الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا "
حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ - يَعْنِي قَوْلَهُ : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا وَقَوْلَهُ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ - قَالَ الْمُنَافِقُونَ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً إِلَى قَوْلِهِ : أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 555 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَادٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قَالَ : هَذَا مَثَّلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا ، إِنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ . وَكَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ : إِذَا امْتَلَأُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ . قَالَ : ثُمَّ تَلَا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 44 ] .
556 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَإِذَا خَلَتْ آجَالُهُمْ وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُمْ ، صَارُوا كَالْبَعُوضَةِ تَحْيَا مَا جَاعَتْ ، وَتَمُوتُ إِذَا رَوِيَتْ ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ ، إِذَا امْتَلَئُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ فَأَهْلَكَهُمْ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 44 ] . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 557 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا أَيْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ مِنْهُ شَيْئًا مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ .
إِنَّ اللَّهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ قَالَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ : مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا 558 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ وَالذُّبَابَ ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ يُذْكَرَانِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ قَائِلٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ، مَذْهَبًا ، غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُ بِالْحَقِّ ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنَّ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ، عُقَيْبَ أَمْثَالٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، ضَرْبَهَا لِلْمُنَافِقِينَ ، دُونَ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا فِي سَائِرِ السُّوَرِ غَيْرِهَا . فَلِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ - أَعْنِي قَوْلَهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا - جَوَابًا لِنَكِيرِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مَا ضُرِبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، أَحَقُّ وَأُولَى مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّمَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لَنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي سَائِرِ السُّوَرِ ، لِأَنَّ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَلِآلِهَتِهِمْ فِي سَائِرِ السُّوَرِ أَمْثَالٌ مُوَافِقَةُ الْمَعْنَى لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا إِذْ كَانَ بَعْضُهَا تَمْثِيلًا لِآلِهَتِهِمْ بِالْعَنْكَبُوتِ ، وَبَعْضُهَا تَشْبِيهًا لَهَا فِي الضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ بِالذُّبَابِ . وَلَيْسَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا . فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظُنَّ .
وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ فِي الْحَقِّ مِنَ الْأَمْثَالِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، ابْتِلَاءً بِذَلِكَ عِبَادَهُ وَاخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ ، لِيُمَيِّزَ بِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِهِ ، إِضْلَالًا مِنْهُ بِهِ لِقَوْمٍ ، وَهِدَايَةً مِنْهُ بِهِ لِآخَرِينَ . 559 - كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَثَلا مَا بَعُوضَةً يَعْنِي الْأَمْثَالَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ، يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهَا وَيُضِلُّ بِهَا الْفَاسِقِينَ . يَقُولُ : يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ .
563 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِنَحْوِهِ . - خَصَّهَا اللَّهُ بِالذِّكْرِ فِي الْقِلَّةِ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ أَقَلَّ الْأَمْثَالِ فِي الْحَقِّ وَأَحْقَرَهَا وَأَعْلَاهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فِي الِارْتِفَاعِ ، جَوَابًا مِنْهُ جَلَّ ذَكَرُهُ لِمَنْ أَنْكَرَ مِنْ مُنَافِقِي خَلْقِهِ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْمَثَلِ بِمُوقِدِ النَّارِ وَالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ ، عَلَى مَا نَعَتَهُمَا بِهِ مِنْ نَعْتِهِمَا . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَأَيْنَ ذِكْرُ نَكِيرِ الْمُنَافِقِينَ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفْتَ ، الَّذِي هَذَا الْخَبَرُ جَوَابُهُ ، فَنَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتَ ؟ قِيلَ : الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا وَإِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ فِي الْآيَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ - اللَّتَيْنِ مَثَّلَ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ مُقِيمُونَ فِيهِمَا بِمُوقِدِ النَّارِ وَبِالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ ، عَلَى مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا - قَدْ أَنْكَرُوا الْمَثَلَ وَقَالُوا : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا فَأَوْضَحَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَطَأَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ ، وَقَبَّحَ لَهُمْ مَا نَطَقُوا بِهِ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِحُكْمِهِمْ فِي قِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ ضَلَالٌ وَفُسُوقٌ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ وَالْهُدَى مَا قَالَهُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ مَا قَالُوهُ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنْسُوبَيْنِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 37 ] ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَسْتَحِي النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَسْتَحِيَهُ ، فَيَقُولُ : الِاسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْخَشْيَةِ ، وَالْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا فَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ وَيَصِفَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ سُورَةُ الرُّومِ : 28 ] ، بِمَعْنَى وَصْفٍ لَكُمْ ، وَكَمَا قَالَ الْكُمَيْتُ : وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ لَأَسْدَاسٍ عَسَى أَنْ لَا تَكُونَا بِمَعْنَى : وَصْفِ أَخْمَاسٍ . وَالْمَثَلُ : الشَّبَهُ ، يُقَالُ : هَذَا مَثَلُ هَذَا وَمِثْلُهُ ، كَمَا يُقَالُ : شَبَهُهُ وَشِبْهُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ : كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ يَعْنِي شَبَهًا ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ .
وَأَمَّا مَا الَّتِي مَعَ مَثَلٍ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ فَمَا فَوْقَهَا - مَثَلًا . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتَ ، فَمَا وَجْهُ نَصْبِ الْبَعُوضَةِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ : أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ ، فَالْبَعُوضَةُ عَلَى قَوْلِكَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ ؟ فَأَنَّى أَتَاهَا النَّصْبُ ؟ قِيلَ : أَتَاهَا النَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ مَا لَمَّا كَانَتْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ يَضْرِبُ وَكَانَتَ الْبَعُوضَةُ لَهَا صِلَةٌ ، عُرِّبَتْ بِتَعْرِيبِهَا فَأُلْزِمَتْ إِعْرَابَهَا ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا فَعُرِّبَتْ غَيْرُ بِإِعْرَابِ مَنْ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَاصَّةً فِي مَنْ وَ مَا تُعْرِبُ صِلَاتِهُمَا بِإِعْرَابِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مَعْرِفَةً أَحْيَانًا ، وَنَكِرَةً أَحْيَانًا . وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ ، فَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا ، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ بَيْنَ وَ إِلَى إِذْ كَانَ فِي نَصْبِ الْبَعُوضَةِ وَدُخُولِ الْفَاءِ فِي مَا الثَّانِيَةِ ، دَلَالَةٌ عَلَيْهِمَا ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ : مُطِرْنَا مَا زُبَالَةَ فَالثَعْلَبِيَّةَ وَ لَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا وَ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ مَا قَرْنًا فَقَدَمًا يَعْنُونَ : مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا .
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي كُلِّ مَا حَسُنَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ دُخُولُ : مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا يَنْصِبُونَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ، لِيَدُلَّ النَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنَ الْكَلَامِ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ الْمَثَلِ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ بَعُوضَةً مَثَلًا فَمَا فَوْقَهَا . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَعُوضَةً مَنْصُوبَةً بِ يَضْرِبُ وَأَنْ تَكُونَ مَا الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي فَمَا فَوْقَهَا مَعْطُوفَةً عَلَى الْبَعُوضَةِ لَا عَلَى مَا وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَمَا فَوْقَهَا : فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا - عِنْدِي - لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّ الْبَعُوضَةَ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ ، فَإِذْ كَانَتْ أَضْعَفَ خَلْقِ اللَّهِ فَهِيَ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَالضَّعْفِ .
وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فَوْقَ أَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنْهُ ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى - عَلَى مَا قَالَاهُ - فَمَا فَوْقَهَا فِي الْعِظَمِ وَالْكِبَرِ ، إِذْ كَانَتِ الْبَعُوضَةُ نِهَايَةً فِي الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ . وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ يُذَكِّرُهُ الذَّاكِرُ فَيَصِفُهُ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ ، فَيَقُولُ السَّامِعُ : نَعَمْ ، وَفَوْقَ ذَاكَ يَعْنِي فَوْقَ الَّذِي وَصَفَ فِي الشُّحِّ وَاللُّؤْمِ ، وَهَذَا قَوْلٌ خِلَافُ تَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تُرْتَضَى مَعْرِفَتُهُمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا ، بِمَا وَصَفْنَا ، أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ الَّذِي هُوَ مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَ الْبَعُوضَةِ .
فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ لَوْ رُفِعَتِ الْبَعُوضَةُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِي مَا إِلَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْمًا لَا صِلَةً بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَوْلُهُ : فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يَعْنِي : فَيَعْرِفُونَ أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ ، لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ - مَثَلٌ .
يَقُولُ : يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ . وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا مَا الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَثَلِ مَثَلًا . فَذَا الَّذِي مَعَ مَا فِي مَعْنَى الَّذِي وَأَرَادَ صِلَتَهُ ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَثَلِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ( 26 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِهِ . وَالْهَاءُ فِي بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَثَلِ . وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ : 567 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .
- فَيَزِيدُ هَؤُلَاءِ ضَلَالًا إِلَى ضَلَالِهِمْ ، لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ ، وَأَنَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ مُوَافِقٌ . فَذَلِكَ إِضْلَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِهِ . وَيَهْدِي بِهِ يَعْنِي بِالْمَثَلِ ، كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى هُدَاهُمْ وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ .
لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مُوَافِقُ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ . وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ ، يَضِلُّ بِهِ هَذَا وَيَهْدِي بِهِ هَذَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ الْفِسْقَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ . يُقَالُ مِنْهُ : فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَتَ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً ، لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا ، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ سُمِّيَا فَاسِقَيْنِ ، لِخُرُوجِهِمَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمَا .
وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] ، يَعْنِي بِهِ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ . 571 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 59 ] أَيْ بِمَا بَعُدُوا عَنْ أَمْرِي . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ وَمَا يُضِلُّ اللَّهُ بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ لِأَهْلِ الضَّلَالِ وَالنِّفَاقِ ، إِلَّا الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ ، وَالتَّارِكِينَ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ ، مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَهْلِ الضَّلَالِ مَنْ أَهْلِ النِّفَاقِ .