حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا "

حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا ضَرَبَ اللَّهُ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ - يَعْنِي قَوْلَهُ : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا وَقَوْلَهُ : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ - قَالَ الْمُنَافِقُونَ : اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً إِلَى قَوْلِهِ : أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 555 - حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا قُرَادٌ ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا قَالَ : هَذَا مَثَّلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيَا ، إِنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ . وَكَذَلِكَ مَثَلُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ فِي الْقُرْآنِ : إِذَا امْتَلَأُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ . قَالَ : ثُمَّ تَلَا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 44 ] .

556 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَإِذَا خَلَتْ آجَالُهُمْ وَانْقَطَعَتْ مُدَّتُهُمْ ، صَارُوا كَالْبَعُوضَةِ تَحْيَا مَا جَاعَتْ ، وَتَمُوتُ إِذَا رَوِيَتْ ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلَ ، إِذَا امْتَلَئُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللَّهُ فَأَهْلَكَهُمْ . فَذَلِكَ قَوْلُهُ : حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 44 ] . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 557 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا أَيْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ مِنْهُ شَيْئًا مَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ .

إِنَّ اللَّهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ قَالَ أَهْلُ الضَّلَالَةِ : مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا 558 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الْعَنْكَبُوتَ وَالذُّبَابَ ، قَالَ الْمُشْرِكُونَ : مَا بَالُ الْعَنْكَبُوتِ وَالذُّبَابِ يُذْكَرَانِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ قَائِلٍ مِمَّنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَفِي الْمَعْنَى الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ ، مَذْهَبًا ، غَيْرَ أَنَّ أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُ بِالْحَقِّ ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنَّ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ، عُقَيْبَ أَمْثَالٍ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، ضَرْبَهَا لِلْمُنَافِقِينَ ، دُونَ الْأَمْثَالِ الَّتِي ضَرَبَهَا فِي سَائِرِ السُّوَرِ غَيْرِهَا . فَلِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ - أَعْنِي قَوْلَهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا - جَوَابًا لِنَكِيرِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ مَا ضُرِبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، أَحَقُّ وَأُولَى مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إِنَّمَا أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لَنَكِيرِهِمْ مَا ضَرَبَ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي سَائِرِ السُّوَرِ ، لِأَنَّ الْأَمْثَالَ الَّتِي ضَرَبَهَا اللَّهُ لَهُمْ وَلِآلِهَتِهِمْ فِي سَائِرِ السُّوَرِ أَمْثَالٌ مُوَافِقَةُ الْمَعْنَى لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ : أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَهُ مَثَلًا إِذْ كَانَ بَعْضُهَا تَمْثِيلًا لِآلِهَتِهِمْ بِالْعَنْكَبُوتِ ، وَبَعْضُهَا تَشْبِيهًا لَهَا فِي الضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ بِالذُّبَابِ . وَلَيْسَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ فِي هَذِهِ السُّورَةِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا . فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظُنَّ .

وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ فِي الْحَقِّ مِنَ الْأَمْثَالِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا ، ابْتِلَاءً بِذَلِكَ عِبَادَهُ وَاخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ ، لِيُمَيِّزَ بِهِ أَهْلَ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِهِ ، إِضْلَالًا مِنْهُ بِهِ لِقَوْمٍ ، وَهِدَايَةً مِنْهُ بِهِ لِآخَرِينَ . 559 - كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : مَثَلا مَا بَعُوضَةً يَعْنِي الْأَمْثَالَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَا ، يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهَا وَيُضِلُّ بِهَا الْفَاسِقِينَ . يَقُولُ : يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ .

560
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، قَالَ :حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِمِثْلِهِ .
561
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: لَا أَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ قَصَدَ الْخَبَرَ عَنْ عَيْنِ الْبَعُوضَةِ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا ، وَلَكِنَّ الْبَعُوضَةَ لَمَّا كَانَتْ أَضْعَفَ الْخَلْقِ -
562
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : الْبَعُوضَةُ أَضْعَفُ مَا خَلَقَ اللَّهُ .

563 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، بِنَحْوِهِ . - خَصَّهَا اللَّهُ بِالذِّكْرِ فِي الْقِلَّةِ ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ أَقَلَّ الْأَمْثَالِ فِي الْحَقِّ وَأَحْقَرَهَا وَأَعْلَاهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ فِي الِارْتِفَاعِ ، جَوَابًا مِنْهُ جَلَّ ذَكَرُهُ لِمَنْ أَنْكَرَ مِنْ مُنَافِقِي خَلْقِهِ مَا ضَرَبَ لَهُمْ مِنَ الْمَثَلِ بِمُوقِدِ النَّارِ وَالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ ، عَلَى مَا نَعَتَهُمَا بِهِ مِنْ نَعْتِهِمَا . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَأَيْنَ ذِكْرُ نَكِيرِ الْمُنَافِقِينَ الْأَمْثَالَ الَّتِي وَصَفْتَ ، الَّذِي هَذَا الْخَبَرُ جَوَابُهُ ، فَنَعْلَمُ أَنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتَ ؟ قِيلَ : الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا وَإِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ ضَرَبَ لَهُمُ الْأَمْثَالَ فِي الْآيَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ - اللَّتَيْنِ مَثَّلَ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ مُقِيمُونَ فِيهِمَا بِمُوقِدِ النَّارِ وَبِالصَّيِّبِ مِنَ السَّمَاءِ ، عَلَى مَا وَصَفَ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا - قَدْ أَنْكَرُوا الْمَثَلَ وَقَالُوا : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا فَأَوْضَحَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ خَطَأَ قِيلِهِمْ ذَلِكَ ، وَقَبَّحَ لَهُمْ مَا نَطَقُوا بِهِ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِحُكْمِهِمْ فِي قِيلِهِمْ مَا قَالُوا مِنْهُ ، وَأَنَّهُ ضَلَالٌ وَفُسُوقٌ ، وَأَنَّ الصَّوَابَ وَالْهُدَى مَا قَالَهُ الْمُؤْمِنُونَ دُونَ مَا قَالُوهُ .

وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي فَإِنَّ بَعْضَ الْمَنْسُوبَيْنِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ بِلُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ يَتَأَوَّلُ مَعْنَى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي : إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 37 ] ، وَيَزْعُمُ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَتَسْتَحِي النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَسْتَحِيَهُ ، فَيَقُولُ : الِاسْتِحْيَاءُ بِمَعْنَى الْخَشْيَةِ ، وَالْخَشْيَةُ بِمَعْنَى الِاسْتِحْيَاءِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا فَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ وَيَصِفَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ سُورَةُ الرُّومِ : 28 ] ، بِمَعْنَى وَصْفٍ لَكُمْ ، وَكَمَا قَالَ الْكُمَيْتُ : وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ لَأَسْدَاسٍ عَسَى أَنْ لَا تَكُونَا بِمَعْنَى : وَصْفِ أَخْمَاسٍ . وَالْمَثَلُ : الشَّبَهُ ، يُقَالُ : هَذَا مَثَلُ هَذَا وَمِثْلُهُ ، كَمَا يُقَالُ : شَبَهُهُ وَشِبْهُهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ : كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلَّا الْأَبَاطِيلُ يَعْنِي شَبَهًا ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْشَى أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ .

وَأَمَّا مَا الَّتِي مَعَ مَثَلٍ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى الَّذِي لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ فَمَا فَوْقَهَا - مَثَلًا . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَا قُلْتَ ، فَمَا وَجْهُ نَصْبِ الْبَعُوضَةِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلْتَ : أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا الَّذِي هُوَ بَعُوضَةٌ ، فَالْبَعُوضَةُ عَلَى قَوْلِكَ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ ؟ فَأَنَّى أَتَاهَا النَّصْبُ ؟ قِيلَ : أَتَاهَا النَّصْبُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا ، أَنَّ مَا لَمَّا كَانَتْ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ يَضْرِبُ وَكَانَتَ الْبَعُوضَةُ لَهَا صِلَةٌ ، عُرِّبَتْ بِتَعْرِيبِهَا فَأُلْزِمَتْ إِعْرَابَهَا ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : وَكَفَى بِنَا فَضْلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا فَعُرِّبَتْ غَيْرُ بِإِعْرَابِ مَنْ وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَاصَّةً فِي مَنْ وَ مَا تُعْرِبُ صِلَاتِهُمَا بِإِعْرَابِهِمَا ، لِأَنَّهُمَا يَكُونَانِ مَعْرِفَةً أَحْيَانًا ، وَنَكِرَةً أَحْيَانًا . وَأَمَّا الْوَجْهُ الْآخَرُ ، فَأَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَهَا ، ثُمَّ حَذَفَ ذِكْرَ بَيْنَ وَ إِلَى إِذْ كَانَ فِي نَصْبِ الْبَعُوضَةِ وَدُخُولِ الْفَاءِ فِي مَا الثَّانِيَةِ ، دَلَالَةٌ عَلَيْهِمَا ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ : مُطِرْنَا مَا زُبَالَةَ فَالثَعْلَبِيَّةَ وَ لَهُ عِشْرُونَ مَا نَاقَةً فَجَمَلًا وَ هِيَ أَحْسَنُ النَّاسِ مَا قَرْنًا فَقَدَمًا يَعْنُونَ : مَا بَيْنَ قَرْنِهَا إِلَى قَدَمِهَا .

وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِي كُلِّ مَا حَسُنَ فِيهِ مِنَ الْكَلَامِ دُخُولُ : مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا يَنْصِبُونَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ ، لِيَدُلَّ النَّصْبُ فِيهِمَا عَلَى الْمَحْذُوفِ مِنَ الْكَلَامِ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ الْمَثَلِ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ بَعُوضَةً مَثَلًا فَمَا فَوْقَهَا . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَعُوضَةً مَنْصُوبَةً بِ يَضْرِبُ وَأَنْ تَكُونَ مَا الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي فَمَا فَوْقَهَا مَعْطُوفَةً عَلَى الْبَعُوضَةِ لَا عَلَى مَا وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ فَمَا فَوْقَهَا : فَمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا - عِنْدِي - لِمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ : أَنَّ الْبَعُوضَةَ أَضْعَفُ خَلْقِ اللَّهِ ، فَإِذْ كَانَتْ أَضْعَفَ خَلْقِ اللَّهِ فَهِيَ نِهَايَةٌ فِي الْقِلَّةِ وَالضَّعْفِ .

وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ مَا فَوْقَ أَضْعَفِ الْأَشْيَاءِ لَا يَكُونُ إِلَّا أَقْوَى مِنْهُ ، فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى - عَلَى مَا قَالَاهُ - فَمَا فَوْقَهَا فِي الْعِظَمِ وَالْكِبَرِ ، إِذْ كَانَتِ الْبَعُوضَةُ نِهَايَةً فِي الضَّعْفِ وَالْقِلَّةِ . وَقِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَا فَوْقَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْقِلَّةِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الرَّجُلِ يُذَكِّرُهُ الذَّاكِرُ فَيَصِفُهُ بِاللُّؤْمِ وَالشُّحِّ ، فَيَقُولُ السَّامِعُ : نَعَمْ ، وَفَوْقَ ذَاكَ يَعْنِي فَوْقَ الَّذِي وَصَفَ فِي الشُّحِّ وَاللُّؤْمِ ، وَهَذَا قَوْلٌ خِلَافُ تَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تُرْتَضَى مَعْرِفَتُهُمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ إِذًا ، بِمَا وَصَفْنَا ، أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَصِفَ شَبَهًا لِمَا شَبَّهَ بِهِ الَّذِي هُوَ مَا بَيْنَ بَعُوضَةٍ إِلَى مَا فَوْقَ الْبَعُوضَةِ .

فَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ لَوْ رُفِعَتِ الْبَعُوضَةُ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ فِي مَا إِلَّا مَا قُلْنَا مِنْ أَنْ تَكُونَ اسْمًا لَا صِلَةً بِمَعْنَى التَّطَوُّلِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَأَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَقَوْلُهُ : فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يَعْنِي : فَيَعْرِفُونَ أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ ، لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ - مَثَلٌ .

564
كَمَا حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، أَنَّ هَذَا الْمَثَلَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ وَمِنْ عِنْدِهِ .
565
وَكَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَلَامُ الرَّحْمَنِ ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ مِنَ اللَّهِ . وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَوْلُهُ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْنِي الَّذِينَجَحَدُوا آيَاتِ اللَّهِ ، وَأَنْكَرُوا مَا عَرَفُوا ، وَسَتَرُوا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ حَقٌّ ، وَذَلِكَ صِفَةُ الْمُنَافِقِينَ ، وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ - وَمَنْ كَانَ مِنْ نُظَرَائِهِمْ وَشُرَكَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ - بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَيَقُولُونَ : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ الَّذِي :
566
حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدٌ عَنْ عَمْرٍو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوافَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الْآيَةَ ، قَالَ : يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَيَهْدِيهِمُ اللَّهُ بِهَا ، وَيَضِلُّ بِهَا الْفَاسِقُونَ .

يَقُولُ : يَعْرِفُهُ الْمُؤْمِنُونَ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ ، وَيَعْرِفُهُ الْفَاسِقُونَ فَيَكْفُرُونَ بِهِ . وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا مَا الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْمَثَلِ مَثَلًا . فَذَا الَّذِي مَعَ مَا فِي مَعْنَى الَّذِي وَأَرَادَ صِلَتَهُ ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الْمَثَلِ .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا ( 26 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا يُضِلُّ اللَّهُ بِهِ كَثِيرًا مِنْ خَلْقِهِ . وَالْهَاءُ فِي بِهِ مِنْ ذِكْرِ الْمَثَلِ . وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُبْتَدَأٌ ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ اللَّهَ يُضِلُّ بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ : 567 - كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ، وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ .

- فَيَزِيدُ هَؤُلَاءِ ضَلَالًا إِلَى ضَلَالِهِمْ ، لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ ، وَأَنَّهُ لِمَا ضَرَبَهُ لَهُ مُوَافِقٌ . فَذَلِكَ إِضْلَالُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِهِ . وَيَهْدِي بِهِ يَعْنِي بِالْمَثَلِ ، كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى هُدَاهُمْ وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ .

لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مُوَافِقُ مَا ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهُ مَثَلًا وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ . وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ بِهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنِ الْمُنَافِقِينَ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِمَثَلٍ لَا يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ ، يَضِلُّ بِهِ هَذَا وَيَهْدِي بِهِ هَذَا .

568
حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ هُمُ الْمُنَافِقُونَ .
569
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ،عَنْ قَتَادَةَ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ فَسَقُوا فَأَضَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى فِسْقِهِمْ .
570
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْأَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ هُمْ أَهْلُ النِّفَاقِ .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَصْلُ الْفِسْقَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ . يُقَالُ مِنْهُ : فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ سُمِّيَتَ الْفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً ، لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا ، فَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ سُمِّيَا فَاسِقَيْنِ ، لِخُرُوجِهِمَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِمَا .

وَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] ، يَعْنِي بِهِ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ . 571 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 59 ] أَيْ بِمَا بَعُدُوا عَنْ أَمْرِي . فَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ وَمَا يُضِلُّ اللَّهُ بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبُهُ لِأَهْلِ الضَّلَالِ وَالنِّفَاقِ ، إِلَّا الْخَارِجِينَ عَنْ طَاعَتِهِ ، وَالتَّارِكِينَ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ ، مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَأَهْلِ الضَّلَالِ مَنْ أَهْلِ النِّفَاقِ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 262 قراءة

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    قد ذكرنا في باب البسملة مذاهب الأئمة العشرة فيما بين كل سورتين من الأوجه فتذكر . الم فيه مدان لازمان فيمد كل منهما مدا مشبعا بقدر ثلاث ألفات كما سبق . وقرأ أبو جعفر بالسكت على كل حرف من حروف الهجاء سكتة لطيفة من غير تنفس ، فيسكت على ألف ، وعلى لام ، وعلى ميم ، ويلزم من السكت على لام إظهارها وعدم إدغامها في ميم ، والباقون بغير سكت . فِيهِ هُدًى قرأ ابن كثير بصلة هاء الضمير بياء لفظية ، وهذا مذهبه في كل هاء ضمير وقعت بعد ياء ساكنة وكان ما بعدها متحركا . فإن وقعت بعد حرف ساكن غير الياء وكان ما بعدها متحركا كذلك وصلها بواو لفظية ، مثل : منه واجتباه ، فلا توصل هاء الضمير عنده إلا إذا وقعت بين ساكن ومتحرك كما ذكر ، أما إذا وقعت بين متحركين نحو به وله فلا خلاف بين القراء في صلتها بياء إن وقعت بعد كسرة نحو به . وبواو إن وقعت بعد فتحة نحو له أو ضمة نحو صاحبه . فإن وقعت بين ساكنين نحو فِيهِ الْقُرْآنُ ، أو بين متحرك وساكن نحو لَهُ الْمُلْكُ فلا خلاف بين القراء في عدم صلتها . فحينئذ يكون لها أحوال أربعة كما ذكرنا ، فيصلها ابن كثير وحده في حالة وهي ما إذا وقعت بين ساكن ومتحرك كما سبق تمثيله . ويصلها جميع القراء في حالة ، وهي ما إذا وقعت بين متحركين كما تقدم . وتمتنع صلتها عند الجميع في حالتين : وهما إذا وقعت بين ساكنين ، أو بين متحرك وساكن وقد سبق التمثيل لهما ، فتدبر ، هذه هي القاعدة الكلية لجميع القراء في هاء الضمير . وهناك كلمات خرج فيها بعض القراء عن هذه القاعدة سنبينها في مواضعها إن شاء الله تعالى . يُؤْمِنُونَ قرأ ورش والسوسي وأبو جعفر بإبدال الهمزه واوا ساكنة وصلا ووقفا وكذا كل همزة ساكنة وقعت فاء للكلمة فإن ورشا يبدلها حرف مد من جنس حركة ما قبلها ما عدا كلمات مخصوصة سننبه عليها في محالها إن شاء الله ؛ وأما السوسي فإنه يبدل كل همزة ساكنة سواء أكانت فاء أم عينا أم لاما إلا كلمات معينة خرجت عن هذه القاعدة سنقفك عليها ، وكذا أبو جعفر فإن قاعدته العامة إبدال كل همزة ساكنة فاء كانت أم عينا أم لاما ، واستثنى من هذه القاعدة كلمتان فلا إبدال له فيهما وهما أَنْبِئْهُمْ بالبقرة وَنَبِّئْهُمْ بالحجر والقمر وقرأ حمزة بإبدال همزة يُؤْمِنُونَ عند الوقف فقط ، وكذا يبدل عند الوقف كل همز ساكن فتأمل . الصَّلاةَ قرأ ورش بتفخيم اللام ؛ وكذلك قرأ بتفخيم كل لام مفتوحة سواء أكانت مخففة أم مشددة . متوسطة أم متطرفة . إذا وقعت بعد صاد أو طاء أو ظاء . سواء سكنت هذه الحروف أم فتحت ؛ وسواء خففت أم شددت . نحو : الصَّلاةَ ، و فَصَّلَ ، و مُصَلًّى ، و يَصْلَى ، وَبَطَلَ ، و مُعَطَّلَةٍ ، و مَطْلَعِ ، و طَلَّقْتُمُ <

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَنْ يَضْرِبَ أدغمه خلف عن حمزة بغير غنة ، والباقون مع الغنة ، ومثله كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما إلخ . . . كَثِيرًا معا رقق راءهما ورش . بِهِ إِلا هو منفصل وإن لم يكن حرف المد ثابتا رسما فيكفي ثبوته في اللفظ . يُوصَلَ فخم ورش لامه وصلا ، وله عند الوقف وجهان : الترقيق ، والتفخيم ، والثاني أرجح نظرًا لعروض السكون ، وللدلالة على حكم الوصل . الْخَاسِرُونَ رقق راءه ورش . ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وصل ابن كثير هاء الضمير وصلا . وقرأ يعقوب : ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التاء وكسر الجيم على البناء للفاعل ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول . فَسَوَّاهُنَّ وقف يعقوب عليه بهاء السكت ، وغيره بحذفها . وَهُوَ قرأ قالون وأبو جعفر والبصري وعلي بسكون الهاء والباقون بالضم ، ووقف عليه يعقوب بهاء السكت . إِنِّي جَاعِلٌ لا خلاف بين القراء في إسكان يائه . إِنِّي أَعْلَمُ هذه أول ياء إضافة وقعت في القرآن الكريم ، وقد قرأ بفتحها وصلا نافع والمكي والبصري وأبو جعفر وإذا وقفوا أسكنوها كما هو ظاهر ، وقد فرق العلماء بين ياءات الزوائد وياءات الإضافة بفروق ثلاثة : الأول : أن ياءات الإضافة ثابتة في رسم المصاحف بخلاف ياءات الزوائد . الثاني : أن ياءات الإضافة زائدة على الكلمة فلا تكون لامًا لها أبدا فهي كهاء الضمير وكافه . وياءات الزوائد تكون أصلية وزائدة فتجيء لاما للكلمة نحو يَسْرِ و يَوْمَ يَأْتِ و الدَّاعِ و الْمُنَادِ . الثالث : أن الخلاف في ياء الإضافة دائر بين الفتح والإسكان ؛ وفي الزوائد دائر بين الحذف والإثبات . آدَمَ لا يخفى ما فيه لورش من البدل وكذا ما في أَنْبِئُونِي وكذا ما في الأَسْمَاءَ لورش وحمزة وصلا ووقفا . أَنْبِئُونِي فيه لحمزة عند الوقف ثلاثة أوجه : التسهيل بين بين ، والإبدال ياء خالصة . والحذف ولأبي جعفر الحذف في الحالين . هَؤُلاءِ إِنْ فيه همزتان متفقتان من كلمتين ، وقد اختلف فيهما مذاهب القراء ، وإليك بيانها مفصلة . قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى مع المد والقصر ، ووجه المد النظر للأصل ووجه القصر الاعتداد بعارض التسهيل . ومن القواعد المقررة أن كل حرف مد وقع قبل همز مغير بأي نوع من أنواع التغيير يجوز مده على الأصل وقصره رعاية

موقع حَـدِيث