الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى "
383 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ، آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . 384 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى - وَجَّهُوا مَعْنَى الشِّرَاءِ إِلَى أَنَّهُ أَخَذَ الْمُشْتَرَى مَكَانَ الثَّمَنِ الْمُشْتَرَى بِهِ ، فَقَالُوا : كَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ ، قَدْ أَخَذَا مَكَانَ الْإِيمَانِ الْكُفْرَ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا شِرَاءً لِلْكَفْرِ وَالضَّلَالَةِ اللَّذَيْنِ أَخَذَاهُمَا بِتَرْكِهِمَا مَا تَرَكَا مِنَ الْهُدَى ، وَكَانَ الْهُدَى الَّذِي تَرَكَاهُ هُوَ الثَّمَنُ الَّذِي جَعَلَاهُ عِوَضًا مِنَ الضَّلَالَةِ الَّتِي أَخَذَاهَا .
وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ اشْتَرَوْا : اسْتَحَبُّوا فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّارَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، فَنَسَبَهُمْ إِلَى اسْتِحْبَابِهِمُ الْكُفْرَ عَلَى الْهُدَى ، فَقَالَ : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 17 ] ، صَرَفُوا قَوْلَهُ : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى إِلَى ذَلِكَ . وَقَالُوا : قَدْ تَدْخُلُ الْبَاءُ مَكَانَ عَلَى وَ عَلَى مَكَانَ الْبَاءِ كَمَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِفُلَانٍ ، وَمَرَرْتُ عَلَى فُلَانٍ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَكَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 75 ] ، أَيْ عَلَى قِنْطَارٍ . فَكَانَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى .
وَأَرَاهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اشْتَرَوْا إِلَى مَعْنَى اخْتَارُوا ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ : اشْتَرَيْتُ كَذَا عَلَى كَذَا ، وَاسْتَرَيتُهُ - يَعْنُونَ اخْتَرْتُهُ عَلَيْهِ . وَمِنَ الِاسْتِرَاءِ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فَقَدْ أُخْرِجُ الْكَاعِبَ الْمُسْتَرَا ةَ مِنْ خِدْرِهَا وَأُشِيعُ الْقِمَارَ يَعْنِي بِالْمُسْتَرَاةِ : الْمُخْتَارَةَ . وَقَالَ ذُو الرُّمَّةِ ، فِي الِاشْتِرَاءِ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ : يَذُبُّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاةٍ كَأَنَّهَا جَمَاهِيرُ تَحْتَ الْمُدْجِنَاتِ الْهَوَاضِبِ .
يَعْنِي بِالشَّرَاةِ : الْمُخْتَارَةَ . وَقَالَ آخَرُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ : إِنَّ الشَّرَاةَ رُوقَةُ الْأَمْوَالِ وَحَزْرَةُ الْقَلْبِ خِيَارُ الْمَالِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنَ التَّأْوِيلِ ، فَلَسْتُ لَهُ بِمُخْتَارٍ . لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ، فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى مَعْنَى الشِّرَاءِ الَّذِي يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ، مِنَ اسْتِبْدَالِ شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ ، وَأَخْذِ عِوَضٍ عَلَى عِوَضٍ .
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا ، فَإِنَّهُ لَا مَئُونَةَ عَلَيْهِمْ ، لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفُوا بِهِ الْقَوْمَ . لِأَنَّ الْأَمْرَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَانَ ، وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْكُفْرَ عِوَضًا مِنَ الْهُدَى . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومُ مِنْ مَعَانِي الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ ، وَلَكِنَّ دَلَائِلَ أَوَّلِ الْآيَاتِ فِي نُعُوتِهِمْ إِلَى آخِرِهَا ، دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ اسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْإِيمَانِ ، وَلَا دَخَلُوا فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ لَدُنِ ابْتَدَأَ فِي نَعْتِهِمْ ، إِلَى أَنْ أَتَى عَلَى صِفَتِهِمْ ، إِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِإِظْهَارِ الْكَذِبِ بِأَلْسِنَتِهِمْ : بِدَعْوَاهُمُ التَّصْدِيقَ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ ، وَاسْتِهْزَاءً فِي نُفُوسِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ لِغَيْرِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مُسْتَبْطِنُونَ .
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ، ثُمَّ اقْتَصَّ قَصَصَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ؟ فَأَيْنَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا ؟ فَإِنَّ كَانَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ كَانُوا عَلَى الْإِيمَانِ فَانْتَقَلُوا عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ اشْتَرَوْا - فَإِنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلٌ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لَهُ ، إِذْ كَانَ الِاشْتِرَاءُ عِنْدَ مُخَالِفِيهِ قَدْ يَكُونُ أَخْذَ شَيْءٍ بِتَرْكِ آخَرَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الِاخْتِيَارِ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي . وَالْكَلِمَةُ إِذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ صَرْفُ مَعْنَاهَا إِلَى بَعْضِ وُجُوهِهَا دُونَ بَعْضٍ ، إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، مَا رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَأْوِيلِهِمَا قَوْلَهُ : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى : أَخَذُوا الضَّلَالَةَ وَتَرَكُوا الْهُدَى .
وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ مُسْتَبْدِلٌ بِالْإِيمَانِ كُفْرًا ، بِاكْتِسَابِهِ الْكُفْرَ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ ، بَدَلًا مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ . أَوَمَا تَسْمَعُ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ فِيمَنِ اكْتَسَبَ كُفْرًا بِهِ مَكَانَ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 108 ] وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الشِّرَاءِ ، لِأَنَّ كُلَّ مُشْتَرٍ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَسْتَبْدِلُ مَكَانَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ مِنَ الْبَدَلِ آخَرَ بَدِيلًا مِنْهُ . فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ ، اسْتَبْدَلَا بِالْهُدَى الضَّلَالَةَ وَالنِّفَاقَ ، فَأَضَلَّهُمَا اللَّهُ ، وَسَلَبَهُمَا نُورَ الْهُدَى ، فَتَرَكَ جَمِيعَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ - بِشِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى - خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا ، لِأَنَّ الرَّابِحَ مِنَ التُّجَّارِ الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنْفَسُ مِنْ سِلْعَتِهِ الْمَمْلُوكَةِ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ ثَمَنِهَا الَّذِي يَبْتَاعُهَا بِهِ . فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِلُ مِنْ سِلْعَتِهِ بَدَلًا دُونَهَا وَدُونَ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ ، فَهُوَ الْخَاسِرُ فِي تِجَارَتِهِ لَا شَكَّ . فَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ ، لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحَيْرَةَ وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَادِ وَالْهُدَى ، وَالْخَوْفَ وَالرُّعْبَ عَلَى الْحِفْظِ وَالْأَمْنِ ، وَاسْتَبْدَلَا فِي الْعَاجِلِ : بِالرَّشَادِ الْحَيْرَةَ ، وَبِالْهُدَى الضَّلَالَةَ ، وَبِالْحِفْظِ الْخَوْفَ ، وَبِالْأَمْنِ الرُّعْبَ - مَعَ مَا قَدْ أَعَدَّ لَهُمَا فِي الْآجِلِ مِنَ أَلِيمِ الْعِقَابِ وَشَدِيدِ الْعَذَابِ ، فَخَابَا وَخَسِرَا ، ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ . 385 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ : قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالَةِ ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ؟ وَهَلِ التِّجَارَةُ مِمَّا تَرْبَحُ أَوْ تُوكِسُ ، فَيُقَالُ : رَبِحَتْ أَوْ وُضِعَتْ ؟ قِيلَ : إِنَّ وَجْهَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتَ .
وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ - لَا فِيمَا اشْتَرَوْا ، وَلَا فِيمَا شَرَوْا . وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِكِتَابِهِ عَرَبًا فَسَلَكَ فِي خِطَابِهِ إِيَّاهُمْ وَبَيَانِهِ لَهُمْ مَسْلَكَ خِطَابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَبَيَانِهِمُ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهُمْ . فَلَمَّا كَانَ فَصِيحًا لَدَيْهِمْ قَوْلُ الْقَائِلِ لِآخَرَ : خَابَ سَعْيُكَ ، وَنَامَ لَيْلُكَ ، وَخَسِرَ بَيْعُكَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى سَامِعِهِ مَا يُرِيدُ قَائِلُهُ - خَاطَبَهُمْ بِالَّذِي هُوَ فِي مَنْطِقِهِمْ مِنَ الْكَلَامِ ، فَقَالَ : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ إِذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدَهُمْ أَنَّ الرِّبْحَ إِنَّمَا هُوَ فِي التِّجَارَةِ ، كَمَا النَّوْمُ فِي اللَّيْلِ .
فَاكْتَفَى بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ ، عَنْ أَنْ يُقَالَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَشَرُّ الْمَنَايَا مَيِّتٌ وَسْطَ أَهْلِهِ كَهُلْكِ الْفَتَاةِ أَسْلَمَ الْحَيَّ حَاضِرُهْ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَشَرُّ الْمَنَايَا مَنِيَّةُ مَيِّتٍ وَسْطَ أَهْلِهِ ، فَاكْتَفَى بِفَهْمِ سَامِعِ قِيلِهِ مُرَادَهُ مِنْ ذَلِكَ ، عَنْ إِظْهَارِ مَا تَرَكَ إِظْهَارَهُ ، وَكَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ : حَارِثُ! قَدْ فَرَّجْتَ عَنِّي هَمِّي فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي فَوَصَفَ بِالنَّوْمِ اللَّيْلَ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَامَ ، وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ الْخَطَفَى : وَأَعْوَرَ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ فَأَعْمَى ، وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ فَأَضَافَ الْعَمَى وَالْإِبْصَارَ إِلَى اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَمُرَادُهُ وَصْفُ النَّبْهَانِيِّ بِذَلِكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ : مَا كَانُوا رُشَدَاءَ فِي اخْتِيَارِهِمُ الضَّلَالَةَ عَلَى الْهُدَى ، وَاسْتِبْدَالِهِمُ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ ، وَاشْتِرَائِهِمُ النِّفَاقَ بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ .