الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَنِ الْأَحْرُفِ الَّتِي اتَّفَقَتْ فِيهَا أَلْفَاظُ الْعَرَبِ وَأَلْفَاظُ غَيْرِهَا مِنْ بَعْضِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ
فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي مُوسَى : يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [ سُورَةُ الْحَدِيدِ : 28 ] ، قَالَ : الْكِفْلَانِ : ضِعْفَانِ مِنَ الْأَجْرِ ، بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ . 2 - وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ [ سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : 6 ] قَالَ : بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ قَالُوا : نَشَأَ . 3 - وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثْنَا حَكَّامٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ قَالَ : سَبِّحِي ، بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكُلُّ مَا قُلْنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ حَدَّثَكُمْ فَقَدْ حَدَّثُونَا بِهِ .
4 - وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ الْأَزْدِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ قَوْلِهِ : ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾ [ سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ : 51 ] قَالَ : هُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ الْأَسَدُ ، وَبِالْفَارِسِيَّةِ شار ، وَبِالنَّبَطِيَّةِ أريا ، وَبِالْحَبَشِيَّةِ قَسْوَرَةٌ . 5 - وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : قَالَتْ قُرَيْشٌ : لَوْلَا أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا وَعَرَبِيًّا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [ سورة فصلت : 44 ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقُرْآنِ بِكُلِّ لِسَانٍ فِيهِ . حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [ سُورَةُ هُودٍ : 82 ، وَسُورَةُ الْحِجْرِ : 74 ] قَالَ : فَارِسِيَّةٌ أُعْرِبَتْ سنك وكل .
6 - وَفِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ ، قَالَ : فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ . وَفِيمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْكِتَابُ ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ مِنْ مَعْنَى مَا قُلْنَا - مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا : هَذِهِ الْأَحْرُفُ وَمَا أَشْبَهَهَا لَمْ تَكُنْ لِلْعَرَبِ كَلَامًا ، وَلَا كَانَ ذَاكَ لَهَا مَنْطِقًا قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَلَا كَانَتْ بِهَا الْعَرَبُ عَارِفَةً قَبْلَ مَجِيءِ الْفُرْقَانِ - فَيَكُونُ ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْلِنَا خِلَافًا . وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : حَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ مَعْنَاهُ كَذَا ، وَحَرْفُ كَذَا بِلِسَانِ الْعَجَمِ مَعْنَاهُ كَذَا .
وَلِمَ نَسْتَنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَتَّفِقُ فِيهِ أَلْفَاظُ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ الْأَلْسُنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَكَيْفَ بِجِنْسَيْنِ مِنْهَا ؟ كَمَا وَجَدْنَا اتِّفَاقَ كَثِيرٍ مِنْهُ فِيمَا قَدْ عَلِمْنَاهُ مِنَ الْأَلْسُنِ الْمُخْتَلِفَةِ ، وَذَلِكَ كَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ وَالْقِرْطَاسِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ - مِمَّا يُتْعِبُ إِحْصَاؤُهُ وَيُمِلُّ تَعْدَادُهُ ، كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِذِكْرِهِ - مِمَّا اتَّفَقَتْ فِيهِ الْفَارِسِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ بِاللَّفْظِ وَالْمَعْنَى . وَلَعَلَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَلْسُنِ الَّتِي نَجْهَلُ مَنْطِقَهَا وَلَا نَعْرِفُ كَلَامَهَا . فَلَوْ أَنَّ قَائِلًا قَالَ - فِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي عَدَدْنَا وَأَخْبَرْنَا اتِّفَاقَهُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا سَكَتْنَا عَنْ ذِكْرِهِ - : ذَلِكَ كُلُّهُ فَارِسِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ ، أَوْ ذَلِكَ كُلُّهُ عَرَبِيٌّ لَا فَارِسِيٌّ ، أَوْ قَالَ : بَعْضُهُ عَرَبِيٌّ وَبَعْضُهُ فَارِسِيٌّ ، أَوْ قَالَ : كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْعَرَبِ فَوَقْعَ إِلَى الْعَجَمِ فَنَطَقُوا بِهِ ، أَوْ قَالَ : كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِهِ مِنْ عِنْدِ الْفُرْسِ فَوَقْعَ إِلَى الْعَرَبِ فَأَعْرَبَتْهُ - كَانَ مُسْتَجْهِلًا ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَيْسَتْ بِأَوْلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَجَمِ ، وَلَا الْعَجَمُ أَحَقَّ أَنْ تَكُونَ كَانَ مَخْرَجُ أَصْلِ ذَلِكَ مِنْهَا إِلَى الْعَرَبِ ، إِذْ كَانَ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ مَوْجُودًا فِي الْجِنْسَيْنِ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَوْجُودًا عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْجِنْسَيْنِ ، فَلَيْسَ أَحَدُ الْجِنْسَيْنِ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ أَصْلُ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْجِنْسِ الْآخَرِ . وَالْمُدَّعِي أَنَّ مَخْرَجَ أَصْلِ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الْجِنْسَيْنِ إِلَى الْآخَرِ ، مُدَّعٍ أَمْرًا لَا يُوصَلُ إِلَى حَقِيقَةِ صِحَّتِهِ إِلَّا بِخَبَرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ صِحَّتُهُ . بَلِ الصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنْ يُسَمَّى : عَرَبِيًّا أَعْجَمِيًّا ، أَوْ حَبَشِيًّا عَرَبِيًّا ، إِذْ كَانَتِ الْأُمَّتَانِ لَهُ مُسْتَعْمِلَتَيْنِ - فِي بَيَانِهَا وَمَنْطِقِهَا - اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهَا وَبَيَانِهَا .
فَلَيْسَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ كُلِّ أُمَّةٍ مِنْهُمَا ، بِأَوْلَى أَنْ يَكُونَ إِلَيْهَا مَنْسُوبًا - مِنْهُ . فَكَذَلِكَ سَبِيلُ كُلِّ كَلِمَةٍ وَاسْمٍ اتَّفَقَتْ أَلْفَاظُ أَجْنَاسِ أُمَمٍ فِيهَا وَفِي مَعْنَاهَا ، وَوُجِدَ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلًا فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا اسْتِعْمَالَ سَائِرِ مَنْطِقِهِمْ ، فَسَبِيلُ إِضَافَتِهِ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا ، سَبِيلُ مَا وَصَفْنَا - مِنَ الدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ ، الَّتِي اتَّفَقَتْ أَلْسُنُ الْفُرْسِ وَالْعَرَبِ فِيهَا بِالْأَلْفَاظِ الْوَاحِدَةِ وَالْمَعْنَى الْوَاحِدِ ، فِي أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ إِضَافَتُهُ إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْنَاسِ - اجْتِمَاعٌ وَاقْتِرَانٌ . وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى مَنْ رُوِّينَا عَنْهُ الْقَوْلَ فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي مَضَتْ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ ، مِنْ نِسْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْحَبَشَةِ ، وَنِسْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الْفُرْسِ ، وَنِسْبَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضَ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ الرُّومِ .
لِأَنَّ مِنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ ، لَمْ يَنْفِ - بِنِسْبَتِهِ إِيَّاهُ إِلَى مَا نَسَبَهُ إِلَيْهِ - أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا ، وَلَا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ : هُوَ عَرَبِيٌّ ، نَفَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا النِّسْبَةَ إِلَى مَنْ هُوَ مِنْ كَلَامِهِ مِنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ غَيْرِهَا . وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِثْبَاتُ دَلِيلًا عَلَى النَّفْيِ ، فِيمَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مِنَ الْمَعَانِي ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : فُلَانٌ قَائِمٌ ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ دَالًّا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قَاعِدٍ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ لِتَنَافِيهِمَا . فَأَمَّا مَا جَازَ اجْتِمَاعُهُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى .
وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فُلَانٌ قَائِمٌ مُكَلِّمٌ فُلَانًا ، فَلَيْسَ فِي تَثْبِيتِ الْقِيَامِ لَهُ مَا دَلَّ عَلَى نَفْيِ كَلَامٍ آخَرَ ، لِجَوَازِ اجْتِمَاعِ ذَلِكَ فِي حَالٍ وَاحِدٍ مِنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ . فَقَائِلُ ذَلِكَ صَادِقٌ إِذَا كَانَ صَاحِبُهُ عَلَى مَا وَصَفَهُ بِهِ . فَكَذَلِكَ مَا قُلْنَا - فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَمَا أَشْبَهَهَا - غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا بَعْضُهَا أَعْجَمِيًّا ، وَحَبَشِيًّا بَعْضُهَا عَرَبِيًّا ، إِذْ كَانَ مَوْجُودًا اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِي كِلْتَا الْأُمَّتَيْنِ .
فَنَاسِبُ مَا نَسَبَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى إِحْدَى الْأُمَّتَيْنِ أَوْ كِلْتَيْهِمَا مُحِقٌّ غَيْرُ مُبْطِلٍ . فَإِنَّ ظَنَّ ذُو غَبَاءٍ أَنَّ اجْتِمَاعَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ مُسْتَحِيلٌ - كَمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي أَنْسَابِ بَنِي آدَمَ - فَقَدْ ظَنَّ جَهْلًا . وَذَلِكَ أَنَّ أَنْسَابَ بَنِي آدَمَ مَحْصُورَةٌ عَلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 5 ] .
وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي الْمَنْطِقِ وَالْبَيَانِ ، لِأَنَّ الْمَنْطِقَ إِنَّمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى مَنْ كَانَ بِهِ مَعْرُوفًا اسْتِعْمَالُهُ . فَلَوْ عُرِفَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِ الْكَلَامِ فِي أَجْنَاسٍ مِنَ الْأُمَمِ - جِنْسَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ - بِلَفْظٍ وَاحِدٍ وَمَعْنًى وَاحِدٍ ، كَانَ ذَلِكَ مَنْسُوبًا إِلَى كُلِّ جِنْسٍ مِنْ تِلْكَ الْأَجْنَاسِ ، لَا يَسْتَحِقُّ جِنْسٌ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ بِهِ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ الْأَجْنَاسِ غَيْرِهِ . كَمَا لَوْ أَنَّ أَرْضًا بَيْنَ سَهْلٍ وَجَبَلٍ ، لَهَا هَوَاءُ السَّهْلِ وَهَوَاءُ الْجَبَلِ ، أَوْ بَيْنَ بَرٍّ وَبَحْرٍ ، لَهَا هَوَاءُ الْبَرِّ وَهَوَاءُ الْبَحْرِ - لَمْ يَمْتَنِعْ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ أَنْ يَصِفَهَا بِأَنَّهَا سُهْلِيَّةٌ جَبَلِيَّةٌ .
أَوْ بِأَنَّهَا بَرِّيَّةٌ بِحْرِيَّةٌ ، إِذْ لَمْ تَكُنْ نِسْبَتُهَا إِلَى إِحْدَى صِفَتَيْهَا نَافِيَةً حَقَّهَا مِنَ النِّسْبَةِ إِلَى الْأُخْرَى . وَلَوْ أَفْرَدَ لَهَا مُفْرِدٌ إِحْدَى صِفَتَيْهَا وَلَمْ يَسْلُبْهَا صِفَتَهَا الْأُخْرَى ، كَانَ صَادِقًا مُحِقًّا . وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْأَحْرُفِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ .
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ ، هُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ - عِنْدَنَا بِمَعْنَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ : أَنَّ فِيهِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ اتَّفَقَ فِيهِ لَفْظُ الْعَرَبِ وَلَفْظُ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي تَنْطِقُ بِهِ ، نَظِيرَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا مَضَى . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ ، مُقِرٍّ بِكِتَابِ اللَّهِ ، مِمَّنْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَرَفَ حُدُودَ اللَّهِ - أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ فَارِسِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ نَبَطِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ رُومِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ ، وَبَعْضَهُ حَبَشِيٌّ لَا عَرَبِيٌّ ، بَعْدَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا . لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلَيْسَ قَوْلُ الْقَائِلِ : الْقُرْآنُ حَبَشِيٌّ أَوْ فَارِسِيٌّ ، وَلَا نِسْبَةُ مَنْ نَسَبَهُ إِلَى بَعْضِ أَلْسُنِ الْأُمَمِ الَّتِي بَعْضُهُ بِلِسَانِهِ دُونَ الْعَرَبِ - بِأَوْلَى بِالتَّطْوِيلِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : هُوَ عَرَبِيٌّ .
وَلَا قَوْلُ الْقَائِلِ : هُوَ عَرَبِيٌّ بِأَوْلَى بِالصِّحَّةِ وَالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ نَاسِبِهِ إِلَى بَعْضِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي ذَكَرْنَا . إِذْ كَانَ الَّذِي بِلِسَانِ غَيْرِ الْعَرَبِ مِنْ سَائِرِ أَلْسُنِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ فِيهِ ، نَظِيرَ الَّذِي فِيهِ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ إِذًا خَطَأُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَائِلَ مِنَ السَّلَفِ : فِي الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ لِسَانٍ ، إِنَّمَا عُنِيَ بِقِيلِهِ ذَلِكَ ، أَنَّ فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ مَا لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ ، وَلَا جَائِزٍ نَسْبَتُهُ إِلَى لِسَانِ الْعَرَبِ .
وَيُقَالُ لِمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا - مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَحْرُفَ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، إِنَّمَا هِيَ كَلَامُ أَجْنَاسٍ مِنَ الْأُمَمِ سِوَى الْعَرَبِ ، وَقَعَتْ إِلَى الْعَرَبِ فَعَرَّبَتْهُ - : مَا بُرْهَانُكَ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْتَ فِي ذَلِكَ ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ، فَقَدْ عَلِمْتَ مَنْ خَالَفَكَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ فِيهِ خِلَافَ قَوْلِكَ ؟ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ عَارَضَكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : هَذِهِ الْأَحْرُفُ ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنَ الْأَحْرُفِ غَيْرِهَا ، أَصْلُهَا عَرَبِيٌّ ، غَيْرَ أَنَّهَا وَقَعَتْ إِلَى سَائِرِ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ غَيْرِهَا فَنَطَقَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِنْهَا بِبَعْضِ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهَا - مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ . فَإِنِ اعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَقْوَالِ السَّلَفِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهَا وَمَا أَشْبَهَهَا ، طُولِبَ - مُطَالَبَتَنَا مَنْ تَأَوَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلَهُ - بِالَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ . وَقِيلَ لَهُ : مَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِلَى مَنْ نَسَبَهُ مِنْ أَجْنَاسِ الْأُمَمِ سِوَى الْعَرَبِ ، إِنَّمَا نَسَبَهُ إِلَى إِحْدَى نِسْبَتَيْهِ الَّتِي هُوَ لَهَا مُسْتَحِقٌّ ، مِنْ غَيْرِ نَفْيٍ مِنْهُ عَنْهُ النِّسْبَةَ الْأُخْرَى ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : أَرَأَيْتَ مَنْ قَالَ لِأَرْضٍ سُهْلِيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ : هِيَ سُهْلِيَّةٌ ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَنْ تَكُونَ جَبَلِيَّةً ، أَوْ قَالَ : هِيَ جَبَلِيَّةٌ ، وَلَمْ يَدْفَعْ أَنْ تَكُونَ سُهْلِيَّةً ، أَنَافٍ عَنْهَا أَنْ تَكُونَ لَهَا الصِّفَةُ الْأُخْرَى بِقِيلِهِ ذَلِكَ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ! كَابَرَ عَقْلَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَا قِيلَ لَهُ : فَمَا أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي سِجِّيلٍ : هِيَ فَارِسِيَّةٌ ، وَفِي الْقِسْطَاسِ : هِيَ رُومِيَّةٌ - نَظِيرَ ذَلِكَ ؟ وَسَأَلَ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ .