الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " اهْدِنَا "
) . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَمَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَنَا : وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَيْهِ ، كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : - 173 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عِمَارَة ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. يَقُولُ : أَلْهِمْنَا الطَّرِيقَ الْهَادِيَ .
وَإِلْهَامُهُ إِيَّاهُ ذَلِكَ ، هُوَ تَوْفِيقُهُ لَهُ ، كَالَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ . وَمَعْنَاهُ نَظِيرُ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فِي أَنَّهُ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لِلثَّبَاتِ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ، وَإِصَابَةِ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ ، فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمُرِهِ ، دُونَ مَا قَدْ مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِ ، وَتَقَضَّى فِيمَا سَلَفَ مِنْ عُمُرِهِ . كَمَا فِي قَوْلِهِ : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، مَسْأَلَةٌ مِنْهُ رَبَّهُ الْمَعُونَةَ عَلَى أَدَاءِ مَا قَدْ كَلَّفَهُ مِنْ طَاعَتِهِ ، فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ .
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ ، مُخْلِصِينَ لَكَ الْعِبَادَةَ دُونَ مَا سِوَاكَ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ ، فَأَعِنَّا عَلَى عِبَادَتِكَ ، وَوَفِّقْنَا لِمَا وَفَّقْتَ لَهُ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ أَنْبِيَائِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ ، مِنَ السَّبِيلِ وَالْمِنْهَاجِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَأَنَّى وَجَدْتَ الْهِدَايَةَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى التَّوْفِيقِ ؟ قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ فِي كَلَامِهَا أَكْثَرُ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى عَدَدُ مَا جَاءَ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاهِدِ . فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَا تَحْرِمَنِّي ، هَدَاكَ اللَّهُ ، مَسْأَلَتِي وَلَا أكُونَنْ كَمَنْ أَوْدَى بِهِ السَّفَرُ يَعْنِي بِهِ : وَفَّقَكَ اللَّهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِي .
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ : وَلَا تُعْجِلَنِّي هَدَاكَ الْمَلِيكُ فَإِنَّ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالَا فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ : وَفَّقَكَ اللَّهُ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ فِي أَمْرِي . وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنْ تَنْزِيلِهِ . وَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ ، أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ أَنَّهُ لَا يُبَيِّنُ لِلظَّالِمِينَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَرَائِضِهِ .
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، وَقَدْ عَمَّ بِالْبَيَانِ جَمِيعَ الْمُكَلَّفِينَ مَنْ خَلْقِهِ ؟ وَلَكِنَّهُ عَنَى جَلَّ وَعَزَّ أَنَّهُ لَا يُوَفِّقُهُمْ ، وَلَا يَشْرَحُ لِلْحَقِّ وَالْإِيمَانِ صُدُورَهُمْ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : ( اهْدِنَا ) : زِدْنَا هِدَايَةً . وَلَيْسَ يَخْلُو هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ ظَنَّ قَائِلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِمَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ فِي الْبَيَانِ ، أَوِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ .
فَإِنْ كَانَ ظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ الزِّيَادَةَ فِي الْبَيَانِ ، فَذَلِكَ مَا لَا وَجْهَ لَهُ; لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يُكَلِّفُ عَبْدًا فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِهِ ، إِلَّا بَعْدَ تَبْيِينِهِ لَهُ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِهِ . وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَعْنَى مَسْأَلَتِهِ الْبَيَانَ ، لَكَانَ قَدْ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا فَرَضَ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ خَلْفٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَفْرِضُ فَرْضًا إِلَّا مُبَيَّنًا لِمَنْ فَرَضَهُ عَلَيْهِ . أَوْ يَكُونُ أُمِرَ أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِ الْفَرَائِضَ الَّتِي لَمْ يَفْرِضْهَا .
وَفِي فَسَادِ وَجْهِ مَسْأَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ ذَلِكَ ، مَا يُوَضِّحُ عَنْ أَنَّ مَعْنَى : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، غَيْرُ مَعْنَى : بَيِّنْ لَنَا فَرَائِضَكَ وَحُدُودَكَ . أَوْ يَكُونُ ظَنَّ أَنَّهُ أُمِرَ بِمَسْأَلَةِ رَبِّهِ الزِّيَادَةَ فِي الْمَعُونَةِ وَالتَّوْفِيقِ . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَنْ تَخْلُوَ مَسْأَلَتُهُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَسْأَلَةً لِلزِّيَادَةِ فِي الْمَعُونَةِ عَلَى مَا قَدْ مَضَى مِنْ عَمَلِهِ ، أَوْ عَلَى مَا يَحْدُثُ .
وَفِي ارْتِفَاعِ حَاجَةِ الْعَبْدِ إِلَى الْمَعُونَةِ عَلَى مَا قَدْ تَقَضَّى مِنْ عَمَلِهِ ، مَا يُعْلِمُ أَنَّ مَعْنَى مَسْأَلَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ إِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَتُهُ الزِّيَادَةَ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ عَمَلِهِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، صَارَ الْأَمْرُ إِلَى مَا وَصَفْنَا وَقُلْنَا فِي ذَلِكَ : مِنْ أَنَّهُ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ التَّوْفِيقَ لِأَدَاءِ مَا كُلِّفَ مِنْ فَرَائِضِهِ ، فِيمَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ عُمُرِهِ . وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ ، فَسَادُ قَوْلِ أَهْلِ الْقَدَرِ الزَّاعِمِينَ أَنَّ كُلَّ مَأْمُورٍ بِأَمْرٍ أَوْ مُكَلَّفٍ فَرْضًا ، فَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْمَعُونَةِ عَلَيْهِ ، مَا قَدِ ارْتَفَعَتْ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْفَرْضِ حَاجَتُهُ إِلَى رَبِّهِ .
لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ ، لَبَطَلَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. وَفِي صِحَّةِ مَعْنَى ذَلِكَ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا ، فَسَادُ قَوْلِهِمْ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ : أَسْلِكْنَا طَرِيقَ الْجَنَّةِ فِي الْمَعَادِ ، أَيْ قَدِّمْنَا لَهُ وَامْضِ بِنَا إِلَيْهِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 23 ، أَيْ أَدْخِلُوهُمُ النَّارَ ، كَمَا تُهْدَى الْمَرْأَةُ إِلَى زَوْجِهَا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهَا تُدْخَلُ إِلَيْهِ ، وَكَمَا تُهْدَى الْهَدِيَّةُ إِلَى الرَّجُلِ ، وَكَمَا تَهْدِي السَّاقَ الْقَدَمُ ، نَظِيرَ قَوْلِ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ : لَعِبَتْ بَعْدِي السُّيُولُ بِهِ وجَرَى فِي رَوْنَقٍ رِهْمُهْ لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ أَيْ تَرِدُ بِهِ الْمَوَارِدُ .
وَفِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ هَذَا التَّأْوِيلِ ، مَعَ شَهَادَةِ الْحُجَّةِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَخْطِئَتِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْمُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الصِّرَاطَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ مَسْأَلَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ الْمَعُونَةَ عَلَى عِبَادَتِهِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ اهْدِنَا إِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَةُ الثَّبَاتِ عَلَى الْهُدَى فِيمَا بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ .
وَالْعَرَبُ تَقُولُ : هَدَيْتُ فُلَانًا الطَّرِيقَ ، وهَدَيْتُهُ لِلطَّرِيقِ ، وهَدَيْتُهُ إِلَى الطَّرِيقِ ، إِذَا أَرْشَدْتَهُ إِلَيْهِ وَسَدَّدْتَهُ لَهُ . وَبِكُلِّ ذَلِكَ جَاءَ الْقُرْآنُ ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 43 ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سُورَةُ النَّحْلِ : 121 ، وَقَالَ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾. وَكُلُّ ذَلِكَ فَاشٍ فِي مَنْطِقِهَا ، مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهَا ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ، رَبَّ الْعِبَادِ ، إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ يُرِيدُ : أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنْبٍ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ سُورَةُ غَافِرٍ : 55 .
وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ : فَيَصِيدُنَا الْعَيْرَ الْمُدِلَّ بِحُضْرِهِ قَبْلَ الْوَنَى وَالأَشْعَبَ النَبَّاحَا يُرِيدُ : فَيَصِيدُ لَنَا . وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي أَشْعَارِهِمْ وَكَلَامِهِمْ ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنْهُ كِفَايَةٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ، هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ . وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيِّ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقيمِ يُرِيدُ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْهُذَلِيِّ أَبِي ذُؤَيْبٍ : صَبَحْنَا أَرْضَهُمْ بِالْخَيْلِ حَتَّى تَرَكْنَاهَا أَدَقَّ مِنَ الصِّرَاطِ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : فَصُدَّ عَنْ نَهْجِ الصِّرَاطِ الْقَاصِدِ وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا غِنًى عَمَّا تَرَكْنَا .
ثُمَّ تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الصِّرَاطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وُصِفَ بِاسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ ، فَتَصِفُ الْمُسْتَقِيمَ بِاسْتِقَامَتِهِ ، وَالْمُعْوَجَّ بِاعْوِجَاجِهِ . وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدِي ، أَعْنِي : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ : وَفِّقْنَا لِلثَّبَاتِ عَلَى مَا ارْتَضَيْتَهُ وَوَفَّقْتَ لَهُ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِكَ ، مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ ، وَذَلِكَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ . لِأَنَّ مَنْ وُفِّقَ لِمَا وُفِّقَ لَهُ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ، فَقَدْ وُفِّقَ لِلْإِسْلَامِ ، وَتَصْدِيقِ الرُّسُلِ ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْكِتَابِ ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَالِانْزِجَارِ عَمَّا زَجَرَهُ عَنْهُ ، وَاتِّبَاعِ مَنْهَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمِنْهَاجِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ .
وَكُلِّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ ، وَكُلِّ ذَلِكَ مِنَ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . وَقَدِ اخْتَلَفَتْ تَرَاجِمَةُ الْقُرْآنِ فِي الْمَعْنِيِّ بِالصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ . يَشْمَلُ مَعَانِيَ جَمِيعِهِمْ فِي ذَلِكَ ، مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِيهِ .
وَمِمَّا قَالَتْهُ فِي ذَلِكَ ، مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ ، وَذَكَرَ الْقُرْآنَ ، فَقَالَ : هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ . 174 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ ، قَال : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ ، عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 175 - وحُدِّثْتُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِثْلَهُ .
176 - وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ ، عَنْ أَبِي الْمُخْتَارِ الطَّائِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَخِي الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلَيٍّ ، قَالَ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ : كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ . 177 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - ح - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، قَالَ . حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ كِتَابُ اللَّهِ .
قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلْحَسَنِ ، فَقَالَ : صَدَقَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَنَصَحَ 185 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، قَالَ : الْإِسْلَامُ . 186 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيُّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا . وَالصِّرَاطُ : الْإِسْلَامُ .
187 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، بِمِثْلِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا وَصَفَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِقَامَةِ ، لِأَنَّهُ صَوَابٌ لَا خَطَأَ فِيهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْغَبَاءِ ، أَنَّهُ سَمَّاهُ مُسْتَقِيمًا ، لِاسْتِقَامَتِهِ بِأَهْلِهِ إِلَى الْجَنَّةِ .
وَذَلِكَ تَأْوِيلٌ لِتَأْوِيلِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّفْسِيرِ خِلَافٌ ، وَكَفَى بِإِجْمَاعٍ جَمِيعِهِمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلًا عَلَى خَطَئِهِ .