَا لَطِيفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ وَهِيَ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ هَذَا تَكَلَّمَ فِي حَرْمَلَةَ صَاحِبِ الشَّافِعِيِّ ، فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : إِنَّهُ تَحَامَلَ عَلَيْهِ ، وَسَبَبُهُ أَنَّ أَحْمَدَ سَمِعَ فِي كُتُبِ حَرْمَلَةَ مِنَ ابْنِ وَهْبٍ فَأَعْطَاهُ نِصْفَ سَمَاعِهِ وَمَنَعَهُ النِّصْفَ ، فَتَوَلَّدَتْ بَيْنَهُمَا الْعَدَاوَةُ مِنْ هَذَا ، وَكَانَ مَنْ يَبْدَأُ بِحَرْمَلَةَ إِذَا دَخَلَ مِصْرَ لَمْ يُحَدِّثْهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : ومَا رَأَيْنَا أَحَدًا جَمَعَ بَيْنَهُمَا ، وَكَأَنَّ مُرَادَهُ مِنَ الْغُرَبَاءِ ، وَإِلَّا فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ شَيْخُ الطَّبَرَانِيِّ ، فَجُوزِيَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ بِمَا تَقَدَّمَ .

موقع حَـدِيث