الْأَخْبَارُ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ الْمَرْوَزِيُّ ، قَالَ سَمِعَتُ أَبِي يَقُولُ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ شَقِيقٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْرِفَ مَعَانِيَهُنَّ ، وَالْعَمَلَ بِهِنَّ . 82 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا : أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْرِئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُخَلِّفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ ، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا . 83 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ ، مَا نَزَلَتْ آَيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ نَزَلَتْ ؟ وَأَيْنَ أُنْزِلَتْ ؟ وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ .
87 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَمَانٍ : عَنْ أَشْعَثَ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ لَمْ يُفَسِّرْهُ ، كَانَ كَالْأَعْمَى أَوْ كَالْأَعْرَابِيِّ . 88 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : ذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنِ : الْأَعْمَشِ ، قَالَ : قَالَ أَبُو وَائِلٍ : وَلِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَوْسِمَ; فَخَطَبَهُمْ ، فَقَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النُّورِ ، وَاللَّهِ لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ لَأَسْلَمُوا . فَقِيلَ لَهُ : حَدِّثْنَا بِهِ عَنْ عَاصِمٍ ؟ فَسَكْتَ .
89 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ ، عَنْ شَقِيقٍ ، قَالَ : شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَوَلِيَ الْمَوْسِمَ ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَفَسَّرَهَا ، لَوْ سَمِعَتِ الرُّومُ لَأَسْلَمَتْ ! قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي حَثِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي آَيِ الْقُرْآنِ مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالْبَيِّنَاتِ - بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿كِتَابٌ أَنْـزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ ﴾ [ سُورَةُ ص : 29 ] وَقَوْلُهِ : ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 27 28 ، ] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ وَحَثَّهُمْ فِيهَا عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِ آيِ الْقُرْآنِ ، وَالِاتِّعَاظِ بِمَوَاعِظِهِ - مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيلِ مَا لَمْ يُحْجَبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلُهُ مِنْ آيِهِ . لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَا يَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يَعْقِلُ تَأْوِيلَهُ : اعْتَبِرْ بِمَا لَا فَهْمَ لَكَ بِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ مِنَ الْقِيلِ وَالْبَيَانِ وَالْكَلَامِ - إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَفْهَمَهُ وَيَفْقَهَهُ ، ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ وَيَعْتَبِرَ بِهِ . فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَمُسْتَحِيلٌ أَمْرُهُ بِتَدَبُّرِهِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ جَاهِلٌ .
كَمَا مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِبَعْضِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَلَا يَفْهَمُونَهُ ، لَوْ أُنْشِدَ قَصِيدَةَ شِعْرٍ مِنْ أَشْعَارِ بَعْضِ الْعَرَبِ ذَاتَ أَمْثَالٍ وَمَوَاعِظَ وَحِكَمٍ : اعْتَبِرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْثَالِ ، وَادَّكِرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَوَاعِظِ - إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ لَهَا بِفَهْمِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعْرِفَتِهِ ، ثُمَّ الِاعْتِبَارِ بِمَا نَبَّهَهَا عَلَيْهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ . فَأَمَّا وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِمَعَانِي مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَنْطِقِ ، فَمُحَالٌ أَمْرُهَا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَعَانِي مَا حَوَتْهُ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالْعِبَرِ . بَلْ سَوَاءٌ أَمْرُهَا بِذَلِكَ وَأَمْرُ بَعْضِ الْبَهَائِمِ بِهِ ، إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْمَنْطِقِ وَالْبَيَانِ الَّذِي فِيهَا .
فَكَذَلِكَ مَا فِي آيِ كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : اعْتَبِرْ بِهَا إِلَّا لِمَنْ كَانَ بِمَعَانِي بَيَانِهِ عَالِمًا ، وَبِكَلَامِ الْعَرَبِ عَارِفًا; وَإِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ - لِمَنْ كَانَ بِذَلِكَ مِنْهُ جَاهِلًا - أَنْ يَعْلَمَ مَعَانِيَ كَلَامِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ بَعْدُ ، وَيَتَّعِظَ بِحِكَمِهِ وَصُنُوفِ عِبَرِهِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ - كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيُهُ جَاهِلًا . وَإِذْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِذَلِكَ إِلَّا وَهُمْ بِمَا يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ عَالِمُونَ ، صَحَّ أَنَّهُمْ - بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يُحْجَبْ عَنْهُمْ عِلْمُهُ مِنْ آيِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْهُ دُونَ خَلْقِهِ ، الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا صِفَتَهُ آنِفًا - عَارِفُونَ .
وَإِذْ صَحَّ ذَلِكَ فَسَدَ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ الْمُفَسِّرِينَ - مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ - مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْ خَلْقِهِ تَأْوِيلَهُ .