الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَبَشِّرْ فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَخْبِرْهُمْ . وَالْبِشَارَةُ أَصْلُهَا الْخَبَرُ بِمَا يُسَرُّ بِهِ الْمُخْبَرُ ، إِذَا كَانَ سَابِقًا بِهِ كُلَّ مُخْبِرٍ سِوَاهُ . وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ بِشَارَتِهِ خَلْقَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ ، وَصَدَقُوا إِيمَانَهُمْ ذَلِكَ وَإِقْرَارَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ ، فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ، بَشِّرْ مَنْ صَدَّقَكَ أَنَّكَ رَسُولِي ، وَأَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ فَمِنْ عِنْدِي ، وَحَقَّقَ تَصْدِيقَهُ ذَلِكَ قَوْلًا بِأَدَاءِ الصَّالِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي افْتَرَضْتُهَا عَلَيْهِ ، وَأَوْجَبْتُهَا فِي كِتَابِي عَلَى لِسَانِكَ عَلَيْهِ ، أَنَّ لَهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَاصَّةً ، دُونَ مَنْ كَذَّبَ بِكَ وَأَنْكَرَ مَا جِئْتَهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى مِنْ عِنْدِي وَعَانَدَكَ ، وَدُونَ مَنْ أَظْهَرَ تَصْدِيقَكَ ، وَأَقَرَّ أَنَّ مَا جِئْتَهُ بِهِ فَمِنْ عِنْدِي قَوْلًا وَجَحَدَهُ اعْتِقَادًا ، وَلَمْ يُحَقِّقْهُ عَمَلًا .
فَإِنَّ لِأُولَئِكَ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ، مُعَدَّةً عِنْدِي . وَالْجَنَّاتُ : جَمْعُ جَنَّةٍ ، وَالْجَنَّةُ الْبُسْتَانُ . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ذِكْرُهُ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ : مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ أَشْجَارِهَا وَثِمَارِهَا وَغُرُوسِهَا ، دُونَ أَرْضِهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَنْ مَاءِ أَنْهَارِهَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَشْجَارِهَا وَغُرُوسِهَا وَثِمَارِهَا ، لَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْتَ أَرْضِهَا ، لِأَنَّ الْمَاءَ إِذَا كَانَ جَارِيًا تَحْتَ الْأَرْضِ ، فَلَا حَظَّ فِيهَا لِعُيُونٍ مِنْ فَوْقِهَا إِلَّا بِكَشْفِ السَّاتِرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ .
عَلَى أَنَّ الَّذِي تُوصَفُ بِهِ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ ، أَنَّهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ . 509 - كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، قَالَ : نَخْلُ الْجَنَّةِ نَضِيدٌ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا ، وَثَمَرُهَا أَمْثَالُ الْقِلَالِ ، كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَةٌ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى ، وَمَاؤُهَا يَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ . 510 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، بِنَحْوِهِ .
511 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ - فَذَكَرَ مِثْلَهُ - قَالَ : فَقُلْتُ لِأَبِي عُبَيْدَةَ : مَنْ حَدَّثَكَ ؟ فَغَضِبَ ، وَقَالَ : مَسْرُوقٌ . فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، فِي أَنَّ أَنْهَارَهَا جَارِيَةٌ فِي غَيْرِ أَخَادِيدَ ، فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي أُرِيدَ بِالْجَنَّاتِ أَشْجَارُ الْجَنَّاتِ وَغُرُوسُهَا وَثِمَارُهَا دُونَ أَرْضِهَا ، إِذْ كَانَتْ أَنْهَارُهَا تَجْرِي فَوْقَ أَرْضِهَا وَتَحْتَ غُرُوسِهَا وَأَشْجَارِهَا ، عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَسْرُوقٌ . وَذَلِكَ أَوْلَى بِصِفَةِ الْجَنَّةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ أَنْهَارُهَا جَارِيَةً تَحْتَ أَرْضِهَا .
وَإِنَّمَا رَغَّبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عِبَادَهُ فِي الْإِيمَانِ ، وَحَضَّهُمْ عَلَى عِبَادَتِهِ بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ عِنْدَهُ ، كَمَا حَذَّرَهُمْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إِعْدَادِهِ مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ - الْجَاعِلِينَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ - مِنْ عِقَابِهِ عَنْ إِشْرَاكِ غَيْرِهِ مَعَهُ ، وَالتَّعَرُّضِ لِعُقُوبَتِهِ بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِهِ وَتَرْكِ طَاعَتِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا : مِنَ الْجَنَّاتِ ، وَالْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْجَنَّاتِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنِيُّ أَشْجَارُهَا ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : كُلَّمَا رُزِقُوا - مِنْ أَشْجَارِ الْبَسَاتِينِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلَّذِينِ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِهِ - مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلِ هَذَا فِي الدُّنْيَا .
515 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، مِثْلَهُ . 516 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا ، قَالَ : وَأُتُوْا بِهِ مُتَشَابِهًا يَعْرِفُونَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ مِنْ قَبْلِ هَذَا ، لِشَدَّةِ مُشَابِهَةِ بَعْضِ ذَلِكَ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ بَعْضًا .
وَمِنْ عِلَّةِ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ : أَنَّ ثِمَارَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا نُزِعَ مِنْهَا شَيْءٌ عَادَ مَكَانَهُ آخَرُ مِثْلُهُ . 517 - كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مُرَّةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، قَالَ : نَخْلُ الْجَنَّةِ نَضِيدٌ مِنْ أَصْلِهَا إِلَى فَرْعِهَا ، وَثَمَرُهَا مِثْلُ الْقِلَالِ ، كُلَّمَا نُزِعَتْ مِنْهَا ثَمَرَةٌ عَادَتْ مَكَانَهَا أُخْرَى . قَالُوا : فَإِنَّمَا اشْتَبَهَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، لِأَنَّ الَّتِي عَادَتْ ، نَظِيرَةُ الَّتِي نُزِعَتْ فَأُكِلَتْ ، فِي كُلِّ مَعَانِيهَا .
قَالُوا : وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا لِاشْتِبَاهِ جَمِيعِهِ فِي كُلِّ مَعَانِيهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ لِمُشَابَهَتِهِ الَّذِي قَبْلَهُ فِي اللَّوْنِ ، وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الطَّعْمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 518 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْخٌ مِنَ الْمَصِيصَةِ ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، قَالَ : يُؤْتَى أَحَدُهُمْ بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنْهَا ، ثُمَّ يُؤْتَى بِأُخْرَى فَيَقُولُ : هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ مِنْ قَبْلُ .
فَيَقُولُ الْمَلَكُ : كُلْ ، فَاللَّوْنُ وَاحِدٌ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ . وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَذْهَبُ مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ . غَيْرَ أَنَّهُ يَدْفَعُ صِحَّتَهُ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ .
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَيُحَقِّقُ صِحَّتَهُ قَوْلُ الْقَائِلِينَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مِنْ قِيلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ رِزْقًا أَنْ يَقُولُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ . وَلَمْ يُخَصَّصْ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ .
فَإِذْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي كُلِّ مَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَرِهَا ، فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِهَا أُتُوا بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ وَاسْتِقْرَارِهِمْ فِيهَا ، الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُمْ مِنْ ثِمَارِهَا ثَمَرَةٌ . فَإِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوَّلِهِ ، كَمَا هُوَ مِنْ قِيلِهِمْ فِي أَوْسَطِهِ وَمَا يَتْلُوهُ - فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِيلِهِمْ لِأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلِ هَذَا مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ! وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولُوا لِأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارِهَا وَلَمَّا يَتَقَدَّمْهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ : هَذَا هُوَ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ؟ إِلَّا أَنْ يَنْسُبَهُمْ ذُو غَيَّةٍ وَضَلَالٍ إِلَى قِيلِ الْكَذِبِ الَّذِي قَدْ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ ، أَوْ يَدْفَعَ دَافِعٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِمْ لِأَوَّلِ رِزْقٍ رُزِقُوهُ مِنْهَا مِنْ ثِمَارِهَا ، فَيَدْفَعَ صِحَّةَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ صِحَّتَهُ بِقَوْلِهِ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا مِنْ غَيْرِ نَصْبٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ حَالٌ مِنْ أَحْوَالٍ دُونَ حَالٍ . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : كُلَّمَا رُزِقَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ رِزْقًا قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلِ هَذَا فِي الدُّنْيَا .
فَإِنْ سَأَلَنَا سَائِلٌ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ قَالَ الْقَوْمُ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ، وَالَّذِي رُزِقُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ عُدِمَ بِأَكْلِهِمْ إِيَّاهُ ؟ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَهْلُ الْجَنَّةِ قَوْلًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ؟ قِيلَ : إِنَّ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : هَذَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلِ هَذَا ، مِنَ الثِّمَارِ وَالرِّزْقِ . كَالرَّجُلِ يَقُولُ لِآخَرَ : قَدْ أَعَدَّ لَكَ فُلَانٌ مِنَ الطَّعَامِ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَلْوَانِ الطَّبِيخِ وَالشِّوَاءِ وَالْحَلْوَى .
فَيَقُولُ الْمَقُولُ لَهُ ذَاكَ : هَذَا طَعَامِي فِي مَنْزِلِي . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ النَّوْعَ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ هُوَ طَعَامُهُ ، لَا أَنَّ أَعْيَانَ مَا أَخْبَرَهُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّهُ لَهُ ، هُوَ طَعَامُهُ . بَلْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ لِسَامِعٍ سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ ، أَنْ يَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أَرَادَهُ أَوْ قَصَدَهُ ، لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ مَخْرَجِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ .
وَإِنَّمَا يُوَجَّهُ كَلَامُ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ إِلَى الْمَعْرُوفِ فِي النَّاسِ مِنْ مَخَارِجِهِ ، دُونَ الْمَجْهُولِ مِنْ مَعَانِيهِ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ إِذْ كَانَ مَا كَانُوا رُزِقُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ فَنِيَ وَعُدِمَ . فَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ : هَذَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ ، وَمِنْ جِنْسِهِ فِي السِّمَاتِ وَالْأَلْوَانِ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا هَذَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا عَائِدَةٌ عَلَى الرِّزْقِ ، فَتَأْوِيلُهُ : وَأَتَوْا بِالَّذِي رُزِقُوا مِنْ ثِمَارِهَا مُتَشَابِهًا . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْمُتَشَابِهِ فِي ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَشَابُهُهُ أَنَّ كُلَّهُ خِيَارٌ لَا رَذْلَ فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 519 - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ أَسْلَمَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : مُتَشَابِهًا قَالَ : خِيَارًا كُلَّهَا لَا رَذْلَ فِيهَا .
523 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ . قَالَ : ثَمَرُ الدُّنْيَا مِنْهُ مَا يُرْذَلُ ، وَمِنْهُ نَقَاوَةٌ ، وَثَمَرُ الْجَنَّةِ نَقَاوَةٌ كُلُّهُ ، يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الطِّيبِ ، لَيْسَ مِنْهُ مَرْذُولٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَشَابُهُهُ فِي اللَّوْنِ وَهُوَ مُخْتَلِفٌ فِي الطَّعْمِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَشَابُهُهُ فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 530 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، قَوْلُهُ : مُتَشَابِهًا قَالَ : اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ .
531 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ : مُتَشَابِهًا قَالَا فِي اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَشَابُهُهُ ، تُشَابُهُ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي اللَّوْنِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَ طَعُومُهُمَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 532 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ : يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا ، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ .
533 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، قَالَ : قَالَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ : يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا ، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا ، إِلَّا الْأَسْمَاءَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 534 - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ - ح - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْأَشْجَعِيِّ - : لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا ، إِلَّا الْأَسْمَاءَ .
وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مُؤَمَّلٍ ، قَالَ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءُ . 535 - حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْجَنَّةِ شَيْءٌ إِلَّا الْأَسْمَاءُ . 536 - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبَدِ الْأَعْلَى قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا قَالَ : يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَهُ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا ، التُّفَّاحَ بِالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانَ بِالرُّمَّانِ ، قَالُوا فِي الْجَنَّةِ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا يَعْرِفُونَهُ ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ فِي الطَّعْمِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا فِي اللَّوْنِ وَالْمَنْظَرِ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ . يَعْنِي بِذَلِكَ اشْتِبَاهَ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي الْمَنْظَرِ وَاللَّوْنِ ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ ، لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنَ الْجِنَانِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلِ هَذَا فِي الدُّنْيَا : فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُتُوا بِمَا أُتُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهًا ، يَعْنِي بِذَلِكَ تَشَابُهَ مَا أُتُوا بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ ، وَالَّذِي كَانُوا رُزِقُوهُ فِي الدُّنْيَا ، فِي اللَّوْنِ وَالْمَرْأَى وَالْمَنْظَرِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ فَتَبَايَنَا ، فَلَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرٌ فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ إِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي تَشْبِيهِهِمْ بَعْضَ ثَمَرِ الْجَنَّةِ بِبَعْضٍ .
وَتِلْكَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ ، هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ الْقَوْمُ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ بِقَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَيُسْأَلُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ ، فَزَعَمَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ نَظِيرًا لِشَيْءٍ مِمَّا فِي الدُّنْيَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ ، فَيُقَالُ لَهُ : أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاءُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ثِمَارِهَا وَأَطْعِمَتِهَا وَأَشْرِبَتِهَا نَظَائِرَ أَسْمَاءِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهَا ؟ فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَرَّفَ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ عِنْدَهُ فِي الْجَنَّةِ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ . وَإِنْ قَالَ : ذَلِكَ جَائِزٌ ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ . قِيلَ : فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ أَلْوَانُ مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ ، نَظِيرَ أَلْوَانِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ ، بِمَعْنَى الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَسَائِرِ صُنُوفِ الْأَلْوَانِ ، وَإِنْ تَبَايَنَتْ فَتَفَاضَلَتْ بِفَضْلِ حُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظَرِ ، فَكَانَ لِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَحُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظَرِ ، خِلَافُ الَّذِي لِمَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ ، كَمَا كَانَ جَائِزًا ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُسَمَّيَاتِ بِالْفَضْلِ فِي أَجْسَامِهَا ؟ ثُمَّ يُعْكَسُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ .
وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا : 537 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُدَيٍّ ، وَعَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنْ قَسَامَةَ ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : إِنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْرَجَ آدَمَ مِنَ الْجَنَّةِ زَوَّدَهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ، وَعَلَّمَهُ صَنْعَةَ كُلِّ شَيْءٍ ، فَثِمَارُكُمْ هَذِهِ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ تَغَيَّرُ وَتِلْكَ لَا تَغَيَّرُ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا أَنَّهُ مُتَشَابِهٌ فِي الْفَضْلِ ، أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ فِي نَحْوِهِ ، مِثْلُ الَّذِي لِلْآخَرِ فِي نَحْوِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ هَذَا قَوْلًا نَسْتَجِيزُ التَّشَاغُلَ بِالدَّلَالَةِ عَلَى فَسَادِهِ ، لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
وَحَسْبُ قَوْلٍ بِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ دَلَالَةً عَلَى خَطَئِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي لَهُمْ عَائِدَتَانِ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي فِيهَا عَائِدَتَانِ عَلَى الْجَنَّاتِ . وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ .
وَالْأَزْوَاجُ جَمْعُ زَوْجٍ ، وَهِيَ امْرَأَةُ الرَّجُلِ ، يُقَالُ : فُلَانَةٌ زَوْجُ فُلَانٍ وَزَوْجَتُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : مُطَهَّرَةٌ فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّهُنَّ طُهِّرْنَ مِنْ كُلِّ أَذًى وَقَذًى وَرِيبَةٍ ، مِمَّا يَكُونُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا ، مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ وَالْمَنِيِّ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى وَالْأَدْنَاسِ وَالرَّيْبِ وَالْمَكَارِهِ . 538 - كَمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ فَإِنَّهُنَّ لَا يَحِضْنَ وَلَا يُحْدِثْنَ وَلَا يَتَنَخَّمْنَ .
قَالَ : وَأَزْوَاجُ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِمُطَهَّرَةٍ ، أَلَّا تُرَاهِنَّ يُدْمَيْنَ وَيَتْرُكْنَ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ ؟ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَكَذَلِكَ خُلِقَتْ حَوَّاءُ حَتَّى عَصَتْ ، فَلَمَّا عَصَتْ قَالَ اللَّهُ : إِنِّي خَلَقْتُكِ مُطَهَّرَةً وَسَأُدْمِيكِ كَمَا أَدْمَيْتِ هَذِهِ الشَّجَرَةَ . 551 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ قَالَ يَقُولُ : مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْحَيْضِ . 552 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ قَالَ : مِنَ الْحَيْضِ .
553 - حَدَّثَنَا عَمْرٌو ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ قَوْلُهُ : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ قَالَ : مِنَ الْوَلَدِ وَالْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ ، وَذَكَرَ أَشْيَاءَ مِنْ هَذَا النَّحْوِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( 25 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي الْجَنَّاتِ خَالِدُونَ . وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ مِنْ قَوْلِهِ وَهُمْ عَائِدَةٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .
وَالْهَاءُ وَالْأَلْفُ فِي فِيهَا عَلَى الْجَنَّاتِ . وَخُلُودُهُمْ فِيهَا دَوَامُ بَقَائِهِمْ فِيهَا عَلَى مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِيهَا مِنَ الْحَبَرَةِ وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ .