الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاجٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَمُنَافِقِيهِمْ ، وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَضُلَّالِهِمُ الَّذِينَ افْتَتَحَ بِقِصَصِهِمْ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ وَإِيَّاهُمْ يُخَاطِبُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ ، وَضُرَبَاءَهُمْ يَعْنِي بِهَا ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْكُفَّارُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ ، فِي شَكٍّ - وَهُوَ الرَّيْبُ - مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَآيَاتِ الْفُرْقَانِ : أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي ، وَأَنِّي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ ، فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ تُصَدِّقُوهُ فِيمَا يَقُولُ ، فَأْتُوْا بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ حُجَّتَهُ ، لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حُجَّةَ كُلِّ ذِي نُبُوَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ أَنْ يَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ . وَمِنْ حُجَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقِهِ ، وَبُرْهَانِهِ عَلَى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي - عَجْزُ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ مَنْ تَسْتَعِينُونَ بِهِ مِنْ أَعْوَانِكُمْ وَأَنْصَارِكُمْ عَنْ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ . وَإِذَا عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ - وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْبَرَاعَةِ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ وَالذَّرَابَةِ - فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ غَيْرَكُمْ عَمَّا عَجَزْتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْجَزُ .
كَمَا كَانَ بُرْهَانُ مَنْ سَلَفَ مِنْ رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي عَلَى صِدْقِهِ ، وَحُجَّتُهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ مِنَ الْآيَاتِ ، مَا يَعْجِزُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ خَلْقِي . فَيَتَقَرَّرُ حِينَئِذٍ عِنْدَكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتَقَوَّلْهُ وَلَمْ يَخْتَلِقْهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْهُ اخْتِلَاقًا وَتَقَوُّلًا لَمْ تَعْجِزُوا وَجَمِيعُ خَلْقِي عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ . لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ، وَفِي مِثْلِ حَالِكُمْ فِي الْجِسْمِ وَبَسْطَةِ الْخَلْقِ وَذَرَابَةِ اللِّسَانِ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ اقْتِدَارٌ عَلَى مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ ، أَوْ يُتَوَهَّمَ مِنْكُمْ عَجْزٌ عَمَّا اقْتَدَرَ عَلَيْهِ .
494 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 495 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ قَالَ : مِثْلِهِ مِثْلِ الْقُرْآنِ . فَمَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا عَنْهُمَا : أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ قَالَ لِمَنْ حَاجَّهُ فِي نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْكُفَّارِ : فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِكُمْ أَيَّتُهَا الْعَرَبُ ، كَمَا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ بِلُغَاتِكُمْ وَمَعَانِي مَنْطِقِكُمْ .
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ مِثْلِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْبَشَرِ ، لِأَنَّ مُحَمَّدًا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ هُوَ التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَةٍ أُخْرَى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [ سُورَةُ يُونُسَ : 38 ] ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّورَةَ لَيْسَتْ لِمُحَمَّدٍ بِنَظِيرٍ وَلَا شَبِيهٍ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِ مُحَمَّدٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّكَ ذَكَرْتَ أَنَّ اللَّهَ عَنَى بِقَوْلِهِ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ ، فَهَلْ لِلْقُرْآنِ مِنْ مِثْلٍ فَيُقَالُ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ؟ قِيلَ : إِنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مَثْلِهِ فِي التَّأْلِيفِ وَالْمَعَانِي الَّتِي بَايَنَ بِهَا سَائِرَ الْكَلَامِ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا عَنَى : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْبَيَانِ ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ ، فَكَلَامُ الْعَرَبِ لَا شَكَّ لَهُ مِثْلٌ فِي مَعْنَى الْعَرَبِيَّةِ .
فَأَمَّا فِي الْمَعْنَى الَّذِي بَايَنَ بِهِ الْقُرْآنُ سَائِرَ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ ، فَلَا مِثْلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَا نَظِيرَ وَلَا شَبِيهَ . وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ ، إِذْ ظَهَرَ عَجْزُ الْقَوْمِ عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فِي الْبَيَانِ ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ بَيَانًا مِثْلَ بَيَانِهِمْ ، وَكَلَامًا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ أَنَّ مَا أَنْزَلْتُ عَلَى عَبْدِي مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ عِنْدِي ، فَأْتُوْا بِسُورَةٍ مِنْ كَلَامِكُمُ الَّذِي هُوَ مِثْلُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، إِذْ كُنْتُمْ عَرَبًا ، وَهُوَ بَيَانٌ نَظِيرُ بَيَانِكُمْ ، وَكَلَامٌ شَبِيهُ كَلَامِكُمْ . فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ غَيْرِ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ نَظِيرُ اللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ ، فَيَقْدِرُوا أَنْ يَقُولُوا : كَلَّفَتْنَا مَا لَوْ أَحْسَنَّاهُ أَتَيْنَا بِهِ ، وَإِنَّا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ لِأَنَّا لَسْنَا مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ الَّذِي كَلَّفْتَنَا الْإِتْيَانَ بِهِ ، فَلَيْسَ لَكَ عَلَيْنَا بِهَذَا حُجَّةٌ .
لِأَنَّا وَإِنْ عَجْزَنَا عَنْ أَنْ نَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ أَلْسِنَتِنَا ؛ لِأَنَّا لَسْنَا مِنْ أَهْلِهِ ، فَفِي النَّاسِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِنَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنَ اللِّسَانِ الَّذِي كَلَّفْتَنَا الْإِتْيَانَ بِهِ . وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لَهُمُ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ، لِأَنَّ مِثْلَهُ مِنَ الْأَلْسُنِ أَلْسُنُكُمْ ، وَأَنْتُمْ - إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ اخْتَلَقَهُ وَافْتَرَاهُ إِذَا اجْتَمَعْتُمْ وَتَظَاهَرْتُمْ عَلَى الْإِتْيَانِ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنْهُ مِنْ لِسَانِكُمْ وَبَيَانِكُمْ - أَقْدَرُ عَلَى اخْتِلَاقِهِ وَرَصْفِهِ وَتَأْلِيفِهِ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أَقْدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، فَلَنْ تَعْجِزُوا - وَأَنْتُمْ جَمِيعٌ - عَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ وَحِيدٌ ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ وَزَعْمِكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ ، وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِي . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( 23 ) فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا : 496 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حَمِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ يَعْنِي أَعْوَانَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
500 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ قَالَ : نَاسٌ يَشْهَدُونَ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : شُهَدَاءَكُمْ عَلَيْهَا إِذَا أَتَيْتُمْ بِهَا أَنَّهَا مَثْلُهُ ، مِثْلُ الْقُرْآنِ . وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ لِمَنْ شَكَّ مِنَ الْكَفَّارِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَوْلُهُ فَادْعُوا يَعْنِي : اسْتَنْصِرُوا وَاسْتَغِيثُوا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَانُنَا وَرِجَالُهُمْ دَعَوْا يَا لَكَعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ : دَعَوْا يَا لَكَعْبٍ اسْتَنْصَرُوا كَعْبًا وَاسْتَغَاثُوا بِهِمْ . وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَإِنَّهَا جَمْعُ شَهِيدٍ ، كَمَا الشُّرَكَاءُ جَمْعُ شَرِيكٍ ، وَالْخُطَبَاءُ جَمْعُ خَطِيبٍ . وَالشَّهِيدُ يُسَمَّى بِهِ الشَّاهِدُ عَلَى الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ بِمَا يُحَقِّقُ دَعْوَاهُ .
وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْمُشَاهِدُ لِلشَّيْءِ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ جَلِيسُ فُلَانٍ يَعْنِي بِهِ مُجَالِسَهُ ، وَنَدِيمَهُ يَعْنِي بِهِ مُنَادِمَهُ ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ : شَهِيدُهُ يَعْنِي بِهِ مُشَاهِدَهُ . فَإِذَا كَانَتْ الشُّهَدَاءُ مُحْتَمِلَةً أَنْ تَكُونَ جَمْعَ الشَّهِيدِ الَّذِي هُوَ مُنْصَرِفٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْتُ ، فَأَوْلَى وَجْهَيْهِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَاسْتَنْصِرُوا عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أَعْوَانَكُمْ وَشُهَدَاءَكُمَ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَكُمْ وَيُعَاوِنُونَكُمْ عَلَى تَكْذِيبِكُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُظَاهِرُونَكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ وَنِفَاقِكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي جُحُودِكُمْ أَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَاقٌ وَافْتِرَاءٌ ، لِتَمْتَحِنُوا أَنْفُسَكُمْ وَغَيْرَكُمْ ، هَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، فَيَقْدِرَ مُحَمَّدٌ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ اخْتِلَاقًا ؟ وَأَمَّا مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْنَافًا ثَلَاثَةً : أَهْلَ إِيمَانٍ صَحِيحٍ ، وَأَهْلَ كُفْرٍ صَحِيحٍ ، وَأَهْلَ نِفَاقٍ بَيْنَ ذَلِكَ . فَأَهْلُ الْإِيمَانِ كَانُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُؤْمِنِينَ ، فَكَانَ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَدَّعِيَ الْكُفَّارُ أَنَّ لَهُمْ شُهَدَاءَ عَلَى حَقِيقَةِ مَا كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ ، لَوْ أَتَوْا بِاخْتِلَاقٍ مِنَ الرِّسَالَةِ ، ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ نَظِيرٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَأَمَّا أَهْلُ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ لَوْ دُعُوا إِلَى تَحْقِيقِ الْبَاطِلِ وَإِبْطَالِ الْحَقِّ لَتَتَارَعُوا إِلَيْهِ مَعَ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ ، فَمِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَتْ تَكُونُ شُهَدَاؤُهُمْ لَوِ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ ؟ وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 88 ] فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَنَّ مِثْلَ الْقُرْآنِ لَا يَأْتِي بِهِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِتْيَانِ بِهِ ، وَتَحَدَّاهُمْ بِمَعْنَى التَّوْبِيخِ لَهُمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَـزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ : إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ فِي صِدْقِ مُحَمَّدٍ فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي فَأَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ، وَلِيَسْتَنْصِرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمِكُمْ ، حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِذْ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا مِنَ الْبَشَرِ أَحَدٌ ، وَيَصِحُّ عِنْدَكُمْ أَنَّهُ تَنْزِيلِي وَوَحْيِي إِلَى عَبْدِي .