حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ وَسُوَرِهِ وَآيِهِ

] ، وَقَالَ : ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [ سُورَةُ النَّمْلِ : 76 ] . وَمِنْهُنَّ : الْفُرْقَانُ ، قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي وَحْيِهِ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَمِّيهِ بِذَلِكَ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 1 . وَمِنْهُنَّ : الْكِتَابُ : قَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 1 ] .

وَمِنْهُنَّ : الذِّكْرُ ، قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَسْمِيَتِهِ إِيَّاهُ بِهِ : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَـزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 9 ] . وَلِكُلِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْأَرْبَعَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، مَعْنًى وَوَجْهٌ غَيْرُ مَعْنَى الْآخَرِ وَوَجْهِهِ . فَأَمَّا الْقُرْآنُ ، فَإِنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .

وَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنَ التِّلَاوَةِ وَالْقِرَاءَةِ ، وَأَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَأَتُ ، كَقَوْلِكَ الْخُسْرَانُ مِنْ خَسِرْتُ ، وَ الْغُفْرَانُ مِنْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ، وَ الْكُفْرَانُ مِنْ كَفَرْتُكَ ، وَالْفُرْقَانُ مِنْ فَرَقَ اللَّهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . 117 - وَذَلِكَ أَنْ يَحْيَى بْنَ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيَّ حَدَّثَنِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَإِذَا قَرَأْنَاهُ يَقُولُ : بَيَّنَّاهُ ، فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ [ سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 18 ] يَقُولُ : اعْمَلْ بِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا : فَإِذَا بَيَّنَّاهُ بِالْقِرَاءَةِ ، فَاعْمَلْ بِمَا بَيَّنَّاهُ لَكَ بِالْقِرَاءَةِ .

وَمِمَّا يُوَضِّحُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، مَا : - 118 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [ سُورَةُ الْقِيَامَةِ : 17 ] قَالَ : أَنْ نُقْرِئَكَ فَلَا تَنْسَى فَإِذَا قَرَأْنَاهُ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ يَقُولُ : إِذَا تُلِيَ عَلَيْكَ فَاتَّبِعْ مَا فِيهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَقَدْ صَرَّحَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ مَعْنَى الْقُرْآنِ عِنْدَهُ الْقِرَاءَةُ ، فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَأْتُ ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ . وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ قَتَادَةَ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : قَرَأْتُ الشَّيْءَ ، إِذَا جَمَعْتَهُ وَضَمَمْتَ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ ، كَقَوْلِكَ : مَا قَرَأَتْ هَذِهِ النَّاقَةُ سَلًى قَطُّ تُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَضْمُمْ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ ، كَمَا قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَّغْلَبِيُّ : تُرِيكَ - إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ ، وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونَ الْكَاشِحِينَا - ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ ، هِجَانِ اللَّوْنِ ، لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا ، لَمْ تَضْمُمْ رَحِمًا عَلَى وَلَدٍ .

119 - وَذَلِكَ أَنْ بِشْرَ بْنَ مُعَاذٍ الْعَقَدِيَّ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ يَقُولُ : حِفْظَهُ وَتَأْلِيفَهُ ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ اتَّبِعْ حَلَالَهُ ، وَاجْتَنِبْ حَرَامَهُ . 120 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَمِّرُ ، عَنْ قَتَادَةَ بِمَثَلِهِ . فَرَأْيُ قَتَادَةَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ : التَّأْلِيفُ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ - أَعَنِي قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَوْلَ قَتَادَةَ - اللَّذَيْنِ حَكَيْنَاهُمَا ، وَجْهٌ صَحِيحٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى قَوْلَيْهِمَا بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ . لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ نَبِيَّهُ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ بِاتِّبَاع مَا أَوْحَى إِلَيْهِ ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي تَرْكِ اتِّبَاعِ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ إِلَى وَقْتِ تَأْلِيفِهِ الْقُرْآنَ لَهُ .

فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ نَظِيرَ سَائِرِ مَا فِي آيِ الْقُرْآنِ الَّتِي أَمَرَهُ اللَّهُ فِيهَا بِاتِّبَاعِ مَا أَوْحَى إِلَيْهِ فِي تَنْزِيلِهِ . وَلَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ فإذا ألَّفناه فاتبع ما ألَّفنا لك فيه : لوجب أن لا يكون كان لزِمه فرضُ ) ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( ولا فرضُ ) ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ ( [ سورة المدثر : 1 2 ، قَبْلَ أَنْ يُؤَلَّفَ إِلَى ذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْقُرْآنِ . وَذَلِكَ ، إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ ، خُرُوجٌ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْمِلَّةِ .

وَإِذْ صَحَّ أَنَّ حُكْمَ كُلِّ آيَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ كَانَ لَازِمًا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ ، مُؤَلَّفَةً كَانَتْ إِلَى غَيْرِهَا أَوْ غَيْرَ مُؤَلَّفَةٍ - صَحَّ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ أَنَّهُ يَعْنِي بِهِ : فَإِذَا بَيَّنَاهُ لَكَ بِقِرَاءَتِنَا ، فَاتَّبِعْ مَا بَيَّنَاهُ لَكَ بِقِرَاءَتِنَا - دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ ، فَإِذَا أَلَّفْنَاهُ فَاتَّبِعْ مَا أَلَّفْنَاهُ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْلَ الشَّاعِرِ : ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا يَعْنِي بِهِ قَائِلُهُ : تَسْبِيحًا وَقِرَاءَةً . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى قُرْآنًا بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْرُوءٌ ؟ قِيلَ : كَمَا جَازَ أَنْ يُسَمَّى الْمَكْتُوبُ كِتَابًا ، بِمَعْنَى : كِتَابِ الْكَاتِبِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي صِفَةِ كِتَابِ طَلَاقٍ كَتَبَهُ لِامْرَأَتِهِ : تُؤَمِّلُ رَجْعَةً مِنِّي ، وَفِيهَا كِتَابٌ مِثْلَ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ يُرِيدُ : طَلَاقًا مَكْتُوبًا ، فَجَعَلَ الْمَكْتُوبَ كِتَابًا .

وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ فُرْقَانٌ ، فَإِنَّ تَفْسِيرَ أَهْلِ التَّفْسِيرِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ ، هِيَ فِي الْمَعَانِي مُؤْتَلِفَةٌ . 121 - فَقَالَ عِكْرِمَةُ ، فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ النَّجَاةُ . وَكَذَلِكَ كَانَ السُّدِّيُّ يَتَأَوَّلُهُ .

122 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ - وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ غَيْرِهِمَا . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : الْفُرْقَانُ : الْمَخْرَجُ . 123 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .

وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِهِ بِذَلِكَ . 124 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ الْفُرْقَانِ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 41 ] يَوْمٌ فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .

125 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ . وَكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ فِي مَعْنَى الْفُرْقَانِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهَا - مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ جُعِلَ لَهُ مَخْرَجٌ مِنْ أَمَرٍ كَانَ فِيهِ ، فَقَدْ جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ الْمَخْرَجُ مِنْهُ نَجَاةً .

وَكَذَلِكَ إِذَا نُجِّيَ مِنْهُ ، فَقَدْ نُصِرَ عَلَى مَنْ بَغَاهُ فِيهِ سُوءًا ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاغِيهِ السُّوءَ . فَجَمِيعُ مَا رَوَيْنَا - عَمَّنْ رُوِّينَا عَنْهُ - فِي مَعْنَى الْفُرْقَانِ ، قَوْلٌ صَحِيحُ الْمَعَانِي ، لِاتِّفَاقِ مَعَانِي أَلْفَاظِهِمْ فِي ذَلِكَ . وَأَصْلُ الْفُرْقَانِ عِنْدَنَا : الْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْفَصْلُ بَيْنَهُمَا .

وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِقَضَاءٍ ، وَاسْتِنْقَاذٍ ، وَإِظْهَارِ حُجَّةٍ ، وَنَصْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقُرْآنَ سُمِّيَ فُرْقَانًا ، لِفَصْلِهِ - بِحُجَجِهِ وَأَدِلَّتِهِ وَحُدُودِ فَرَائِضِهِ وَسَائِرِ مَعَانِي حُكْمِهِ - بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ . وَفُرْقَانُهُ بَيْنَهُمَا : بِنَصْرِهِ الْمُحِقَّ ، وَتَخْذِيلِهِ الْمُبْطِلَ ، حُكْمًا وَقَضَاءً .

وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ كِتَابٌ : فَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ كَتَبْتُ كِتَابًا كَمَا تَقُولُ : قُمْتُ قِيَامًا ، وَحَسَبْتُ الشَّيْءَ حِسَابًا . وَالْكِتَابُ : هُوَ خَطُّ الْكَاتِبِ حُرُوفَ الْمُعْجَمِ مَجْمُوعَةً وَمُفْتَرِقَةً . وَسُمِّيَ كِتَابًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُوبٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدْنَا بِهِ : وَفِيهَا كِتَابٌ مِثْلَ مَا لَصِقَ الْغِرَاءُ يَعْنِي بِهِ مَكْتُوبًا .

وَأَمَّا تَأْوِيلُ اسْمِهِ الَّذِي هُوَ ذِكْرٌ ، فَإِنَّهُ مُحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ، ذَكَّرَ بِهِ عِبَادَهُ ، فَعَرَّفَهُمْ فِيهِ حُدُودَهُ وَفَرَائِضَهُ ، وَسَائِرَ مَا أَوْدَعَهُ مِنْ حِكَمِهِ . وَالْآخَرُ : أَنَّهُ ذِكْرٌ وَشَرَفٌ وَفَخْرٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَ بِمَا فِيهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 44 ] ، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ شَرَفٌ لَهُ وَلِقَوْمِهِ . ثُمَّ لِسُوَرِ الْقُرْآنِ أَسْمَاءٌ سَمَّاهَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : 126 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَوَّامِ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ ، جَمِيعًا - عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلِ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ ، وَأُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ .

127 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُعْطِيتُ السَّبْعَ الطُّوَلَ مَكَانَ التَّوْرَاةِ ، وَأُعْطِيتُ الْمَثَانِيَ مَكَانَ الزَّبُورِ ، وَأُعْطِيتُ الْمِئِينَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ ، وَفُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ . قَالَ خَالِدٌ : كَانُوا يُسَمُّونَ الْمُفَصَّلَ : الْعَرَبِيَّ . قَالَ خَالِدٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ فِي الْعَرَبِيِّ سَجْدَةٌ .

128 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الطُّوَلُ كَالتَّوْرَاةِ ، وَالْمَئُونَ كَالْإِنْجِيلِ ، وَالْمَثَانِي كَالزَّبُورِ ، وَسَائِرِ الْقُرْآنِ بَعْدُ فَضْلٌ عَلَى الْكُتُبِ . 129 - حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ الْوَصَّابِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَفْصٍ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا أَبُو حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ أَعْطَانِي رِبِّي مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ ، وَمَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ ، وَمَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ ، وَفَضَّلَنِي رَبِّي بِالْمُفَصَّلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالسَّبْعُ الطُّوَلُ : الْبَقَرَةُ ، وَآلُ عِمْرَانَ ، وَالنِّسَاءُ ، وَالْمَائِدَةُ ، وَالْأَنْعَامُ ، وَالْأَعْرَافُ ، وَيُونُسُ ، فِي قَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .

130 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ يَدُلُّ عَلَى مُوَافَقَتِهِ قَوْلَ سَعِيدٍ هَذَا . 131 - وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ ، قَالُوا : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَزِيدُ الْفَارِسِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ : قَالَ : قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ ، وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي ، وَإِلَى بَرَاءَةٌ وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلَمْ تَكْتُبُوا سَطْرًا : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ عُثْمَانُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تُنَزَّلُ عَلَيْهِ السُّورُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بِبَعْضٍ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ : ضَعُوا هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا .

وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ بَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا ، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا . فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَوَضَعْتُهُمَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ . فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْأَنْفَالَ وَبَرَاءَةٌ مِنَ السَّبْعِ الطُّوَلِ ، وَيُصَرِّحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهَا .

وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّوَرُ السَّبْعَ الطُّوَلَ ، لِطُولِهَا عَلَى سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ . وَأَمَّا الْمِئُونُ : فَهِيَ مَا كَانَ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ عَدَدُ آيِهِ مِائَةُ آيَةٍ ، أَوْ تَزِيدُ عَلَيْهَا شَيْئًا أَوْ تَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا يَسِيرًا . وَأَمَّا الْمَثَانِي : فَإِنَّهَا مَا ثَنَّى الْمِئِينَ فَتَلَاهَا ، وَكَانَ الْمِئُونَ لَهَا أَوَائِلَ ، وَكَانَ الْمَثَانِي لَهَا ثَوَانِيَ .

وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمَثَانِيَ سُمِّيَتْ مَثَانِيَ ، لِتَثْنِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيهَا الْأَمْثَالَ وَالْخَبَرَ وَالْعِبَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنُ عَبَّاسٍ . 132 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا ثُنِّيَتْ فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ .

133 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُمْ : الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَثَانٍ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى : بَلِ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ، لِأَنَّهَا تُثَنَّى قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ .

وَسَنَذْكُرُ أَسْمَاءَ قَائِلِي ذَلِكَ وَعِلَلَهُمْ ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ ، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 87 ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ . وَبِمِثْلِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَسْمَاءِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذُكِرَتْ ، جَاءَ شِعْرُ الشُّعَرَاءِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِي طُوِّلَتْ وَبِمِئِينَ بَعْدَهَا قَدْ أُمْئِيَتْ وَبِمَثَانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ وَبِالطَّوَاسِينِ الَّتِي قَدْ ثُلِّثَتْ وَبِالْحَوَامِيمِ اللَّوَاتِي سُبِّعَتْ وَبِالْمُفَصَّلِ اللَّواتِي فُصِّلَتْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ : وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأْوَّلْنَاهُ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ .

وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ : فَإِنَّهَا سُمِّيَتْ مُفَصَّلًا لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ الَّتِي بَيْنَ سُوَرِهَا بِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ تُسَمَّى كُلُّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً ، وَتُجْمَعُ سُوَرًا ، عَلَى تَقْدِيرِ خُطْبَةٍ وَخُطَبٍ ، وَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ . وَالسُّورَةُ ، بِغَيْرِ هَمْزٍ : الْمَنْزِلَةُ مِنْ مَنَازِلَ الِارْتِفَاعِ .

وَمِنْ ذَلِكَ سُوَرُ الْمَدِينَةِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الْحَائِطُ الَّذِي يَحْوِيهَا ، لِارْتِفَاعِهِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ . غَيْرَ أَنَّ السُّورَةَ مِنْ سُوَرِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِهَا سُوَرٌ ، كَمَا سُمِعَ فِي جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُوَرٌ . قَالَ الْعَجَّاجُ فِي جَمْعِ السُّورَةِ مِنَ الْبِنَاءِ : فَرُبَّ ذِي سُرَادِقٍ مَحْجُورِ سُرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ فَخَرَجَ تَقْدِيرُ جَمْعِهَا عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِ بُرَّةٍ وَبُسْرَةٍ ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُجْمَعُ بُرًّا وَبُسْرًا .

وَكَذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُورٌ ، وَلَوْ جُمِعَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خَطَأً فِي الْقِيَاسِ ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ الْقُرْآنِ . وَإِنَّمَا تَرَكُوا - فِيمَا نَرَى - جَمْعَهُ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ كَانَ بِلَفْظٍ الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ مِثْلَ : بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَقَصَبٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ جِمَاعَهُ يَجْرِي مَجْرَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ . لِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ مِنْهُ مُنْفَرِدًا قَلَمَّا يُصَابُ ، فَجَرَى جِمَاعُهُ مَجْرَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ ثُمَّ جُعِلَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ كَالْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِهِ ، فَقِيلَ : بُرَّةٌ وَشُعَيْرَةٌ وَقَصَبَةٌ ، يُرَادُ بِهِ قِطْعَةٌ مِنْهُ .

وَلَمْ تَكُنْ سُوَرُ الْقُرْآنِ مَوْجُودَةً مُجْتَمِعَةً اجْتِمَاعَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسُورِ الْمَدِينَةِ ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ مِنْهَا مَوْجُودَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا ، انْفِرَادَ كُلِّ غُرْفَةٍ مِنَ الْغُرَفِ وَخُطْبَةٍ مِنَ الْخُطَبِ ، فَجُعِلَ جَمْعُهَا جَمْعَ الْغُرَفِ وَالْخُطَبِ ، الْمَبْنِيِّ جَمْعُهَا مِنْ وَاحِدِهَا . وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى السُّورَةِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ الِارْتِفَاعِ ، قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مَنْزِلَةً مِنْ مَنَازِلَ الشَّرَفِ الَّتِي قَصُرَتْ عَنْهَا مَنَازِلُ الْمُلُوكِ . وَقَدْ هَمْزَ بَعْضُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ .

وَتَأْوِيلُهَا ، فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَهَا ، الْقِطْعَةُ الَّتِي قَدْ أُفْضِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ عَمَّا سِوَاهَا وَأُبْقِيَتْ . وَذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ شَيْءٍ : الْبَقِيَّةُ مِنْهُ تَبْقَى بَعْدَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفَضْلَةُ مِنْ شَرَابِ الرَّجُلِ - يَشْرَبُهُ ثُمَّ يُفْضِلُهَا فَيُبْقِيهَا فِي الْإِنَاءِ - سُؤْرًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ ، يَصِفُ امْرَأَةً فَارَقَتْهُ فَأَبْقَتْ فِي قَلْبِهِ مِنْ وَجْدِهَا بَقِيَّةً : فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْفُؤَادِ صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيَرَا وَقَالَ الْأَعْشَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ : بَانَتْ ، وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتَهَا ، بَعْدَ ائْتِلَافٍ; وَخَيْرُ الْوُدِّ مَا نَفَعَا وَأَمَّا الْآيَةُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ آيَةً ، لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ يُعَرَفُ بِهَا تَمَامُ مَا قَبْلَهَا وَابْتِدَاؤُهَا ، كَالْآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ : أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا يَعْنِي : بِعَلَامَةِ ذَلِكَ .

وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : رَبَّنَا أَنْـزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 114 ] أَيْ عَلَامَةً مِنْكَ لِإِجَابَتِكَ دُعَاءَنَا وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا سُؤْلَنَا . وَالْآخَرُ مِنْهُمَا : الْقِصَّةُ ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى : أَلَّا أَبْلِغَا هَذَا الْمُعَرِّضَ آيَةً : أَيَقْظَانَ قَالَ الْقَوْلَ إِذْ قَالَ أَمْ حَلَمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ آيَةً : رِسَالَةً مِنِّي وَخَبَرًا عَنِّي . فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَاتِ : الْقِصَصُ ، قِصَّةٌ تَتْلُو قِصَّةً ، بِفُصُولٍ وَوُصُولٍ .

موقع حَـدِيث