الْقَوْلُ فِي اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ
بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، قَالَ - : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَالْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ . 8 - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ أَسْبَاطِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ : عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، غَفُورٌ رَحِيمٌ . 9 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبَدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ .
وَقَالَ هَذَا : أَقْرَأَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ ، قَالَ فَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : اقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ - فَلَا أَدْرِي أَبِشَيْءٍ أُمِرَ أَمْ شَيْءٍ ابْتَدَعَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ - فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ . قَالَ : فَقَامَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا وَهُوَ لَا يَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ .
نَحْوَ هَذَا وَمَعْنَاهُ 13 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ - عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : تَمَارَيْنَا فِي سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقُلْنَا : خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ أَوْ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ آيَةً . قَالَ : فَانْطَلَقْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَجَدْنَا عَلِيًّا يُنَاجِيهِ ، قَالَ : فَقُلْنَا : إِنَّا اخْتَلَفْنَا فِي الْقِرَاءَةِ . قَالَ : فَاحْمَرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ بَيْنَهُمْ .
قَالَ : ثُمَّ أَسَرَّ إِلَى عَلَيٍّ شَيْئًا ، فَقَالَ لَنَا عَلَيٌّ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ . 14 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ عِيسَى بْنِ قِرْطَاسٍ ، عَنْ زَيْدٍ الْقَصَّارِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، قَالَ : كُنَّا مَعَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَحَدَّثْنَا سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَقْرَأَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ سُورَةً ، أَقْرَأَنِيهَا زَيْدٌ وَأَقْرَأَنِيهَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، فَاخْتَلَفَتْ قِرَاءَتُهُمْ ، فَبِقِرَاءَةِ أَيِّهِمْ آخُذُ ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَعَلِيٌّ إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لِيَقْرَأْ كُلُّ إِنْسَانٍ كَمَا عُلِّمَ ، كُلٌّ حَسَنٌ جَمِيلٌ . 15 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ : أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ الْقَارِي أَخْبَرَاهُ : أَنَّهُمَا سَمِعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَؤُهَا عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ ، فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّمَ ، فَلَمَّا سَلَّمَ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَقُلْتُ : مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا ؟ قَالَ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَقُلْتُ : كَذَبْتَ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُوَ أَقْرَأَنِي هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَؤُهَا! فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا ، وَأَنْتَ أَقْرَأْتَنِي سُورَةَ الْفُرْقَانِ! قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرْسِلْهُ يَا عُمَرُ ، اقْرَأْ يَا هِشَامُ .
فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَؤُهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اقْرَأْ يَا عُمَرُ . فَقَرَأْتُ الْقِرَاءَةَ الَّتِي أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَكَذَا أُنْزِلَتْ .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا . 16 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَغَيَّرَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيَّ . قَالَ : فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : بَلَى! قَالَ : فَوَقَعَ فِي صَدْرِ عُمَرَ شَيْءٌ ، فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ ، قَالَ : فَضَرَبَ صَدْرَهُ وَقَالَ : ابْعُدْ شَيْطَانًا - قَالَهَا ثَلَاثًا - ثُمَّ قَالَ : يَا عُمَرُ ، إِنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ صَوَابٌ ، مَا لَمْ تَجْعَلْ رَحْمَةً عَذَابًا أَوْ عَذَابًا رَحْمَةً .
17 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ، فَسَمِعَ آيَةً عَلَى غَيْرِ مَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَى بِهِ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا قَرَأَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ . 18 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ ، عَنْ زُبَيْدٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ النَّخَعِيِّ ، قَالَ : لَمَّا خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْكُوفَةَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ فَوَدَّعَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : لَا تَنَازَعُوا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ وَلَا يَتَلَاشَى ، وَلَا يَتَغَيَّرُ لِكَثْرَةِ الرَّدِّ .
وَإِنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ وَحُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ فِيهِ وَاحِدَةٌ ، وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْحَرْفَيْنِ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ يَأْمُرُ بِهِ الْآخَرُ ، كَانَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ . وَلَكِنَّهُ جَامِعٌ ذَلِكَ كُلَّهُ ، لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْحُدُودُ وَلَا الْفَرَائِضُ ، وَلَا شَيْءٌ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ . وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتَنَازَعُ فِيهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَأْمُرُنَا فَنَقْرَأُ عَلَيْهِ ، فَيُخْبِرُنَا أَنَّ كُلَّنَا مُحْسِنٌ .
وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنِّي لَطَلَبْتُهُ ، حَتَّى أَزْدَادَ عِلْمَهُ إِلَى عِلْمِي . وَلَقَدْ قَرَأْتُ مِنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعِينَ سُورَةً ، وَقَدْ كُنْتُ عَلِمْتُ أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ، حَتَّى كَانَ عَامُ قُبِضَ ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ ، فَكَانَ إِذَا فَرَغَ أَقْرَأُ عَلَيْهِ فَيُخْبِرُنِي أَنِّي مُحْسِنٌ . فَمَنْ قَرَأَ عَلَى قِرَاءَتِي فَلَا يَدَعَنَّهَا رَغْبَةً عَنْهَا ، وَمَنْ قَرَأَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ فَلَا يَدَعَنَّهُ رَغْبَةً عَنْهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ جَحَدَ بِآيَةٍ جَحَدَ بِهِ كُلِّهِ .
19 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ - جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ ، فَرَاجَعْتُهُ ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ فَيَزِيدُنِي ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الْأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يَكُونُ وَاحِدًا ، لَا يَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ . 20 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مَخْلَدٍ الْوَاسِطِيُّ ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، أَخْبَرَهُ أَبُوهُ : أَنَّ أُمَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، أَيُّهَا قَرَأْتَ أَصَبْتَ .
21 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ ، يَرْفَعُهُ ، قَالَ : أَتَانِي مَلَكَانِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا : اقْرَأْ . قَالَ : عَلَى كَمْ ؟ قَالَ : عَلَى حَرْفٍ ، قَالَ : زِدْهُ . حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ 22 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَاسْتَزَدْتُهُ فَزَادَنِي ، ثُمَّ اسْتَزَدْتُهُ فَزَادَنِي ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : اسْتَقْرِئْ هَذَا . قَالَ : فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . قَالَ فَقُلْتُ : إِنَّكَ أَقْرَأْتَنِي كَذَا وَكَذَا! فَقَالَ : وَأَنْتَ قَدْ أَحْسَنْتَ .
قَالَ : فَقُلْتُ : قَدْ أَحْسَنْتَ! قَدْ أَحْسَنْتَ! قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى صَدْرِي ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنْ أُبَيٍّ الشَّكَّ . قَالَ : فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَامْتَلَأَ جَوْفِي فَرَقًا - ثُمَّ قَالَ : إِنَ الْمَلَكَيْنِ أَتَيَانِي ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . وَقَالَ الْآخَرُ : زِدْهُ .
قَالَ : فَقُلْتُ : زِدْنِي . قَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ . حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ، فَقَالَ : اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
26 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ - وَحَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَيْمُونٍ الزَّعْفَرَانِيِّ - جَمِيعًا عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : مَا حَاكَ فِي صَدْرِي شَيْءٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ ، إِلَّا أَنِّي قَرَأْتُ آيَةً ، فَقَرَأَهَا رَجُلٌ غَيْرَ قِرَاءَتِي ، فَقُلْتُ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الرَّجُلُ : أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقُلْتُ : أَقْرَأَتْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : بَلَى . قَالَ الرَّجُلُ : أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : بَلَى ، إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَتَيَانِي ، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي ، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ ، قَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ .
فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ . حَتَّى بَلَغَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً - الشَّكُّ مِنْ أَبِي كُرَيْبٍ - وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ : حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ - وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ - وَكُلٌّ شَافٍ كَافٍ . وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِأَبِي كُرَيْبٍ .
27 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ : حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَحْرُفٍ ، قَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلٌّ شَافٍ كَافٍ . 28 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ .
29 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَأَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ أُبَيٍّ ، قَالَ : لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عِنْدَ أَحْجَارِ الْمِرَاءِ فَقَالَ : إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ ، مِنْهُمُ الْغُلَامُ وَالْخَادِمُ وَالشَّيْخُ الْعَاسِي وَالْعَجُوزُ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : فَلْيَقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِأَبِي أُسَامَةَ . 30 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْقَنَّادُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَرَأَ قِرَاءَةً غَيْرَ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ ، فَدَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ، ثُمَّ دَخَلَ هَذَا فَقَرَأَ قِرَاءَةً غَيْرَ قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ .
فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَآ ، فَحَسَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَأْنَهُمَا ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ ، وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ! فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غَشِيَنِي ، ضَرَبَ فِي صَدْرِي ، فَفِضْتُ عَرَقًا ، كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا . فَقَالَ لِي : يَا أُبَيُّ ، أُرْسِلَ إِلَيَّ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ، فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّانِيَةِ أَنِ اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ أَنَّ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي ، فَرَدَّ عَلَيَّ فِي الثَّالِثَةِ ، أَنِ اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ فِيهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ .
إِلَّا أَنَّ ابْنَ بَيَانٍ قَالَ فِي حَدِيثِهِ : فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ أَصَبْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ . وَقَالَ أَيْضًا : فَارْفَضَضْتُ عَرَقًا . 31 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، وَقَالَ : قَالَ لِي : أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ .
وَقَالَ أَيْضًا : إِنِ اللَّهَ أَمَرَنِي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ ، فَقُلْتُ : اللَّهُمَّ رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي . قَالَ : اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ . فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ .
32 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي لَيْلَى - وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْحَكَمِ - عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيٍّ قَالَ : دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ ، فَقَرَأْتُ النَّحْلَ ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَرَأَهَا عَلَى غَيْرِ قِرَاءَتِي ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَرَأَ خِلَافَ قِرَاءَتِنَا ، فَدَخْلَ نَفْسِي مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ أَشَدُّ مِمَّا كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأَخَذْتُ بِأَيْدِيهِمَا فَأَتَيْتُ بِهِمَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اسْتَقْرِئْ هَذَيْنِ . فَقَرَأَ أَحَدُهُمَا ، فَقَالَ : أَصَبْتَ . ثُمَّ اسْتَقْرَأَ الْآخَرَ ، فَقَالَ : أَصَبْتَ .
فَدَخَلَ قَلْبِي أَشَدُّ مِمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الشَّكِّ وَالتَّكْذِيبِ ، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدْرِي ، وَقَالَ : أَعَاذَكَ اللَّهُ مِنَ الشَّكِّ ، وَأَخْسَأَ عَنْكَ الشَّيْطَانَ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ : فَفِضْتُ عَرَقًا - وَلَمْ يَقُلْهُ ابْنُ أَبِي لَيْلَى - قَالَ : فَقَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . فَقُلْتُ : إِنَّ أُمَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ .
حَتَّى قَالَ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، فَقَالَ لِي : اقْرَأْ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَهَا مَسْأَلَةٌ . قَالَ : فَاحْتَاجَ إِلَيَّ فِيهَا الْخَلَائِقُ ، حَتَّى إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 33 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ .
34 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ - هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ - عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهَا حَرْفًا فَهُوَ كَمَا قَرَأَ . 35 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ ، قَالَ : فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ .
قَالَ : ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ . قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . ثُمَّ جَاءَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ .
قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهُ مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ ، وَإِنَّ أُمَّتِي لَا تُطِيقُ ذَلِكَ . ثُمَّ جَاءَهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَأَيُّمَا حَرْفٍ قَرَءُوا عَلَيْهِ فَقَدْ أَصَابُوا . 36 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ : أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ - فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
37 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ - عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِنَحْوِهِ . 38 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ قِرَاءَةً تُخَالِفُ قِرَاءَتِي ، ثُمَّ سَمِعْتُ آخَرَ يَقْرَؤُهَا قِرَاءَةً تُخَالِفُ ذَلِكَ ، فَانْطَلَقْتُ بِهِمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقُلْتُ : إِنِّي سَمِعْتُ هَذَيْنِ يَقْرَآنِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ ، فَسَأَلْتُهُمَا : مَنْ أَقْرَأَهُمَا ؟ فَقَالَا : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقُلْتُ : لَأَذْهَبَنَّ بِكُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ خَالَفْتُمَا مَا أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدِهِمَا : اقْرَأْ . فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . ثُمَّ قَالَ لِلْآخَرِ : اقْرَأْ .
فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَحْسَنْتَ . قَالَ أُبَيٌّ : فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ ، حَتَّى احْمَرَّ وَجْهِي ، فَعَرَفَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِي ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي ، ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ أَخْسِئِ الشَّيْطَانَ عَنْهُ! يَا أُبَيُّ ، أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . فَقُلْتُ : رَبِّ خَفِّفْ عَنِّي .
ثُمَّ أَتَانِي الثَّانِيَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . فَقُلْتُ : رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي . ثُمَّ أَتَانِي الثَّالِثَةَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَقُلْتُ مِثْلَهُ .
ثُمَّ أَتَانِي الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ . فَقُلْتُ : يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، يَا رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي . وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
39 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ، عَنْ سَيَّارٍ أَبِي الْحَكَمِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَكَرَ أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَكُلٌّ يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ ، فَتَقَارَآ إِلَى أُبَيٍّ ، فَخَالَفَهُمَا أُبَيٌّ ، فَتَقَارَءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، اخْتَلَفْنَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَكُلُّنَا يَزْعُمُ أَنَّكَ أَقَرَأْتَهُ . فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا : اقْرَأْ . قَالَ : فَقَرَأَ ، فَقَالَ : أَصَبْتَ .
وَقَالَ لِلْآخَرِ : اقْرَأْ . فَقَرَأَ خِلَافَ مَا قَرَأَ صَاحِبُهُ ، فَقَالَ : أَصَبْتَ . وَقَالَ لِأُبَيٍّ : اقْرَأْ .
فَقَرَأَ فَخَالَفَهُمَا ، فَقَالَ : أَصَبْتَ . قَالَ أُبَيٌّ : فَدَخَلَنِي مِنَ الشَّكِّ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَخَلَ فِيَّ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ، قَالَ : فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي وَجْهِي ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَضَرَبَ صَدْرِي ، وَقَالَ : اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، قَالَ : فَفِضْتُ عَرَقًا ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا . وَقَالَ : إِنَّهُ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ .
فَقُلْتُ : رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي . قَالَ : ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . فَقُلْتُ : رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي .
قَالَ : ثُمَّ جَاءَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . فَقُلْتُ : رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي . قَالَ : ثُمَّ جَاءَنِي الرَّابِعَةَ فَقَالَ : إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ مَسْأَلَةٌ .
قَالَ : قُلْتُ : رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، رَبِّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي ، وَاخْتَبَأْتُ الثَّالِثَةَ شَفَاعَةً لِأُمَّتِي ، حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لِيَرْغَبُ فِيهَا . 40 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَءُوا الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . فَقَالَ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ .
فَقَالَ : عَلَى حَرْفَيْنِ . حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ، فَقَالَ : كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِرَحْمَةٍ ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذَابٍ . كَقَوْلِكَ : هَلُمَّ وَتَعَالَ .
41 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ : أَنْ أَبَا جُهَيْمٍ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ : أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ هَذَا : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْآخَرُ : تَلَقَّيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَلَا تَمَارَوْا فِي الْقُرْآنِ ، فَإِنَّ الْمِرَاءَ فِيهِ كُفْرٌ . 42 - حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ .
46 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ ، وَهُوَ بِأَضَاةِ بَنِيَ غِفَارٍ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ . قَالَ : فَقَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أَوْ قَالَ : وَمَغْفِرَتَهُ - سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ . فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفَيْنِ .
قَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أَوْ قَالَ : مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، فَسَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ . فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . فَقَالَ : أَسْأَلُ اللَّهَ مَغْفِرَتَهُ وَمُعَافَاتَهُ - أَوْ قَالَ : مُعَافَاتَهُ وَمَغْفِرَتَهُ - إِنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، سَلِ اللَّهَ لَهُمُ التَّخْفِيفَ .
فَانْطَلَقَ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إِنِ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَ أُمَّتَكَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، فَمَنْ قَرَأَ مِنْهَا بِحَرْفٍ فَهُوَ كَمَا قَرَأَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ صَحَّ وَثَبْتَ أَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ أَلْسُنِ الْعَرَبِ الْبَعْضُ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَلْسِنَتَهَا وَلُغَاتِهَا أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ ، بِمَا يُعْجَزُ عَنْ إِحْصَائِهِ . فَإِنْ قَالَ : وَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَقَوْلِهِ : أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، هُوَ مَا ادَّعَيْتَ - مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ بِسَبْعِ لُغَاتٍ ، وَأُمِرَ بِقِرَاءَتِهِ عَلَى سَبْعَةِ أَلْسُنٍ - دُونَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَا قَالَهُ مُخَالِفُوكَ ، مِنْ أَنَّهُ نَزَلَ بِأَمْرٍ وَزَجْرٍ وَتَرْغِيبٍ وَتَرْهِيبٍ وَقَصَصٍ وَمَثَلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ ؟ فَقَدْ عَلِمْتَ قَائِلَ ذَلِكَ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَخِيَارِ الْأَئِمَّةِ .
قِيلَ لَهُ : إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ تَأْوِيلَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا ، هُوَ مَا زَعَمْتَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ فِي الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَيَكُونَ ذَلِكَ لِقَوْلِنَا مُخَالِفًا ، وَإِنَّمَا أَخْبَرُوا أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى سَبْعَةِ أَوْجُهٍ . وَالَّذِي قَالُوهُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا . وَقَدْ رُوِّينَا - بِمِثْلِ الَّذِي قَالُوا مِنْ ذَلِكَ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، أَخْبَارًا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا بَعْضَهَا ، وَنَسْتَقْصِي ذِكْرَ بَاقِيهَا بِبَيَانِهِ ، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَأَمَّا الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهُ مِنْ ذَلِكَ ، فَخَبَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنِ ابْنِ فُضَيْلٍ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ مِنَ الْجَنَّةِ . وَالسَّبْعَةُ الْأَحْرُفِ : هُوَ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ الْأَلْسُنُ السَّبْعَةُ . وَالْأَبْوَابُ السَّبْعَةُ مِنَ الْجَنَّةِ : هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي فِيهَا ، مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْقَصَصِ وَالْمَثَلِ ، الَّتِي إِذَا عَمِلَ بِهَا الْعَامِلُ ، وَانْتَهَى إِلَى حُدُودِهَا الْمُنْتَهِي ، اسْتَوْجَبَ بِهِ الْجَنَّةَ .
وَلَيْسَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، خِلَافٌ لِشَيْءٍ مِمَّا قُلْنَاهُ . وَالدَّلَالَةُ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ - مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، إِنَّمَا هُوَ أَنَّهُ نَزَلَ بِسَبْعِ لُغَاتٍ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهُ مِنَ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَسَائِرِ مَنْ قَدَّمْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ - أَنَّهُمْ تَمَارَوْا فِي الْقُرْآنِ ، فَخَالَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي نَفْسِ التِّلَاوَةِ ، دُونَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي ، وَأَنَّهُمُ احْتَكَمُوا فِيهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ صَوَّبَ جَمِيعَهُمْ فِي قِرَاءَتِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، حَتَّى ارْتَابَ بَعْضُهُمْ لِتَصْوِيبِهِ إِيَّاهُمْ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ارْتَابَ مِنْهُمْ عِنْدَ تَصْوِيبِهِ جَمِيعَهُمْ : إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . وَمَعْلُومٌ أَنْ تَمَارِيهِمْ فِيمَا تَمَارَوْا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، لَوْ كَانَ تَمَارِيًا وَاخْتِلَافًا فِيمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلَاوَاتُهُمْ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، لَكَانَ مُسْتَحِيلًا أَنْ يُصَوِّبَ جَمِيعَهُمْ ، وَيَأْمُرَ كُلَّ قَارِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَلْزَمَ قِرَاءَتَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ .
لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَمَرَ بِفِعْلِ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ وَفَرَضَهُ ، فِي تِلَاوَةِ مَنْ دَلَّتْ تِلَاوَتُهُ عَلَى فَرْضِهِ - وَنَهَى عَنْ فِعْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ وَزَجَرَ عَنْهُ ، فِي تِلَاوَةِ الَّذِي دَلَّتْ تِلَاوَتُهُ عَلَى النَّهْيِ وَالزَّجْرِ عَنْهُ ، وَأَبَاحَ وَأَطْلَقَ فِعْلَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ ، وَجَعَلَ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ فِعْلَهُ ، وَلِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَتْرُكَهُ تَرْكَهُ فِي تِلَاوَةِ مَنْ دَلَّتْ تِلَاوَتُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ! وَذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ إِنْ قَالَهُ ، إِثْبَاتُ مَا قَدْ نَفَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ تَنْزِيلِهِ وَحُكْمِ كِتَابِهِ فَقَالَ : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 82 ] . وَفِي نَفْيِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ عَنْ حُكْمِ كِتَابِهِ ، أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُنَزِّلْ كِتَابَهُ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِحُكْمٍ وَاحِدٍ مُتَّفِقٍ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ ، لَا بِأَحْكَامٍ فِيهِمْ مُخْتَلِفَةٍ . وَفِي صِحَّةِ كَوْنِ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، مَا يُبْطِلُ دَعْوَى مَنِ ادَّعَى خِلَافَ قَوْلِنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ لِلَّذِينِ تَخَاصَمُوا إِلَيْهِ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ فِي قِرَاءَتِهِمْ .
لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ جَمِيعَهُمْ بِالثُّبُوتِ عَلَى قِرَاءَتِهِ ، وَرَضِيَ قِرَاءَةَ كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ - عَلَى خِلَافِهَا قِرَاءَةَ خُصُومِهِ وَمُنَازِعِيهِ فِيهَا - وَصَوَّبَهَا . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَصْوِيبًا فِيمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ الْمَعَانِي ، وَكَانَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ إِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُ نَزَلَ بِسَبْعَةِ أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَسَبْعَةِ مَعَانٍ مُفْتَرِقَةٍ - كَانَ ذَلِكَ إِثْبَاتًا لِمَا قَدْ نَفَى اللَّهُ عَنْ كِتَابِهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ ، وَنَفْيًا لِمَا قَدْ أَوْجَبَ لَهُ مِنَ الِائْتِلَافِ . مَعَ أَنَّ فِي قِيَامِ الْحُجَّةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْضِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَلَا أَذِنَ بِذَلِكَ لِأُمَّتِهِ - مَا يُغْنِي عَنِ الْإِكْثَارِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْفِيٌّ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ .
وَفِي انْتِفَاءِ ذَلِكَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وُجُوبُ صِحَّةِ الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ ، فِي مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، عِنْدَ اخْتِصَامِ الْمُخْتَصِمِينَ إِلَيْهِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ تِلَاوَةِ مَا تَلَوْهُ مِنَ الْقُرْآنِ ، وَفَسَادِ تَأْوِيلِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي ذَلِكَ . وَأَحْرَى أَنَّ الَّذِينَ تَمَارَوْا فِيمَا تَمَارَوْا فِيهِ مِنْ قِرَاءَتِهِمْ فَاحْتَكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَمْ يَكُنْ مُنْكَرًا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ عِبَادَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ بِمَا شَاءَ ، وَيَنْهَى عَمَّا شَاءَ ، وَيَعِدَ فِيمَا أَحَبَّ مِنْ طَاعَاتِهِ ، وَيُوعِدَ عَلَى مَعَاصِيهِ ، وَيَحْتِمَ لِنَبِيِّهِ وَيَعِظَهُ فِيهِ وَيَضْرِبَ فِيهِ لِعِبَادِهِ الْأَمْثَالَ - فَيُخَاصِمَ غَيْرَهُ عَلَى إِنْكَارِهِ سَمَاعَ ذَلِكَ مِنْ قَارِئِهِ . بَلْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ إِسْلَامُ مِنَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ .
فَمَا الْوَجْهُ الَّذِي أَوْجَبَ لَهُ إِنْكَارَ مَا أَنْكَرَ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ كَانَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا مِنْهُمْ فِي الْأَلْفَاظِ وَاللُّغَاتِ ؟ وَبَعْدُ ، فَقَدْ أَبَانَ صِحَّةَ مَا قُلْنَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصًّا . وَذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرْنَا : 47 - أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ جِبْرِيلُ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ . قَالَ مِيكَائِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : اسْتَزِدْهُ .
فَقَالَ : عَلَى حَرْفَيْنِ . حَتَّى بَلَغَ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ، فَقَالَ : كُلُّهَا شَافٍ كَافٍ ، مَا لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ عَذَابٍ بِآيَةِ رَحْمَةٍ ، أَوْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِآيَةِ عَذَابٍ ، كَقَوْلِكَ : هَلُمَّ وَتَعَالَ . فَقَدْ أَوْضَحَ نَصُّ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، إِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ أَلْفَاظٍ ، كَقَوْلِكَ هَلُمَّ وَتَعَالَ بِاتِّفَاقِ الْمَعَانِي ، لَا بِاخْتِلَافِ مَعَانٍ مُوجِبَةٍ اخْتِلَافَ أَحْكَامٍ .
وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . 48 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ السُّوَائِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ - جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ إِلَى الْقَرَأَةِ ، فَوَجَدْتُهُمْ مُتَقَارِبِينَ فَاقْرَءُوا كَمَا عُلِّمْتُمْ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَطُّعَ ، فَإِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِ أَحَدِكُمْ : هَلُمَّ وَتَعَالَ . 49 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَمَّنْ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ : مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ عَلَى حَرْفٍ فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ لَأَتَيْتُهُ .
50 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : مَنْ قَرَأَ عَلَى حَرْفٍ فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَمَعْلُومٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَمْ يَعْنِ بِقَوْلِهِ هَذَا : مَنْ قَرَأَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَمَنْ قَرَأَ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ مِنْهُ إِلَى قِرَاءَةِ مَا فِيهِ مِنَ الْقَصَصِ وَالْمَثَلِ . وَإِنَّمَا عَنَى رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ بِحَرْفِهِ - وَحَرْفُهُ : قِرَاءَتُهُ ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِقِرَاءَةِ رَجُلٍ : حَرْفُ فُلَانٍ ، وَتَقُولُ لِلْحَرْفِ مِنْ حُرُوفِ الْهِجَاءِ الْمُقَطَّعَةِ : حَرْفٌ ، كَمَا تَقُولُ لِقَصِيدَةٍ مِنْ قَصَائِدِ الشَّاعِرِ : كَلِمَةُ فُلَانٍ - فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ .
وَمَنْ قَرَأَ بِحَرْفِ أُبَيٍّ ، أَوْ بِحَرْفِ زَيْدٍ ، أَوْ بِحَرْفِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ - فَلَا يَتَحَوَّلَنَّ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ رَغْبَةً عَنْهُ ، فَإِنَّ الْكُفْرَ بِبَعْضِهِ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ ، وَالْكَفْرُ بِحَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ بِجَمِيعِهِ يَعْنِي بِالْحَرْفِ مَا وَصَفْنَا مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ مَنْ قَرَأَ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ . 51 - وَقَدْ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : قَرَأَ أَنَسٌ هَذِهِ الْآيَةَ : ( إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَصْوَبُ قِيلًا ) فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، إِنَّمَا هِيَ وَأَقْوَمُ فَقَالَ : أَقْوَمُ وَأَصْوَبُ وَأَهْيَأُ ، وَاحِدٌ . 52 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ عَلَى خَمْسَةِ أَحْرُفٍ .
فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ . فَقَالَ : اقْرَأِ الْقُرْآنَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ . فَقَالَ لَهُ مِيكَائِيلُ : اسْتَزِدْهُ .
قَالَ : حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ ، قَالَ مُحَمَّدٌ : لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ ، وَلَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ ، هُوَ كَقَوْلِكَ : تَعَالَ وَهَلُمَّ وَأَقْبِلْ ، قَالَ : وَفِي قِرَاءَتِنَا إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً [ سُورَةُ يس : 29 53 ، ] ، فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( إِنْ كَانَتْ إِلَّا زَقْيَةً وَاحِدَةً ) . 56 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ - يَعْنِي ابْنَ الْحَبْحَابِ - قَالَ : كَانَ أَبُو الْعَالِيَةِ إِذَا قَرَأَ عِنْدَهُ رَجُلٌ لَمْ يَقُلْ : لَيْسَ كَمَا يَقْرَأُ وَإِنَّمَا يَقُولُ : أَمَّا أَنَا فَأَقْرَأُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ، فَقَالَ : أَرَى صَاحِبَكَ قَدْ سَمِعَ : أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنْهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ .
57 - حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ [ أَنَّهُ قَالَ ] إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 103 ] إِنَّمَا افْتُتِنَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ ، فَكَانَ يُمْلِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، أَوْ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ خَوَاتِمِ الْآيِ ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْوَحْيِ ، فَيَسْتَفْهِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ : أَعَزِيزٌ حَكِيمٌ ، أَوْ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أَوْ عَزِيزٌ عَلِيمٌ ؟ فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ ذَلِكَ كَتَبْتَ فَهُوَ كَذَلِكَ . فَفَتَنَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا وَكَلَ ذَلِكَ إِلَيَّ ، فَأَكْتُبُ مَا شِئْتُ . وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ لِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِنَ الْحُرُوفِ السَّبْعَةِ .
58 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، أَوْ بِآيَةٍ مِنْهُ ، فَقَدْ كَفَرَ بِهِ كُلِّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِذْ كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ عِنْدَكَ ، مَا وَصَفْتَ ، بِمَا عَلَيْهِ اسْتَشْهَدْتَ ، فَأَوْجِدْنَا حَرْفًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مَقْرُوءًا بِسَبْعِ لُغَاتٍ ، فَنُحَقِّقَ بِذَلِكَ قَوْلَكَ . وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ذَلِكَ كَذَلِكَ : كَانَ مَعْلُومًا بِعَدَمِكَهُ - صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ : أَنَّهُ نَزَلَ بِسَبْعَةِ مَعَانٍ ، وَهُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ وَالْجَدَلُ وَالْقَصَصُ وَالْمَثَلُ - وَفَسَادُ قَوْلِكَ .
أَوْ تَقُولُ فِي ذَلِكَ : إِنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ لُغَاتٌ فِي الْقُرْآنِ سَبْعٌ ، مُتَفَرِّقَةٌ فِي جَمِيعِهِ ، مِنْ لُغَاتِ أَحْيَاءٍ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْسُنِ - كَمَا كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُنَعِمِ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ . فَتَصِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا لَا يَجْهَلُ فَسَادَهُ ذُو عَقْلٍ ، وَلَا يَلْتَبِسُ خَطَؤُهُ عَلَى ذِي لُبٍّ . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي بِهَا احْتَجَجْتَ لِتَصْحِيحِ مَقَالَتِكَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، هِيَ الْأَخْبَارُ الَّتِي رُوِّيتَهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، وَعَمَّنْ رُوِّيتَ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمْ تَمَارَوْا فِي تِلَاوَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ ، فَاخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَتِهِ دُونَ تَأْوِيلِهِ ، وَأَنْكَرَ بَعْضٌ قِرَاءَةَ بَعْضٍ ، مَعَ دَعْوَى كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ قِرَاءَةً مِنْهَا : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْرَأَهُ مَا قَرَأَ بِالصِّفَةِ الَّتِي قَرَأَ .
ثُمَّ احْتَكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ، أَنْ صَوَّبَ قِرَاءَةَ كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ ، عَلَى خِلَافِهَا قِرَاءَةَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ نَازَعُوهُ فِيهَا ، وَأَمَرَ كُلَّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا عُلِّمَ ، حَتَّى خَالَطَ قَلْبَ بَعْضِهِمُ الشَّكُّ فِي الْإِسْلَامِ ، لِمَا رَأَى مِنْ تَصْوِيبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِرَاءَةَ كُلِّ قَارِئٍ مِنْهُمْ عَلَى اخْتِلَافِهَا . ثُمَّ جَلَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ : أَنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ . فَإِنْ كَانَتْ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ ، عِنْدَكَ - كَمَا قَالَ هَذَا الْقَائِلُ - مُتَفَرِّقَةً فِي الْقُرْآنِ ، مُثَبَّتَةً الْيَوْمَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ بَطَلَتْ مَعَانِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رَوَيْتَهَا عَمَّنْ رُوِّيتَهَا عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَرَ كُلًّا أَنْ يَقْرَأَ كَمَا عُلِّمَ .
لِأَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ إِذَا كَانَتْ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةً فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ ، فَغَيْرُ مُوجِبٍ حَرْفٌ مِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافًا بَيْنَ تَالِيهِ لِأَنَّ كُلَّ تَالٍ فَإِنَّمَا يَتْلُو ذَلِكَ الْحَرْفَ تِلَاوَةً وَاحِدَةً عَلَى مَا هُوَ بِهِ فِي الْمُصْحَفِ ، وَعَلَى مَا أُنْزِلَ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَطَلَ وَجْهُ اخْتِلَافِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ سُورَةٍ ، وَفَسَدَ مَعْنَى أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ قَارِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقْرَأَهُ عَلَى مَا عُلِّمَ . إِذْ كَانَ لَا مَعْنَى هُنَالِكَ يُوجِبُ اخْتِلَافًا فِي لَفْظٍ ، وَلَا افْتِرَاقًا فِي مَعْنًى .
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْقَوْمِ ، وَالْمُعَلِّمُ وَاحِدٌ ، وَالْعِلْمُ وَاحِدٌ غَيْرُ ذِي أَوْجُهٍ ؟ وَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ رُوِيَ عَنْهُمْ الِاخْتِلَافُ فِي حُرُوفِ الْقُرْآنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وَتَحَاكَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُنَاهُ - أَبْيَنُ الدَّلَالَةَ عَلَى فَسَادِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَحْرُفَ السَّبْعَةَ إِنَّمَا هِيَ أَحْرُفٌ سَبْعَةٌ مُتَفَرِّقَةٌ فِي سُوَرِ الْقُرْآنِ ، لَا أَنَّهَا لُغَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ بِاتِّفَاقِ الْمَعَانِي . مَعَ أَنَّ الْمُتَدَبِّرَ إِذَا تَدَبَّرَ قَوْلَ هَذَا الْقَائِلِ - فِي تَأْوِيلِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، وَادِّعَائِهِ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا سَبْعُ لُغَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ قِيلِهِ ذَلِكَ ، وَاعْتِلَالِهِ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ تَعَالَ وَهَلُمَّ وَأَقْبِلْ; وَأَنْ بَعْضَهُمْ قَالَ : هُوَ بِمَنْزِلَةِ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا زَقْيَةً ، وَهِيَ فِي قِرَاءَتِنَا إِلَّا صَيْحَةً وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حُجَجِهِ - عَلِمَ أَنَّ حُجَجَهُ مُفْسِدَةٌ فِي ذَلِكَ مَقَالَتَهُ ، وَأَنَّ مَقَالَتَهُ فِيهِ مُضَادَّةٌ حُجَجَهُ . لِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ عِنْدَهُ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ - : إِمَّا صَيْحَةً ، وَإِمَّا زَقْيَةً وَإِمَّا تَعَالَ أَوْ أَقْبِلْ أَوْ هَلُمَّ - لَا جَمِيعَ ذَلِكَ .
لِأَنَّ كُلَّ لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ السَّبْعِ عِنْدَهُ فِي كَلِمَةٍ أَوْ حَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ ، غَيْرُ الْكَلِمَةِ أَوِ الْحَرْفِ الَّذِي فِيهِ اللُّغَةُ الْأُخْرَى . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، بَطَلَ اعْتِلَالُهُ لِقَوْلِهِ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ : ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ هَلُمَّ وَ تَعَالَ وَ أَقْبِلْ ، لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ هِيَ أَلْفَاظٌ مُخْتَلِفَةٌ ، يَجْمَعُهَا فِي التَّأْوِيلِ مَعْنَى وَاحِدٌ . وَقَدْ أَبْطَلَ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي حَكَيْنَا قَوْلَهُ ، اجْتِمَاعَ اللُّغَاتِ السَّبْعِ فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْقُرْآنِ .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ إِفْسَادُ حُجَّتِهِ لِقَوْلِهِ بِقَوْلِهِ ، وَإِفْسَادُ قَوْلِهِ لِحُجَّتِهِ . قِيلَ لَهُ : لَيْسَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتَ . بَلِ الْأَحْرُفُ السَّبْعَةُ الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ ، هُنَّ لُغَاتٌ سَبْعٌ ، فِي حَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَاتِّفَاقِ الْمَعَانِي ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ : هَلُمَّ ، وَأَقْبِلْ ، وَتَعَالَ ، وَإِلَيَّ ، وَقَصْدِي ، وَنَحْوِي ، وَقُرْبِي ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَلْفَاظُ بِضُرُوبٍ مِنَ الْمَنْطِقِ وَتَتَّفِقُ فِيهِ الْمَعَانِي ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِالْبَيَانِ بِهِ الْأَلْسُنُ ، كَالَّذِي رُوِّيْنَا آنِفًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَمَّنْ رُوِّينَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، أَنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ : هَلُمَّ وَتَعَالَ وَأَقْبِلْ ، وَقَوْلِهِ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا زَقْيَةً ، وَ إِلَّا صَيْحَةً .
فَإِنْ قَالَ : فَفِي أَيِّ كِتَابِ اللَّهِ نَجِدُ حَرْفًا وَاحِدًا مَقْرُوءًا بِلُغَاتٍ سَبْعٍ مُخْتَلِفَاتِ الْأَلْفَاظِ ، مُتَّفِقَاتِ الْمَعْنَى ، فَنُسَلِّمُ لَكَ صِحَّةَ مَا ادَّعَيْتَ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ؟ قِيلَ : إِنَّا لَمْ نَدَّعِ أَنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرْنَا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ ، عَلَى نَحْوِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُنَاهَا . وَهُوَ مَا وَصَفْنَا ، دُونَ مَا ادَّعَاهُ مُخَالِفُونَا فِي ذَلِكَ ، لِلْعِلَلِ الَّتِي قَدْ بَيَّنَا . فَإِنْ قَالَ : فَمَا بَالُ الْأَحْرُفِ الْأُخَرِ السِّتَّةِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ ، إِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتَ ، وَقَدْ أَقْرَأَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ ، وَأَمَرَ بِالْقِرَاءَةِ بِهِنَّ ، وَأَنْزَلَهُنَّ اللَّهُ مِنْ عِنْدِهِ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَنُسِخَتْ فَرُفِعَتْ ، فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى نَسْخِهَا وَرَفْعِهَا ؟ أَمْ نَسِيَتْهُنَّ الْأُمَّةُ ، فَذَلِكَ تَضْيِيعُ مَا قَدْ أُمِرُوا بِحِفْظِهِ ؟ أَمْ مَا الْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ : لَمْ تُنْسَخْ فَتُرْفَعَ ، وَلَا ضَيَّعَتْهَا الْأُمَّةُ وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِحِفْظِهَا .
وَلَكِنَّ الْأُمَّةَ أُمِرَتْ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ ، وَخُيِّرَتْ فِي قِرَاءَتِهِ وَحِفْظِهِ بِأَيِّ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ شَاءَتْ . كَمَا أُمِرَتْ ، إِذَا هِيَ حَنِثَتْ فِي يَمِينٍ وَهِيَ مُوسِرَةٌ ، أَنْ تُكَفِّرَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَتْ : إِمَّا بِعِتْقٍ ، أَوْ إِطْعَامٍ ، أَوْ كُسْوَةٍ . فَلَوْ أَجْمَعَ جَمِيعُهَا عَلَى التَّكْفِيرِ بِوَاحِدَةٍ مِنَ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ ، دُونَ حَظْرِهَا التَّكْفِيرَ بِأَيِّ الثَّلَاثِ شَاءَ الْمُكَفِّرُ ، كَانَتْ مُصِيبَةً حُكْمَ اللَّهِ ، مُؤَدِّيَةً فِي ذَلِكَ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا مِنْ حَقِّ اللَّهِ .
فَكَذَلِكَ الْأُمَّةُ ، أُمِرَتْ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ وَقِرَاءَتِهِ ، وَخُيِّرَتْ فِي قِرَاءَتِهِ بِأَيِّ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ شَاءَتْ : فَرَأَتْ - لِعِلَّةٍ مِنَ الْعِلَلِ أَوْجَبَتْ عَلَيْهَا الثَّبَاتَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ - قِرَاءَتَهُ بِحَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَرَفْضَ الْقِرَاءَةِ بِالْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ ، وَلَمْ تَحْظُرْ قِرَاءَتَهُ بِجَمِيعِ حُرُوفِهِ عَلَى قَارِئِهِ ، بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي قِرَاءَتِهِ بِهِ . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الْعِلَّةُ الَّتِي أَوْجَبَتْ عَلَيْهَا الثَّبَاتَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ دُونَ سَائِرِ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ ؟ 59 - قِيلَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدٍ ، قَالَ : لِمَا قُتِلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ ، دَخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ : إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَمَامَةِ تَهَافَتُوا تَهَافُتَ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ لَا يَشْهَدُوا مَوْطِنًا إِلَّا فَعَلُوا ذَلِكَ حَتَّى يُقْتَلُوا - وَهُمْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ - فَيَضِيعُ الْقُرْآنُ وَيُنْسَى . فَلَوْ جَمَعْتَهُ وَكَتَبْتَهُ ! فَنَفَرَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : أَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! فَتَرَاجَعَا فِي ذَلِكَ .
ثُمَّ أَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ زَيْدٌ : فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَعُمْرُ مُحْزَئِلٌّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّ هَذَا قَدْ دَعَانِي إِلَى أَمْرٍ فَأَبَيْتُ عَلَيْهِ ، وَأَنْتَ كَاتِبُ الْوَحْيِ . فَإِنْ تَكُنْ مَعَهُ اتَّبَعَتْكُمَا ، وَإِنْ تُوَافِقْنِي لَا أَفْعَلْ . قَالَ : فَاقْتَصَّ أَبُو بَكْرٍ قَوْلَ عُمَرَ ، وَعُمْرُ سَاكِتٌ ، فَنَفَرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ : نَفْعَلُ مَا لَمْ يَفْعَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ! إِلَى أَنْ قَالَ عُمَرُ كَلِمَةً : وَمَا عَلَيْكُمَا لَوْ فَعَلْتُمَا ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَذَهَبْنَا نَنْظُرُ ، فَقُلْنَا : لَا شَيْءَ وَاللَّهِ! مَا عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ! قَالَ زَيْدٌ : فَأَمَرَنِي أَبُو بَكْرٍ فَكَتَبْتُهُ فِي قِطَعِ الْأَدَمِ وَكِسَرِ الْأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ .
فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ كَتَبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ . فَلَمَّا هَلَكَ ، كَانَتِ الصَّحِيفَةُ عِنْدَ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةٍ كَانَ غَزَاهَا بِمَرْجِ أَرْمِينِيَّةَ فَلَمْ يَدْخُلْ بَيْتَهُ حَتَّى أَتَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ : أَدْرِكِ النَّاسَ! فَقَالَ عُثْمَانُ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ غَزَوْتُ مَرْجَ أَرْمِينِيَّةَ ، فَحَضَرَهَا أَهْلُ الْعِرَاقِ وَأَهْلُ الشَّامِ ، فَإِذَا أَهْلُ الشَّامِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ أَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ .
وَإِذَا أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقْرَءُونَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، فَيَأْتُونَ بِمَا لَمْ يَسْمَعْ بِهِ أَهْلُ الشَّامِ ، فَتُكَفِّرُهُمْ أَهْلُ الشَّامِ . قَالَ زَيْدٌ : فَأَمَرَنِي عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَكْتُبُ لَهُ مُصْحَفًا ، وَقَالَ : إِنِّي مُدْخِلٌ مَعَكَ رَجُلًا لَبِيبًا فَصِيحًا ، فَمَا اجْتَمَعْتُمَا عَلَيْهِ فَاكْتُبَاهُ ، وَمَا اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ فَارْفَعَاهُ إِلَيَّ . فَجَعَلَ مَعَهُ أَبَانَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، قَالَ : فَلَمَّا بَلَغْنَا إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 248 ] قَالَ : زَيْدٌ فَقُلْتُ : التَّابُّوهُ وَقَالَ أَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ : التَّابُوتُ ، فَرَفَعْنَا ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ فَكَتَبَ : التَّابُوتُ قَالَ : فَلَمَّا فَرَغْتُ عَرَضْتُهُ عَرْضَةً ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ﴾ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 23 ] قَالَ : فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا ، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا ، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، ، حَتَّى وَجَدْتُهَا عِنْدَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ ، فَكَتَبْتُهَا ، ثُمَّ عَرَضْتُهُ عَرْضَةً أُخْرَى ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ١٢٨ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 128 129 ، 129 فَاسْتَعْرَضْتُ الْمُهَاجِرِينَ ، فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، ثُمَّ اسْتَعْرَضْتُ الْأَنْصَارَ أَسْأَلُهُمْ عَنْهَا فَلَمْ أَجِدْهَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ، حَتَّى وَجَدْتُهَا مَعَ رَجُلٍ آخَرَ يُدْعَى خُزَيْمَةَ أَيْضًا ، فَأَثْبَتُّهَا فِي آخِرِ بَرَاءَةٍ ، وَلَوْ تَمَّتْ ثَلَاثَ آيَاتٍ لَجَعَلْتُهَا سُورَةً عَلَى حِدَةٍ .
ثُمَّ عَرَضْتُهُ عَرْضَةً أُخْرَى ، فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ، ثُمَّ أَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ يَسْأَلُهَا أَنْ تُعْطِيَهُ الصَّحِيفَةَ ، وَحَلَفَ لَهَا لَيَرُدَّنَّهَا إِلَيْهَا فَأَعْطَتْهُ إِيَّاهَا ، فَعَرَضَ الْمُصْحَفَ عَلَيْهَا ، فَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي شَيْءٍ . فَرَدَّهَا إِلَيْهَا ، وَطَابَتْ نَفْسُهُ ، وَأَمْرَ النَّاسَ أَنْ يَكْتُبُوا مَصَاحِفَ . فَلَمَّا مَاتَتْ حَفْصَةُ أَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيفَةِ بِعَزْمَةٍ ، فَأَعْطَاهُمْ إِيَّاهَا فَغُسِلَتْ غَسْلًا .
60 - وَحَدَّثَنِي أَيْضًا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا نَعِيمُ بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، بِنَحْوِهِ سَوَاءً . 61 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، قَالَ : لَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، جَعَلَ الْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ ، وَالْمُعَلِّمُ يُعَلِّمُ قِرَاءَةَ الرَّجُلِ ، فَجَعَلَ الْغِلْمَانُ يَلْتَقُونَ فَيَخْتَلِفُونَ ، حَتَّى ارْتَفَعَ ذَلِكَ إِلَى الْمُعَلِّمِينَ - قَالَ أَيُّوبُ : فَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ - : حَتَّى كَفَرَ بَعْضُهُمْ بِقِرَاءَةِ بَعْضٍ . فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ ، فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ : أَنْتُمْ عِنْدِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَتُلْحِنُونَ ، فَمَنْ نَأَى عَنِّي مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ أَشَدُّ فِيهِ اخْتِلَافًا وَأَشَدُّ لَحْنًا .
اجْتَمِعُوا يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ، فَاكْتُبُوا لِلنَّاسِ إِمَامًا . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ ، فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : كُنْتُ فِيمَنْ يُمْلَى عَلَيْهِمْ ، قَالَ : فَرُبَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْآيَةِ فَيَذْكُرُونَ الرَّجُلَ قَدْ تَلَقَّاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا أَوْ فِي بَعْضِ الْبَوَادِي ، فَيَكْتُبُونَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا ، وَيَدَعُونَ مَوْضِعَهَا ، حَتَّى يَجِيءَ أَوْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ . فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْمُصْحَفِ ، كَتَبَ عُثْمَانُ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ : إِنِّي قَدْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا ، وَمَحَوْتُ مَا عِنْدِي ، فَامْحُوَا مَا عِنْدَكُمْ .
62 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ قَالَ : قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ : أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي غَزْوَةِ أَذْرَبِيجَانَ وَأَرْمِينِيَّةَ أَهْلُ الشَّامِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ ، فَتَذَاكَرُوا الْقُرْآنَ ، وَاخْتَلَفُوا فِيهِ حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ فِتْنَةٌ . فَرَكِبَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ - لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَهُمْ فِي الْقُرْآنِ - إِلَى عُثْمَانَ يجمع المصحف ، فَقَالَ : إِنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْقُرْآنِ ، حَتَّى إِنِّي وَاللَّهِ لِأَخْشَى أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ الِاخْتِلَافِ . قَالَ : فَفَزِعَ لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا ، فَأَرْسَلَ إِلَى حَفْصَةَ فَاسْتَخْرَجَ الصُّحُفَ الَّتِي كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَمَرَ زَيْدًا بِجَمْعِهَا ، فَنَسَخَ مِنْهَا مَصَاحِفَ ، فَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْآفَاقِ .
63 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، قَالَ : قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ ، وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْكَرَانِيفِ وَالْعُسُبِ . 64 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُجَالِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ صَعْصَعَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ وَرَّثَ الْكَلَالَةَ وَجَمَعَ الْمُصْحَفَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِ جَمِيعِهَا الْكِتَابُ ، وَالْآثَارُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ - نَظَرًا مِنْهُ لَهُمْ ، وَإِشْفَاقًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ ، حِذَارَ الرِّدَّةِ مِنْ بَعْضِهِمْ بَعْدَ الْإِسْلَامَ ، وَالدُّخُولِ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِيمَانِ ، إِذْ ظَهَرَ مِنْ بَعْضِهِمْ بِمَحْضَرِهِ وَفِي عَصْرِهِ التَّكْذِيبُ بِبَعْضِ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ ، مَعَ سَمَاعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنِ التَّكْذِيبِ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ أَنَّ الْمِرَاءَ فِيهَا كُفْرٌ - فَحَمَلَهُمْ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، إِذْ رَأَى ذَلِكَ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ فِي عَصْرِهِ ، وَلِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِنُزُولِ الْقُرْآنِ ، وَفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمِنَ عَلَيْهِمْ مَعَهُ عَظِيمَ الْبَلَاءِ فِي الدِّينِ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ - عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ .
وَجَمَعَهُمْ عَلَى مُصْحَفٍ وَاحِدٍ ، وَحَرْفٍ وَاحِدٍ ، وَخَرَّقَ مَا عَدَا الْمُصْحَفِ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ . وَعَزَمَ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ مُخَالِفٌ الْمُصْحَفَ الَّذِي جَمَعَهُمْ عَلَيْهِ ، أَنْ يَخْرِقَهُ . فَاسْتَوْسَقَتْ لَهُ الْأُمَّةُ عَلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ وَرَأَتْ أَنَّ فِيمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ الرُّشْدَ وَالْهِدَايَةَ ، فَتَرَكَتِ الْقِرَاءَةَ بِالْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الَّتِي عَزَمَ عَلَيْهَا إِمَامُهَا الْعَادِلُ فِي تَرْكِهَا ، طَاعَةً مِنْهَا لَهُ ، وَنَظَرًا مِنْهَا لِأَنْفُسِهَا وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ سَائِرِ أَهْلِ مِلَّتِهَا ، حَتَّى دَرَسَتْ مِنَ الْأُمَّةِ مَعْرِفَتُهَا ، وَتَعَفَّتْ آثَارُهَا ، فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ إِلَى الْقِرَاءَةِ بِهَا ، لِدُثُورِهَا وَعُفُوِّ آثَارِهَا ، وَتَتَابُعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَفْضِ الْقِرَاءَةِ بِهَا ، مِنْ غَيْرِ جَحُودٍ مِنْهَا صِحَّتَهَا وَصِحَّةَ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَكِنْ نَظَرًا مِنْهَا لِأَنْفُسِهَا وَلِسَائِرِ أَهْلِ دِينِهَا .
فَلَا قِرَاءَةَ لِلْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ إِلَّا بِالْحَرْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي اخْتَارَهُ لَهُمْ إِمَامُهُمُ الشَّفِيقُ النَّاصِحُ ، دُونَ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَحْرُفِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ . فَإِنْ قَالَ بَعْضُ مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ : وَكَيْفَ جَازَ لَهُمْ تَرْكُ قِرَاءَةٍ أَقْرَأَهُمُوهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَهُمْ بِقِرَاءَتِهَا ؟ قِيلَ : إِنَّ أَمْرَهُ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَمْرَ إِيجَابٍ وَفَرْضٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ أَمْرَ إِبَاحَةٍ وَرُخْصَةٍ . لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِهَا لَوْ كَانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِمْ ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ ، عِنْدَ مَنْ تَقُومُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةُ ، وَيَقْطَعُ خَبَرُهُ الْعُذْرَ ، وَيُزِيلُ الشَّكَّ مِنْ قَرَأَةِ الْأُمَّةِ .
وَفِي تَرْكِهِمْ نَقْلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ بِهَا مُخَيَّرِينَ ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ فِي نَقْلَةِ الْقُرْآنِ مِنَ الْأُمَّةِ مَنْ تَجِبُ بِنَقْلِهِ الْحُجَّةُ بِبَعْضِ تِلْكَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنَ الْقَوْمُ بِتَرْكِهِمْ نَقَلَ جَمِيعِ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ ، تَارِكِينَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ نَقْلُهُ ، بَلْ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفِعْلِ مَا فَعَلُوا . إِذْ كَانَ الَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ ، كَانَ هُوَ النَّظَرَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ .
فَكَانَ الْقِيَامُ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ ، بِهِمْ أُولَى مِنْ فِعْلِ مَا لَوْ فَعَلُوهُ ، كَانُوا إِلَى الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ أَقْرَبَ مِنْهُمْ إِلَى السَّلَامَةِ ، مِنْ ذَلِكَ . وَأَمَّا مَا كَانَ مِنَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَجَرِّهِ وَنَصْبِهِ ، وَتَسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ ، وَنَقْلِ حَرْفٍ إِلَى آخَرَ مَعَ اتِّفَاقِ الصُّورَةِ ، فَمِنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ - بِمَعْزِلٍ . لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا حَرْفَ مِنْ حُرُوفِ الْقُرْآنِ - مِمَّا اخْتَلَفَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قِرَاءَتِهِ بِهَذَا الْمَعْنَى - يُوجِبُ الْمِرَاءُ بِهِ كُفْرَ الْمُمَارِي بِهِ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ .
وَقَدْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمِرَاءِ فِيهِ الْكُفْرَ ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي تَنَازَعَ فِيهِ الْمُتَنَازِعُونَ إِلَيْهِ ، وَتَظَاهَرَتْ عَنْهُ بِذَلِكَ الرِّوَايَةُ عَلَى مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَهَلْ لَكَ مَنْ عِلْمٍ بِالْأَلْسُنِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ ؟ وَأَيُّ الْأَلْسُنِ هِيَ مِنَ أَلْسُنِ الْعَرَبِ ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْأَلْسُنُ السِّتَّةُ الَّتِي قَدْ نَزَلَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا ، فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهَا ، لِأَنَّا لَوْ عَرَّفْنَاهَا لَمْ نَقْرَأِ الْيَوْمَ بِهَا مَعَ الْأَسْبَابِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ خَمْسَةً مِنْهَا لِعَجُزِ هَوَازِنَ ، وَاثْنَيْنِ مِنْهَا لِقُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ .
رُوِيَ جَمِيعُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَيْسَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِنَقْلِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ : أَنَّ خَمْسَةً مِنْهَا مِنْ لِسَانِ الْعَجُزِ مِنْ هَوَازِنَ ، الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَأَنَّ الَّذِي رَوَى عَنْهُ : أَنَّ اللِّسَانَيْنِ الْآخَرَيْنِ لِسَانُ قُرَيْشٍ وَخُزَاعَةَ ، قَتَادَةُ ، وَقَتَادَةُ لَمْ يَلْقَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ . 65 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ وَلِسَانِ خُزَاعَةَ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ وَاحِدَةٌ .
66 - وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا ، قَالَ : حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ نَصْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْأُسُودِ الدُّؤَلِيِّ ، قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِ الْكَعْبَيْنِ : كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَكَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ . فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَلَمَةَ لِسَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ : أَلَا تَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْأَعْمَى! يَزْعُمُ أَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ بِلِسَانِ الْكَعْبَيْنِ; وَإِنَّمَا أُنْزِلَ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ! قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْعَجُزُ مِنْ هَوَازِنَ : سَعْدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَجُشَمُ بْنُ بَكْرٍ ، وَنَصْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ، وَثَقِيفٌ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ ذَكَرَ نُزُولَ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ : إِنْ كُلَّهَا شَافٍ كَافٍ - فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي صِفَةِ الْقُرْآنِ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ سُورَةُ يُونُسَ : 57 ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ شِفَاءً ، يَسْتَشْفُونَ بِمَوَاعِظِهِ مَنَ الْأَدْوَاءِ الْعَارِضَةِ لِصُدُورِهِمْ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَخَطَرَاتِهِ ، فَيَكْفِيهِمْ وَيُغْنِيهِمْ عَنْ كُلِّ مَا عَدَاهُ مِنَ الْمَوَاعِظِ بِبَيَانِ آيَاتِهِ .