الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ، أَقْبَلَ عَلَيْهَا ، كَمَا تَقُولُ : كَانَ فُلَانٌ مُقْبِلًا عَلَى فُلَانٍ ، ثُمَّ اسْتَوَى عَلَيَّ يُشَاتِمُنِي ، وَاسْتَوَى إِلَيَّ يُشَاتِمُنِي . بِمَعْنَى : أَقْبَلَ عَلَيَّ وَإِلَيَّ يُشَاتِمُنِي . وَاسْتُشْهِدَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِوَاءَ بِمَعْنَى الْإِقْبَالِ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : أَقُولُ وَقَدْ قَطَعْنَ بِنَا شَرَوْرَى سَوَامِدَ ، وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ فَزَعَمَ أَنَّهُ عَنَى بِهِ أَنَّهُنَّ خَرَجْنَ مِنَ الضُّجُوعِ ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْنَى : أَقْبَلْنَ .
وَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْبَيْتِ خَطَأٌ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : وَاسْتَوَيْنَ مِنَ الضُّجُوعِ اسْتَوَيْنَ عَلَى الطَّرِيقِ مِنَ الضُّجُوعِ خَارِجَاتٍ ، بِمَعْنَى اسْتَقَمْنَ عَلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِتَحَوُّلٍ ، وَلَكِنَّهُ بِمَعْنَى فِعْلِهِ ، كَمَا تَقُولُ : كَانَ الْخَلِيفَةُ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ يُوَالِيهِمْ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى الشَّامِ . إِنَّمَا يُرِيدُ : تَحَوُّلَ فِعْلِهِ .
[ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ يَعْنِي بِهِ : اسْتَوَتْ ] . كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : أَقُولُ لَهُ لَمَّا اسْتَوَى فِي تُرَابِهِ عَلَى أَيِّ دِينٍ قَتَّلَ النَّاسَ مُصْعَبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ عَمَدَ لَهَا . وَقَالَ : بَلْ كُلُّ تَارِكٍ عَمَلًا كَانَ فِيهِ إِلَى آخَرَ فَهُوَ مُسْتَوٍ لِمَا عَمَدَ لَهُ ، وَمُسْتَوٍ إِلَيْهِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الِاسْتِوَاءُ هُوَ الْعُلُوُّ ، وَالْعُلُوُّ هُوَ الِارْتِفَاعُ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ . 588 - حُدِّثْتُ بِذَلِكَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ يَقُولُ : ارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو الِاسْتِوَاءِ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ ، فِي الَّذِي اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الَّذِي اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَعَلَا عَلَيْهَا ، هُوَ خَالِقُهَا وَمُنْشِئُهَا . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلِ الْعَالِي عَلَيْهَا : الدُّخَانُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْأَرْضِ سَمَاءً .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : الِاسْتِوَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُنْصَرِفٌ عَلَى وُجُوهٍ : مِنْهَا انْتِهَاءُ شَبَابِ الرَّجُلِ وَقُوَّتِهِ ، فَيُقَالُ ، إِذَا صَارَ كَذَلِكَ : قَدِ اسْتَوَى الرَّجُلُ . وَمِنْهَا اسْتِقَامَةُ مَا كَانَ فِيهِ أَوَدٌ مِنَ الْأُمُورِ وَالْأَسْبَابِ ، يُقَالُ مِنْهُ : اسْتَوَى لِفُلَانٍ أَمْرُهُ . إِذَا اسْتَقَامَ بَعْدَ أَوَدٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ : طَالَ عَلَى رَسْمٍ مَهْدَدٍ أَبَدُهْ وَعَفَا وَاسْتَوَى بِهِ بَلَدُهْ يَعْنِي : اسْتَقَامَ بِهِ .
وَمِنْهَا : الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ يُقَالُ اسْتَوَى فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ بِمَا يَكْرَهُهُ وَيَسُوءُهُ بَعْدَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ . وَمِنْهَا . الِاحْتِيَازُ وَالِاسْتِيلَاءُ ، كَقَوْلِهِمْ : اسْتَوَى فَلَانٌ عَلَى الْمَمْلَكَةِ .
بِمَعْنَى احْتَوَى عَلَيْهَا وَحَازَهَا . وَمِنْهَا : الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ ، اسْتَوَى فَلَانٌ عَلَى سَرِيرِهِ . يَعْنِي بِهِ عُلُوَّهُ عَلَيْهِ .
وَأَوْلَى الْمَعَانِي بِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ عَلَا عَلَيْهِنَّ وَارْتَفَعَ ، فَدَبَّرَهُنَّ بِقُدْرَتِهِ ، وَخَلَقَهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ . وَالْعَجَبُ مِمَّنْ أَنْكَرَ الْمَعْنَى الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ ، هَرَبًا عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ أَنْ يُلْزِمَهُ بِزَعْمِهِ - إِذَا تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَاهُ الْمُفْهِمِ كَذَلِكَ - أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا عَلَا وَارْتَفَعَ بَعْدَ أَنْ كَانَ تَحْتَهَا - إِلَى أَنْ تَأَوَّلَهُ بِالْمَجْهُولِ مِنْ تَأْوِيلِهِ الْمُسْتَنْكَرِ . ثُمَّ لَمَّ يَنْجُ مِمَّا هَرَبَ مِنْهُ! فَيُقَالُ لَهُ : زَعَمْتَ أَنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ اسْتَوَى أَقْبَلَ ، أَفَكَانَ مُدْبِرًا عَنِ السَّمَاءِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهَا ؟ فَإِنَّ زَعْمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِقْبَالِ فِعْلٍ ، وَلَكِنَّهُ إِقْبَالُ تَدْبِيرٍ ، قِيلَ لَهُ : فَكَذَلِكَ فَقُلْ : عَلَا عَلَيْهَا عُلُوَّ مُلْكٍ وَسُلْطَانٍ ، لَا عُلُوَّ انْتِقَالٍ وَزَوَالٍ .
ثُمَّ لَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ . وَلَوْلَا أَنَّا كَرِهْنَا إِطَالَةَ الْكِتَابِ بِمَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ ، لَأَنْبَأْنَا عَنْ فَسَادِ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ قَالَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا لِقَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ فِيهِ مُخَالِفًا . وَفِيمَا بَيَّنَّا مِنْهُ مَا يُشْرِفُ بِذِي الْفَهْمِ عَلَى مَا فِيهِ لَهُ الْكِفَايَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : أَخْبِرْنَا عَنِ اسْتِوَاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى السَّمَاءِ ، كَانَ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ أَمْ بَعْدَهُ ؟ قِيلَ : بَعْدَهُ ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 11 ] . وَالِاسْتِوَاءُ كَانَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَهَا دُخَانًا ، وَقَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّمَا قَالَ : اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَلَا سَمَاءَ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ : اعْمَلْ هَذَا الثَّوْبَ وَإِنَّمَا مَعَهُ غَزْلٌ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فَسَوَّاهُنَّ فَإِنَّهُ يَعْنِي هَيَّأَهُنَّ وَخَلَقَهُنَّ وَدَبَّرَهُنَّ وَقَوَّمَهُنَّ . وَالتَّسْوِيَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، التَّقْوِيمُ وَالْإِصْلَاحُ وَالتَّوْطِئَةُ ، كَمَا يُقَالُ : سَوَّى فَلَانٌ لِفُلَانٍ هَذَا الْأَمْرَ . إِذَا قَوَّمَهُ وَأَصْلَحَهُ وَوَطَّأَهُ لَهُ .
فَكَذَلِكَ تَسْوِيَةُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَمَاوَاتِهِ : تَقْوِيمُهُ إِيَّاهُنَّ عَلَى مَشِيئَتِهِ ، وَتَدْبِيرُهُ لَهُنَّ عَلَى إِرَادَتِهِ ، وَتَفْتِيقُهُنَّ بَعْدَ ارْتِتَاقِهِنَّ . 589 - كَمَا : حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ يَقُولُ : سَوَّى خَلْقَهُنَّ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : فَسَوَّاهُنَّ فَأَخْرَجَ مَكْنِيَّهُنَّ مُخْرَجَ مَكْنِيِّ الْجَمِيعِ ، وَقَدْ قَالَ قَبْلُ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَأَخْرَجَهَا عَلَى تَقْدِيرِ الْوَاحِدِ .
وَإِنَّمَا أَخْرَجَ مَكْنِيَّهُنَّ مُخْرَجَ مَكْنِيِّ الْجَمْعِ ، لِأَنَّ السَّمَاءَ جَمْعٌ وَاحِدُهَا سَمَاوَةٌ ، فَتَقْدِيرُ وَاحِدَتِهَا وَجَمِيعِهَا إِذًا تَقْدِيرُ بَقَرَةٍ وَبَقَرٍ وَنَخْلَةٍ وَنَخْلٍ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَلِذَلِكَ أُنِّثَتْ مَرَّةً فَقِيلَ : هَذِهِ سَمَاءٌ ، وَذُكِّرَتْ أُخْرَى فَقِيلَ : السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [ سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ : 18 ] ، كَمَا يُفْعَلُ ذَلِكَ بِالْجَمْعِ الَّذِي لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ غَيْرَ دُخُولِ الْهَاءِ وَخُرُوجِهَا ، فَيُقَالُ : هَذَا بَقْرٌ وَهَذِهِ بَقْرٌ ، وَهَذَا نَخْلٌ وَهَذِهِ نَخْلٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ السَّمَاءَ وَاحِدَةٌ ، غَيْرَ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى السَّمَاوَاتِ ، فَقِيلَ : فَسَوَّاهُنَّ يُرَادُ بِذَلِكَ الَّتِي ذُكِرَتْ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ سَائِرِ السَّمَاوَاتِ الَّتِي لَمَّ تُذْكَرْ مَعَهَا .
قَالَ : وَإِنَّمَا تُذَكَّرُ إِذَا ذُكِّرَتْ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ ، فَيُقَالُ : السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَمَا يُذَكَّرُ الْمُؤَنَّثُ ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : فَلَا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلَا أَرْضٌ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا وَكَمَا قَالَ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ : فَإِمَّا تَرَيْ لِمَّتِي بُدِّلَتْ فَإِنَّ الْحَوَادِثَ أَزْرَى بِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : السَّمَاءُ وَإِنْ كَانَتْ سَمَاءً فَوْقَ سَمَاءٍ وَأَرْضًا فَوْقَ أَرْضٍ ، فَهِيَ فِي التَّأْوِيلِ وَاحِدَةٌ إِنْ شِئْتَ ، ثُمَّ تَكُونُ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ جِمَاعًا ، كَمَا يُقَالُ : ثَوْبٌ أَخْلَاقٌ وَأَسْمَالٌ ، وَبُرْمَةٌ أَعْشَارٌ ، لِلْمُتَكَسِّرَةِ ، وَبُرْمَةٌ أَكْسَارٌ وَأَجْبَارٌ . وَأَخْلَاقٌ ، أَيْ أَنَّ نَوَاحِيَهُ أَخْلَاقٌ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَإِنَّكَ قَدْ قُلْتَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ قَبْلَ أَنْ يُسَوِّيَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ، ثُمَّ سِوَّاهَا سَبْعًا بَعْدَ اسْتِوَائِهِ إِلَيْهَا ، فَكَيْفَ زَعَمَتْ أَنَّهَا جِمَاعٌ ؟ قِيلَ : إِنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا غَيْرَ مُسْتَوِيَاتٍ ، فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعًا .
كَمَا : 590 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : كَانَ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى النُّورَ وَالظُّلْمَةَ ، ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا ، فَجَعَلَ الظُّلْمَةَ لَيْلًا أَسْوَدَ مُظْلِمًا ، وَجَعَلَ النُّورَ نَهَارًا مُضِيئًا مُبْصِرًا ، ثُمَّ سَمَكَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ مِنْ دُخَانٍ - يُقَالُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، مِنْ دُخَانِ الْمَاءِ - حَتَّى اسْتَقْلَلْنَ وَلَمْ يَحْبُكْهُنَّ . وَقَدْ أَغْطَشَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا لَيْلَهَا ، وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ، فَجَرَى فِيهَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَلَيْسَ فِيهَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا نُجُومٌ . ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ وَأَرْسَاهَا بِالْجِبَالِ ، وَقَدَّرَ فِيهَا الْأَقْوَاتَ ، وَبَثَّ فِيهَا مَا أَرَادَ مِنَ الْخَلْقِ ، فَفَرَغَ مِنَ الْأَرْضِ وَمَا قُدِّرَ فِيهَا مِنْ أَقْوَاتِهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ .
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ - كَمَا قَالَ - فَحَبْكَهُنَّ ، وَجَعَلَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا وَنُجُومَهَا ، وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ، فَأَكْمَلَ خَلْقَهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ ، فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . ثُمَّ اسْتَوَى فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِلسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ : ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لِمَا أَرَدْتُ بِكُمَا ، فَاطْمَئِنَّا عَلَيْهِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، قَالَتَا : أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَدْ أَخْبَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ - بَعْدَ خَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا - وَهُنَّ سَبْعٌ مِنْ دُخَانٍ ، فَسَوَّاهُنَّ كَمَا وَصَفَ .
وَإِنَّمَا اسْتَشْهَدْنَا لِقَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، لِأَنَّهُ أَوْضَحُ بَيَانًا - عَنْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ ، أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبْعًا مِنْ دُخَانٍ قَبْلَ اسْتِوَاءِ رَبِّنَا إِلَيْهَا لِتَسْوِيَتِهَا - مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَحْسَنُ شَرْحًا لِمَا أَرَدْنَا الِاسْتِدْلَالَ بِهِ ، مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّمَاءِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهَا : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، عَلَى مَا وَصَفْنَا . وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَسَوَّاهُنَّ إِذْ كَانَتِ السَّمَاءُ بِمَعْنَى الْجَمِيعِ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : فَمَا صِفَةُ تَسْوِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ السَّمَاوَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي قَوْلِهِ فَسَوَّاهُنَّ إِذْ كُنَّ قَدْ خُلِقْنَ سَبْعًا قَبْلَ تَسْوِيَتِهِ إِيَّاهُنَّ ؟ وَمَا وَجْهُ ذِكْرِ خَلْقِهِنَّ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ ؟ أَلِأَنَّهَا خُلِقَتْ قَبْلَهَا ، أَمْ بِمَعْنًى غَيْرِ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَنُؤَكِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِمَا نَضُمُّ إِلَيْهِ مِنْ أَخْبَارِ بَعْضِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَأَقْوَالِهِمْ .
591 - فَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ، وَلَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا غَيْرَ مَا خَلَقَ قَبْلَ الْمَاءِ . فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ ، أَخْرَجَ مِنَ الْمَاءِ دُخَانًا ، فَارْتَفَعَ فَوْقَ الْمَاءِ فَسَمَا عَلَيْهِ ، فَسَمَّاهُ سَمَاءً . ثُمَّ أَيْبَسَ الْمَاءَ فَجَعَلَهُ أَرْضًا وَاحِدَةً ، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَ سَبْعَ أَرَضِينَ فِي يَوْمَيْنِ - فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ - فَخَلَقَ الْأَرْضَ عَلَى حُوتٍ ، وَالْحُوتُ هُوَ النُّونُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ : ن وَالْقَلَمِ وَالْحُوتُ فِي الْمَاءِ ، وَالْمَاءُ عَلَى ظَهْرِ صَفَاةٍ ، وَالصَّفَاةُ عَلَى ظَهْرِ مَلَكٍ ، وَالْمَلَكُ عَلَى صَخْرَةٍ ، وَالصَّخْرَةُ فِي الرِّيحِ - وَهِيَ الصَّخْرَةُ الَّتِي ذَكَرَ لُقْمَانُ - لَيْسَتْ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ : فَتَحَرَّكَ الْحُوتُ فَاضْطَرَبَ ، فَتَزَلْزَلَتِ الْأَرْضُ ، فَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَ فَقَرَّتْ ، فَالْجِبَالُ تَخِرُّ عَلَى الْأَرْضِ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ [ سُورَةُ النَّحْلِ : 15 ] .
وَخَلَقَ الْجِبَالَ فِيهَا ، وَأَقْوَاتَ أَهْلِهَا وَشَجَرَهَا وَمَا يَنْبَغِي لَهَا فِي يَوْمَيْنِ - فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ - وَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا يَقُولُ : أَنْبَتَ شَجَرَهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا يَقُولُ : أَقْوَاتُهَا لِأَهْلِهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ يَقُولُ : قُلْ لِمَنْ يَسْأَلُكَ : هَكَذَا الْأَمْرُ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [ سُورَةُ فُصِّلَتْ : 9 - 11 ] ، وَكَانَ ذَلِكَ الدُّخَانُ مِنْ تَنَفُّسِ الْمَاءِ حِينَ تَنَفَّسَ ، فَجَعَلَهَا سَمَاءً وَاحِدَةً ، ثُمَّ فَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ - فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمْعَةِ - وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا قَالَ : خَلَقَ فِي كُلِّ سَمَاءٍ خَلْقَهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا ، مِنَ الْبِحَارِ وَجِبَالِ الْبَرَدِ وَمَا لَا يُعْلَمُ ، ثُمَّ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِالْكَوَاكِبِ ، فَجَعَلَهَا زِينَةً وَحِفْظًا ، تُحْفَظُ مِنَ الشَّيَاطِينِ . فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ ، اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ . فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 54 ] .
وَيَقُولُ : كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 30 ] . 592 - وَحَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، فِي قَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ قَالَ : خَلَقَ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ ، فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قَالَ : بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ ، وَسَبْعَ أَرْضِينَ ، بَعْضُهُنَّ تَحْتَ بَعْضٍ . 593 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قَالَ : بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ ، بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَسِيرَةُ خَمْسُمِئَةِ عَامٍ .
594 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : حَيْثُ ذَكَرَ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ ذَكَرَ السَّمَاءَ قَبْلَ الْأَرْضِ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْضَ بِأَقْوَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْحُوَهَا قَبْلَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [ سُورَةُ النَّازِعَاتِ : 30 ] . 595 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ بَدَأَ الْخَلْقَ يَوْمَ الْأَحَدِ ، فَخَلَقَ الْأَرَضِينَ فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ ، وَخَلَقَ الْأَقْوَاتَ وَالرَّوَاسِيَ فِي الثُّلَاثَاءِ وَالْأَرْبِعَاءِ ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ فِي الْخَمِيسِ وَالْجُمُعَةِ ، وَفَرَغَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ، فَخَلَقَ فِيهَا آدَمَ عَلَى عَجَلٍ . فَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا السَّاعَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ ، فَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَسَخَّرَهُ لَكُمْ تَفَضُّلًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، لِيُكَوَّنَ لَكُمْ بَلَاغًا فِي دُنْيَاكُمْ وَمَتَاعًا إِلَى مُوَافَاةِ آجَالِكُمْ ، وَدَلِيلًا لَكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّكُمْ . ثُمَّ عَلَا إِلَى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَهِيَ دُخَانٌ ، فَسَوَّاهُنَّ وَحَبَكَهُنَّ ، وَأَجْرَى فِي بَعْضِهِنَّ شَمْسَهُ وَقَمَرَهُ وَنُجُومَهُ ، وَقَدَّرَ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ مَا قَدَّرَ مِنْ خَلْقِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ جَلَالُهُ : وَهُوَ نَفْسَهُ ، وَبِقَوْلِهِ : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِي خَلَقَكُمْ ، وَخَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، وَسَوَّى السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ بِمَا فِيهِنَّ فَأَحْكَمَهُنَّ مِنْ دُخَانِ الْمَاءِ ، وَأَتْقَنَ صُنْعَهُنَّ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ - أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ وَالْمُلْحِدُونَ الْكَافِرُونَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ فِي أَنْفُسِكُمْ ، وَإِنْ أَبْدَى مُنَافِقُوكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ قَوْلَهُمْ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَهُمْ عَلَى التَّكْذِيبِ بِهِ مُنْطَوُونَ .
وَكَذَّبَتْ أَحْبَارُكُمْ بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ رَسُولِي مِنَ الْهُدَى وَالنُّورِ ، وَهُمْ بِصِحَّتِهِ عَارِفُونَ . وَجَحَدُوهُ وَكَتَمُوا مَا قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْهِمْ - بِبَيَانِهِ لِخَلْقِي مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ وَنُبُوَّتِهِ - الْمَوَاثِيقَ وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ . بَلْ أَنَا عَالِمٌ بِذَلِكَ مَنْ أَمْرِكُمْ وَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأُمُورِ غَيْرِكُمْ ، إِنِّي بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
وَقَوْلُهُ : عَلِيمٌ بِمَعْنَى عَالَمٍ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : هُوَ الَّذِي قَدْ كَمَلَ فِي عِلْمِهِ . 596 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْعَالَمُ الَّذِي قَدْ كَمَلَ فِي عِلْمِهِ .