الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ الْخَتْمَ : الطَّبْعُ . وَالْخَاتَمُ هُوَ الطَّابَعُ . يُقَالُ مِنْهُ : خَتَمْتُ الْكِتَابَ ، إِذَا طَبَعْتَهُ .
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ يَخْتِمُ عَلَى الْقُلُوبِ ، وَإِنَّمَا الْخَتْمُ طَبْعٌ عَلَى الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ وَالْغُلْفِ ؟ قِيلَ : فَإِنَّ قُلُوبَ الْعِبَادِ أَوْعِيَةٌ لِمَا أُودِعَتْ مِنَ الْعُلُومِ ، وَظُرُوفٌ لِمَا جُعِلَ فِيهَا مِنَ الْمَعَارِفِ بِالْأُمُورِ . فَمَعْنَى الْخَتْمِ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَسْمَاعِ - الَّتِي بِهَا تُدْرَكُ الْمَسْمُوعَاتُ ، وَمِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْأَنْبَاءِ عَنِ الْمُغَيَّبَاتِ - نَظِيرُ مَعْنَى الْخَتْمِ عَلَى سَائِرِ الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ . فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ صِفَةٍ تَصِفُهَا لَنَا فَنَفْهَمَهَا ؟ أَهِيَ مِثْلُ الْخَتْمِ الَّذِي يُعْرَفُ لِمَا ظَهَرَ لِلْأَبْصَارِ ، أَمْ هِيَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ ذَلِكَ ، وَسَنُخْبِرُ بِصِفَتِهِ بَعْدَ ذِكْرِنَا قَوْلَهُمْ : 300 - فَحَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى الرَّمْلِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، قَالَ : أَرَانَا مُجَاهِدٌ بِيَدِهِ فَقَالَ : كَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي مِثْلِ هَذَا - يَعْنِي الْكَفَّ - فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنْهُ - وَقَالَ بِإِصْبَعِهِ الْخِنْصَرِ هَكَذَا - فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ - وَقَالَ بِإِصْبَعٍ أُخْرَى - فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ - وَقَالَ بِإِصْبَعٍ أُخْرَى هَكَذَا ، حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا ، قَالَ : ثُمَّ يُطْبَعُ عَلَيْهِ بِطَابَعٍ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ : الرَّيْنُ . 301 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَالَ : الْقَلْبُ مِثْلُ الْكَفِّ ، فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا قَبَضَ أُصْبُعًا حَتَّى يَقْبِضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا - وَكَانَ أَصْحَابُنَا يُرُونَ أَنَّهُ الرَّانُ . 302 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : نُبِّئْتُ أَنَّ الذُّنُوبَ عَلَى الْقَلْبِ تَحُفُّ بِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ ، فَالْتِقَاؤُهَا عَلَيْهِ الطَّبْعُ ، وَالطَّبْعُ : الْخَتْمُ .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : الْخَتْمُ ، الْخَتْمُ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ . 303 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ : الرَّانُ أَيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ ، وَالطَّبْعُ أَيْسَرُ مِنَ الْأَقْفَالِ ، وَالْأَقْفَالُ أَشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ تَكَبُّرِهِمْ ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الِاسْتِمَاعِ لِمَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، كَمَا يُقَالُ : إِنَّ فُلَانًا لَأَصَمُّ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ ، إِذَا امْتَنَعَ مِنْ سَمَاعِهِ ، وَرَفَعَ نَفْسَهُ عَنْ تَفَهُّمِهِ تَكَبُّرًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْحُقُّ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا صَحَّ بِنَظِيرِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ مَا : - 304 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ ، عَنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ ، صَقَلَتْ قَلْبَهُ ، فَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تُغْلِقَ قَلْبَهُ ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ : 14 . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الذُّنُوبَ إِذَا تَتَابَعَتْ عَلَى الْقُلُوبِ أَغْلَقَتْهَا ، وَإِذَا أَغْلَقَتْهَا أَتَاهَا حِينَئِذٍ الْخَتْمُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالطَّبْعُ ، فَلَا يَكُونُ لِلْإِيمَانِ إِلَيْهَا مَسْلَكٌ ، وَلَا لِلْكُفْرِ مِنْهَا مَخْلَصٌ ، فَذَلِكَ هُوَ الطَّبْعُ . وَالْخَتْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، نَظِيرُ الطَّبْعِ وَالْخَتْمِ عَلَى مَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ مِنَ الْأَوْعِيَةِ وَالظُّرُوفِ ، الَّتِي لَا يُوصَلُ إِلَى مَا فِيهَا إِلَّا بِفَضِّ ذَلِكَ عَنْهَا ثُمَّ حَلِّهَا .
فَكَذَلِكَ لَا يَصِلُ الْإِيمَانُ إِلَى قُلُوبِ مَنْ وَصَفَ اللَّهُ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، إِلَّا بَعْدَ فَضِّهِ خَاتَمَهُ وَحَلِّهِ رِبَاطَهُ عَنْهَا . وَيُقَالُ لِقَائِلِي الْقَوْلِ الثَّانِي ، الزَّاعِمِينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، هُوَ وَصْفُهُمْ بِالِاسْتِكْبَارِ وَالْإِعْرَاضِ عَنِ الَّذِي دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِالْحَقِّ تَكَبُّرًا : أَخْبِرُونَا عَنِ اسْتِكْبَارِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْإِقْرَارِ بِمَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَسَائِرِ الْمَعَانِي اللَّوَاحِقِ بِهِ - أَفِعْلٌ مِنْهُمْ ، أَمْ فِعْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهِمْ ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِعْلٌ مِنْهُمْ - وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ - قِيلَ لَهُمْ : فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ . وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِعْرَاضُ الْكَافِرِ عَنِ الْإِيمَانِ ، وَتَكَبُّرُهُ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ - وَهُوَ فِعْلُهُ عِنْدَكُمْ - خَتْمًا مِنَ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ ، وَخَتْمُهُ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ ، فِعْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ دُونَ الْكَافِرِ ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ - لِأَنَّ تَكَبُّرَهُ وَإِعْرَاضَهُ كَانَا عَنْ خَتْمِ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ ، فَلَمَّا كَانَ الْخَتْمُ سَبَبًا لِذَلِكَ ، جَازَ أَنْ يُسَمَّى مُسَبِّبُهُ بِهِ - تَرَكُوا قَوْلَهُمْ ، وَأَوْجَبُوا أَنَّ الْخَتْمَ مِنَ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِ الْكُفَّارِ وَأَسْمَاعِهِمْ ، مَعْنًى غَيْرُ كُفْرِ الْكَافِرِ ، وَغَيْرُ تَكَبُّرِهِ وَإِعْرَاضِهِ عَنْ قَبُولِ الْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِهِ .
وَذَلِكَ دُخُولٌ فِيمَا أَنْكَرُوهُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَوْضَحِ الدَّلِيلِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْمُنْكِرِينَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِ صِنْفٍ مِنْ كُفَّارِ عِبَادِهِ وَأَسْمَاعِهِمْ ، ثُمَّ لَمْ يُسْقِطِ التَّكْلِيفَ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَضَعْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَرَائِضَهُ ، وَلَمْ يَعْذِرْهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ خِلَافِ طَاعَتِهِ بِسَبَبِ مَا فَعَلَ بِهِ مِنَ الْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ - بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ لِجَمِيعِهِمْ مِنْهُ عَذَابًا عَظِيمًا عَلَى تَرْكِهِمْ طَاعَتَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ حُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ ، مَعَ حَتْمِهِ الْقَضَاءَ عَلَيْهِمْ مَعَ ذَلِكَ ، بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ عَمَّا خَتَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِحِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ مَضَتْ قِصَصُهُمْ .
وَذَلِكَ أَنَّ غِشَاوَةٌ مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ ، فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ، قَدْ تَنَاهَى عِنْدَ قَوْلِهِ وَعَلَى سَمْعِهِمْ . وَذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَنَا لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : اتِّفَاقُ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى الشَّهَادَةِ بِتَصْحِيحِهَا ، وَانْفِرَادُ الْمُخَالِفِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَشُذُوذُهُ عَمَّا هُمْ عَلَى تَخْطِئَتِهِ مُجْمِعُونَ . وَكَفَى بِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى تَخْطِئَةِ قِرَاءَتِهِ شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْخَتْمَ غَيْرُ مَوْصُوفَةٍ بِهِ الْعُيُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَا فِي خَبَرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا مَوْجُودٌ فِي لُغَةِ أَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ . وَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَةٍ أُخْرَى : وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً سُورَةُ الْجَاثِيَةِ : 23 ، فَلَمْ يُدْخِلِ الْبَصَرَ فِي مَعْنَى الْخَتْمِ . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَلَمْ يَجُزْ لَنَا ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ ، الْقِرَاءَةُ بِنَصْبِ الْغِشَاوَةِ ، لِمَا وَصَفْتُ مِنَ الْعِلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْتُ ، وَإِنْ كَانَ لِنَصْبِهَا مَخْرَجٌ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ وَالتَّأْوِيلِ ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : 305 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، وَالْغِشَاوَةُ عَلَى أَبْصَارِهِمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ مَخْرَجِ النَّصْبِ فِيهَا ؟ قِيلَ لَهُ : أَنْ تَنْصِبَهَا بِإِضْمَارِ جَعَلَ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً ، ثُمَّ أَسْقَطَ جَعَلَ ، إِذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ . وَقَدْ يُحْتَمَلُ نَصْبُهَا عَلَى إِتْبَاعِهَا مَوْضِعَ السَّمْعِ ، إِذْ كَانَ مَوْضِعُهُ نَصْبًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا إِعَادَةُ الْعَامِلِ فِيهِ عَلَى غِشَاوَةٌ ، وَلَكِنْ عَلَى إِتْبَاعِ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بَعْضًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ ﴾بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ ، ثُمَّ قَالَ : ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾وَحُورٌ عِينٌ ، سُورَةُ الْوَاقِعَةِ : 17 - 22 ، فَخَفَضَ اللَّحْمَ وَالْحُورَ عَلَى الْعَطْفِ بِهِ عَلَى الْفَاكِهَةِ ، إِتْبَاعًا لِآخِرِ الْكَلَامِ أَوَّلَهُ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّحْمَ لَا يُطَافُ بِهِ وَلَا بِالْحُورِ الْعِينِ ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ يَصِفُ فَرَسَهُ : عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا حَتَّى شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَاءَ يُشْرَبُ وَلَا يُعْلَفُ بِهِ ، وَلَكِنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْتُ قَبْلُ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ - فِي انْتِهَاءِ الْخَبَرِ عَنِ الْخَتْمِ إِلَى قَوْلِهِ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، وَابْتِدَاءِ الْخَبَرِ بَعْدَهُ - بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ ، وَيَتَأَوَّلُ فِيهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ سُورَةُ الشُّورَى : 24 . 306 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : الْخَتْمُ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ ، وَالْغِشَاوَةُ عَلَى الْبَصَرِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ، وَقَالَ : وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [ سُورَةُ الْجَاثِيَةِ : 23 ] . وَالْغِشَاوَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْغِطَاءُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ : تَبِعْتُكَ إِذْ عَيْنِي عَلَيْهَا غِشَاوَةٌ فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَعْتُ نَفْسِي أَلُومُهَا وَمِنْهُ يُقَالُ : تَغَشَّاهُ الْهَمُّ : إِذَا تَجَلَّلَهُ وَرَكِبَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةَ بَنِي ذُبْيَانَ : هَلَا سَأَلْتِ بَنِي ذُبْيَانَ مَا حَسَبِي إِذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الْأَشْمَطَ الْبَرَمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : تَجَلَّلَهُ وَخَالَطَهُ .
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ ، أَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَطَبَعَ عَلَيْهَا - فَلَا يَعْقِلُونَ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْعِظَةً وَعَظَهُمْ بِهَا ، فِيمَا آتَاهُمْ مِنْ عِلْمِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ كُتُبِهِ ، وَفِيمَا حَدَّدَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَوْحَاهُ وَأَنْزَلَهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَى سَمْعِهِمْ ، فَلَا يَسْمَعُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيِّ اللَّهِ تَحْذِيرًا وَلَا تَذْكِيرًا وَلَا حُجَّةً أَقَامَهَا عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِهِ ، فَيَتَذَكَّرُوا وَيَحْذَرُوا عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ وَصِحَّةِ أَمْرِهِ . وَأَعْلَمَهُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً عَنْ أَنْ يُبْصِرُوا سَبِيلَ الْهُدَى ، فَيَعْلَمُوا قُبْحَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالرَّدَى . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : 307 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ، أَيْ عَنِ الْهُدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا بِغَيْرِ مَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ ، حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ ، وَإِنْ آمَنُوا بِكُلِّ مَا كَانَ قَبْلَكَ .
308 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْهَمْدَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ يَقُولُ : فَلَا يَعْقِلُونَ وَلَا يَسْمَعُونَ . وَيَقُولُ : وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً يَقُولُ : عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَلَا يُبْصِرُونَ . وَأَمَّا آخَرُونَ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ أَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنَ الْكَفَّارِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ، هُمْ قَادَةُ الْأَحْزَابِ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ .
309 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، قَالَ : هَاتَانِ الْآيَتَانِ إِلَى وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ هَمُ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ : 28 ، وَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنَ الْقَادَةِ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلَانِ : أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ . 310 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : أَمَّا الْقَادَةُ فَلَيْسَ فِيهِمْ مُجِيبٌ وَلَا نَاجٍ وَلَا مُهْتَدٍ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَوْلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ( 7 ) وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عِنْدِي ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَأَوَّلَهُ : 311 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِكَ عَذَابٌ عَظِيمٌ . قَالَ : فَهَذَا فِي الْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ ، فِيمَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ .