الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا "
) وَقَوْلُهُ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا مَرْدُودٌ عَلَى الَّذِي الْأُولَى فِي قَوْلِهِ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ رَبِّكُمُ فَكَأَنَّهُ قَالَ : اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا مُوَطَّأً وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ عَلَيْهَا ، يُذَكِّرُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ - عِبَادَهُ نِعَمَهُ عِنْدَهُمْ وَآلَاءَهُ لَدَيْهِمْ لِيَذْكُرُوا أَيَادِيَهُ عِنْدَهُمْ ، فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ - تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ ، وَرَحْمَةً لَهُمْ ، مِنْ غَيْرِ مَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ ، وَلَكِنْ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . 475 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا فَهِيَ فِرَاشٌ يُمْشَى عَلَيْهَا ، وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ . 476 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا قَالَ : مِهَادًا لَكُمْ .
477 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا أَيْ مِهَادًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى سُكَّانِهَا مِنْ خَلْقِهِ ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ لِمَا تَحْتَهُ سَمَاءٌ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْتِ : سَمَاوَةٌ ، لِأَنَّهُ فَوْقَهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ . وَلِذَلِكَ قِيلَ : سَمَا فَلَانٌ لِفُلَانٍ إِذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوَهُ عَالِيًا عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ : سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهْ وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ : سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ فَرَأَيتُ مِنْهَا تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ يُرِيدُ بِذَلِكَ : أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَةٌ وَبَدَتْ ، فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ سُمِّيَتْ لِلْأَرْضِ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافِهَا عَلَيْهَا .
478 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً فَبِنَاءُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ ، وَهِيَ سَقْفٌ عَلَى الْأَرْضِ . 479 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً قَالَ : جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا لَكَ . وَإِنَّمَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ ، لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ ، وَبِهِمَا قِوَامُ دُنْيَاهُمْ .
فَأَعْلَمُهُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَخَلْقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ ، هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ ، وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ ، دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ ، الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا ، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ ، غِذَاءً وَأَقْوَاتًا . فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ ، دُونَ مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ .
ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ ، وَلَا لَهُمْ نَافِعٌ وَلَا ضَارٌّ وَلَا خَالِقٌ وَلَا رَازِقٌ سِوَاهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْأَنْدَادُ جَمْعُ نِدٍّ ، وَالنِّدُّ : الْعِدْلُ وَالْمِثْلُ ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَلَسْتَ لَهُ بَنْدٍّ لَسْتَ لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عِدْلٍ . وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَظِيرًا لِشَيْءٍ وَلَهُ شَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدٌّ .
فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعِدْلًا فِي الطَّاعَةِ ، فَقَالَ : كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ وَمِلْكِي إِيَّاكُمْ وَنِعَمِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ ، وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي ، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ فَمِنِّي . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 22 ) اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ، أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا جَمِيعَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ : 486 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ . وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرُهُ ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ . 487 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ - الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا ، بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ ، وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَوْلٌ! وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّتِهِ ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ سُورَةُ الزُّخْرُفِ : 87 ] ، وَقَالَ : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ﴾ [ سُورَةُ يُونُسَ : 31 ] . فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ - إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌّ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلِّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ ، يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا ، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا ، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ ، وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .