الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرَةُ الْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهَا عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِخِدَاعِهِمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ تَعَالَى : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ . ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ، وَأَنَّهُمْ بِقِيلِهِمْ ذَلِكَ يخُادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ - لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ - بِأَلْسِنَتِهِمْ : آمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، خِدَاعًا عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ ، وَدَرْءًا لَهُمْ عَنْهَا ، وَأَنَّهُمْ إِذَا خَلَوْا إِلَى مَرَدَتِهِمْ وَأَهْلِ الْعُتُوِّ وَالشَّرِّ وَالْخُبْثِ مِنْهُمْ وَمِنْ سَائِرِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ - وَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا عَلَى أَنَّ شَيَاطِينَ كُلِّ شَيْءٍ مَرَدَتُهُ - قَالُوا لَهُمْ : إِنَّا مَعَكُمْ أَيْ إِنَّا مَعَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ ، وَظُهَرَاؤُكُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَكُمْ فِيهِ ، وَأَوْلِيَاؤُكُمْ دُونَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ بِاللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ وَأَصْحَابِهِ ، كَالَّذِي : 349 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ، قَالَ : كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا لَقُوا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْضَهُمْ ، قَالُوا : إِنَّا عَلَى دِينِكُمْ .
وَإِذَا خَلَوْا إِلَى أَصْحَابِهِمْ ، وَهُمْ شَيَاطِينُهُمْ ، قَالُوا : إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ . 350 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالَ : إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ مِنْ يَهُودَ ، الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ وَخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ، أَيْ إِنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ . 351 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ، أَمَّا شَيَاطِينُهُمْ ، فَهُمْ رُءُوسُهُمْ فِي الْكُفْرِ .
358 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ : شَيَاطِينُهُمْ : أَصْحَابُهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ؟ فَكَيْفَ قِيلَ : خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ، وَلَمْ يَقُلْ خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ ؟ فَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْجَارِيَ بَيْنَ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ : خَلَوْتُ بِفُلَانٍ أَكْثَرُ وَأَفْشَى مِنْ : خَلَوْتُ إِلَى فُلَانٍ وَمِنْ قَوْلِكَ : إِنَّ الْقُرْآنَ أَفْصَحُ الْبَيَانِ! قِيلَ : قَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ . فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : يُقَالُ خَلَوْتُ إِلَى فُلَانٍ إِذَا أُرِيدَ بِهِ : خَلَوْتُ إِلَيْهِ فِي حَاجَةٍ خَاصَّةٍ .
لَا يَحْتَمِلُ - إِذَا قِيلَ كَذَلِكَ - إِلَّا الْخَلَاءَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ . فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : خَلَوْتُ بِهِ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْخَلَاءُ بِهِ فِي الْحَاجَةِ ، وَالْآخَرُ فِي السُّخْرِيَةِ بِهِ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ ، وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ، لَا شَكَّ أَفْصَحُ مِنْهُ لَوْ قِيلَ وَإِذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ لِمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ : إِذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ مِنَ الْتِبَاسِ الْمَعْنَى عَلَى سَامِعِيهِ ، الَّذِي هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ قَوْلِهِ : وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ فَهَذَا أَحَدُ الْأَقْوَالِ .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : فَأَنْ تُوَجِّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ، وَإِذَا خَلَوْا مَعَ شَيَاطِينِهِمْ إِذْ كَانَتْ حُرُوفُ الصِّفَاتِ يُعَاقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ قَالَ لِلْحِوَارِيِّينَ : مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [ سُورَةُ الصَّفِّ : 14 ] ، يُرِيدُ : مَعَ اللَّهِ . وَكَمَا تُوضَعُ عَلَى فِي مَوْضِعِ مِنْ وَ فِي وَ عَنْ وَ الْبَاءِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا بِمَعْنَى عَنِّي . وَأَمَّا بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ، وَإِذَا صَرَفُوا خَلَاءَهُمْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - فَيَزْعُمُ أَنَّ الْجَالِبَ لِ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ : مِنَ انْصِرَافِ الْمُنَافِقِينَ عَنْ لِقَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ خَالِينَ بِهِمْ ، لَا قَوْلُهُ خَلَوْا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لَا يَصْلُحُ فِي مَوْضِعِ إِلَى غَيْرُهَا ، لِتَغَيُّرِ الْكَلَامِ بِدُخُولِ غَيْرِهَا مِنَ الْحُرُوفِ مَكَانَهَا .
وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، لِأَنَّ لِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي وَجْهًا هُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَلَا يَصْلُحُ تَحْوِيلُ ذَلِكَ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . وَلِ إِلَى فِي كُلِّ مَوْضِعٍ دَخَلَتْ مِنَ الْكَلَامِ حُكْمٌ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ سَلْبُهَا مَعَانِيهَا فِي أَمَاكِنِهَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ( 14 ) أَجْمَعَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا - لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ - عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ : إِنَّمَا نَحْنُ سَاخِرُونَ .
362 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ، أَيْ نَسْتَهْزِئُ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .