الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ "
) ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَفِيمَنْ نَزَلَتْ . فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ ، كَمَا : - 295 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ، أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَإِنْ قَالُوا إِنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا قَدْ جَاءَنَا مِنْ قَبْلِكَ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَوْبِيخًا لَهُمْ فِي جُحُودِهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ وَمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً .
296 - وَقَدْ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ صَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إِلَى الْمِائَةِ مِنْهَا ، نَزَلَ فِي رِجَالٍ سَمَّاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَنْسَابِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ ، مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ . كَرِهْنَا تَطْوِيلَ الْكِتَابِ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَأْوِيلٍ ذَلِكَ قَوْلٌ آخَرُ ، وَهُوَ مَا : - 297 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَوْلُهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى ، فَأَخْبَرَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ ، وَلَا يَضِلُّ إِلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الشَّقَاءُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 298 - حُدِّثْتُ بِهِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : آيَتَانِ فِي قَادَةِ الْأَحْزَابِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٦ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، قَالَ : وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ٢٨ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 28 ، 29 ، قَالَ : فَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ . وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ . وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ قَوْلٍ مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ مَذْهَبٌ .
فَأَمَّا مَذْهَبُ مَنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَأَنَّ الْإِنْذَارَ غَيْرُ نَافِعِهِمْ ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ قَدْ نَفَعَهُ اللَّهُ بِإِنْذَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ ، لِإِيمَانِهِ بِاللَّهِ وَبِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ - لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ إِلَّا فِي خَاصٍّ مِنَ الْكُفَّارِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ - وَكَانَتْ قَادَةُ الْأَحْزَابِ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَنْفَعُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِإِنْذَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ ، حَتَّى قَتَلَهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ - عُلِمَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ . وَأَمَّا عِلَّتُنَا فِي اخْتِيَارِنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ، فَهِيَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ، عَقِيبَ خَبَرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَعَقِيبَ نَعْتِهِمْ وَصِفَتِهِمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ . فَأَوْلَى الْأُمُورِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ ، أَنْ يُتْلِيَ ذَلِكَ الْخَبَرَ عَنْ كُفَّارِهِمْ وَنُعُوتِهِمْ ، وَذَمِّ أَسْبَابِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ ، وَإِظْهَارَ شَتْمِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ .
لِأَنَّ مُؤْمِنِيهِمْ وَمُشْرِكِيهِمْ - وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُمْ بِاخْتِلَافِ أَدْيَانِهِمْ - فَإِنَّ الْجِنْسَ يَجْمَعُ جَمِيعَهُمْ بِأَنَّهُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ . وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْيَهُودِ مِنْ أَحْبَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ مُنْكِرِينَ نُبُوَّتَهُ - بِإِظْهَارِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ تُسِرُّهُ الْأَحْبَارُ مِنْهُمْ وَتَكْتُمُهُ ، فَيَجْهَلُهُ عُظْمُ الْيَهُودِ وَتَعْلَمُهُ الْأَحْبَارُ مِنْهُمْ - لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَى عِلْمِ ذَلِكَ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُوسَى . إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَوْمُهُ وَلَا عَشِيرَتُهُ يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ الْفُرْقَانِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيُمْكِنَهُمُ ادِّعَاءُ اللَّبْسِ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ نَبِيٌّ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ فَمِنْ عِنْدِ اللَّهِ .
وَأَنَّى يُمْكِنُ ادِّعَاءُ اللَّبْسِ فِي صِدْقِ أُمِّيٍّ نَشَأَ بَيْنَ أُمِّيِّينَ لَا يَكْتُبُ وَلَا يَقْرَأُ ، وَلَا يَحْسُبُ ، فَيُقَالُ قَرَأَ الْكُتُبَ فَعَلِمَ ، أَوْ حَسَبَ فَنَجَّمَ ؟ وَانْبَعَثَ عَلَى أَحْبَارٍ قُرَّاءٍ كَتَبَةٍ - قَدْ دَرَسُوا الْكُتُبَ وَرَأَسُوا الْأُمَمَ - يُخْبِرُهُمْ عَنْ مَسْتُورِ عُيُوبِهِمْ ، وَمَصُونِ عُلُومِهِمْ ، وَمَكْتُومِ أَخْبَارِهِمْ ، وَخَفِيَّاتِ أُمُورِهِمُ الَّتِي جَهِلَهَا مَنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنْ أَحْبَارِهِمْ . إِنَّ أَمْرَ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَغَيْرُ مُشْكِلٍ ، وَإِنَّ صِدْقَهُ لَبَيِّنٌ . وَمِمَّا يُنْبِئُ عَنْ صِحَّةٍ مَا قُلْنَا - مِنْ أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ هُمْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ الَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى الْكُفْرِ وَمَاتُوا عَلَيْهِ - اقْتِصَاصُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبَأَهُمْ ، وَتَذْكِيرُهُ إِيَّاهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بَعْدَ اقْتِصَاصِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا اقْتَصَّ مِنْ أَمْرِ الْمُنَافِقِينَ ، وَاعْتِرَاضِهِ بَيْنَ ذَلِكَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ إِبْلِيسَ وَآدَمَ - فِي قَوْلِهِ : يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 40 وَمَا بَعْدَهَا ، وَاحْتِجَاجُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِمْ ، بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا بَعْدَ جُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ .
فَإِذْ كَانَ الْخَبَرُ أَوَّلًا عَنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَآخِرًا عَنْ مُشْرِكِيهِمْ ، فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ وَسَطًا : - عَنْهُمْ . إِذْ كَانَ الْكَلَامُ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ تَبَعٌ ، إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ بِعُدُولِ بَعْضِ ذَلِكَ عَمَّا ابْتَدَأَ بِهِ مِنْ مَعَانِيهِ ، فَيَكُونَ مَعْرُوفًا حِينَئِذٍ انْصِرَافُهُ عَنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى الْكُفْرِ فِي قَوْلِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَإِنَّهُ الْجُحُودُ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْبَارَ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ جَحَدُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَتَرُوهُ عَنِ النَّاسِ وَكَتَمُوا أَمْرَهُ ، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ . وَأَصْلُ الْكُفْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ : تَغْطِيَةُ الشَّيْءِ ، وَلِذَلِكَ سَمَّوُا اللَّيْلَ كَافِرًا ، لِتَغْطِيَةِ ظُلْمَتِهِ مَا لَبِسَتْهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَتَذَكَّرَا ثَقَلًا رَثِيدًا ، بَعْدَمَا أَلْقَتْ ذُكَاءَ يَمِينِهَا فِي كَافِرِ وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ : فِي لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمَامُهَا يَعْنِي غَطَّاهَا . فَكَذَلِكَ الْأَحْبَارُ مِنْ الْيَهُودِ غَطَّوْا أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوهُ النَّاسَ - مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ ، وَوُجُودِهِمْ صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ - فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 159 ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) وَتَأْوِيلُ سَوَاءٌ : مُعْتَدِلٌ . مَأْخُوذٌ مِنَ التَّسَاوِي ، كَقَوْلِكَ : مُتَسَاوٍ هَذَانِ الْأَمْرَانِ عِنْدِي ، وَ هُمَا عِنْدِي سَوَاءٌ ، أَيْ هُمَا مُتَعَادِلَانِ عِنْدِي ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 58 ، يَعْنِي : أَعْلِمْهُمْ وَآذِنْهُمْ بِالْحَرْبِ ، حَتَّى يَسْتَوِيَ عِلْمُكَ وَعِلْمُهُمْ بِمَا عَلَيْهِ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ : مُعْتَدِلٌ عِنْدَهُمْ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْكَ إِلَيْهِمْ ، الْإِنْذَارُ أَمْ تَرْكُ الْإِنْذَارِ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَقَدْ خَتَمْتُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ .
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ : تُغِذُّ بِيَ الشَّهْبَاءُ نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ سَوَاءٌ عَلَيْهَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا يَعْنِي بِذَلِكَ : مُعْتَدِلٌ عِنْدَهَا فِي السَّيْرِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، لِأَنَّهُ لَا فُتُورَ فِيهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ وَلَيْلٍ يَقُولُ الْمَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِهِ سَوَاءٌ صَحِيحَاتُ الْعُيُونِ وَعُورُهَا لِأَنَّ الصَّحِيحَ لَا يُبْصِرُ فِيهِ إِلَّا بَصَرًا ضَعِيفًا مِنْ ظُلْمَتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الْكَلَامُ ظُهُورَ الِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ خَبَرٌ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِعَ أَيٍّ كَمَا تَقُولُ : لَا نُبَالِي أَقَمْتَ أَمْ قَعَدْتَ ، وَأَنْتَ مُخْبِرٌ لَا مُسْتَفْهِمٌ ، لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِعَ أَيٍّ .
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ : مَا نُبَالِي أَيُّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْكَ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ، لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَيُّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْكَ إِلَيْهِمْ - حَسُنَ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ سَوَاءٌ : أَفَعَلْتَ أَمْ لَمْ تَفْعَلْ . وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ إِنَّمَا دَخَلَ مَعَ سَوَاءٌ ، وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامِ ، لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِمَ إِذَا اسْتَفْهَمَ غَيْرَهُ فَقَالَ : أَزْيَدٌ عِنْدَكَ أَمْ عَمْرٌو ؟ مُسْتَثْبِتٌ صَاحِبَهُ أَيُّهُمَا عِنْدَهُ .
فَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَحَقَّ بِالِاسْتِفْهَامِ مِنَ الْآخَرِ . فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ بِمَعْنَى التَّسْوِيَةِ ، أَشْبَهَ ذَلِكَ الِاسْتِفْهَامَ ، إِذْ أَشْبَهَهُ فِي التَّسْوِيَةِ . وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا : مُعْتَدِلٌ يَا مُحَمَّدٌ - عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتَكَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودِ الْمَدِينَةِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهَا ، وَكَتَمُوا بَيَانَ أَمْرِكَ لِلنَّاسِ بِأَنَّكَ رَسُولِي إِلَى خَلْقِي ، وَقَدْ أَخَذْتُ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا يَكْتُمُوا ذَلِكَ ، وَأَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ ، وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ صِفَتَكَ فِي كُتُبِهِمْ - أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ، فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَلَا يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَقِّ ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِكَ وَبِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ . كَمَا : - 299 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ، أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ ذِكْرٍ ، وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ لَكَ ، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكَ ، وَبِمَا عِنْدَهُمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرَكَ ، فَكَيْفَ يَسْمَعُونَ مِنْكَ إِنْذَارًا وَتَحْذِيرًا ، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مَنْ عِلْمِكَ ؟ .