حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . . . "

576
حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ،عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَقُولُ : لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا فَخَلَقَكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
577
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِاللَّهِ فِي قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [ سُورَةُ غَافِرٍ : 11 ] ، قَالَ : هِيَ كَالَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ
578
حَدَّثَنِي أَبُو حَصِينٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْثَرٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ ،عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : خَلَقْتَنَا وَلَمْ نَكُنْ شَيْئًا ، ثُمَّ أَمَتَّنَا ، ثُمَّ أَحْيَيْتَنَا .
579
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، فِيقَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ .
580
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًافَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ قَالَ : لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حِينَ خَلَقَكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمَ الْمَوْتَةَ الْحَقَّ ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ . وَقَوْلُهُ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ مِثْلُهَا .
581
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : هُوَ قَوْلُهُ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ
582
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ :كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا يَقُولُ : حِينَ لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ حِينَ خَلَقَهُمْ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْهِ بَعْدَ الْحَيَاةِ .

583 - حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ : أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكُمْ ، فَهَذِهِ مِيتَةٌ ، ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ ، فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ . ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فَتَرْجِعُونَ إِلَى الْقُبُورِ ، فَهَذِهِ مِيتَةٌ أُخْرَى . ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَهَذِهِ إِحْيَاءَةٌ .

فَهُمَا مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ ، فَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 584 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ : ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قَالَ : يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْرِ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 585 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا الْآيَةَ . قَالَ : كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ وَخَلَقَهُمْ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمُ الْمَوْتَةَ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَهُمَا حَيَاتَانِ وَمَوْتَتَانِ .

وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : 586 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ ، قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ قَالَ : خَلَقَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ ، وَقَرَأَ : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، حَتَّى بَلَغَ : ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 172 - 173 ] . قَالَ : فَكَسَبَهُمُ الْعَقْلَ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ . قَالَ : وَانْتَزَعَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِ آدَمَ الْقُصَيْرَى فَخَلَقَ مِنْهُ حَوَّاءَ ، ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَالَ : وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 1 ] ، قَالَ : وَبَثَّ مِنْهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْحَامِ خَلْقًا كَثِيرًا ، وَقَرَأَ : يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [ سُورَةُ الزُّمَرِ : 6 ] ، قَالَ : خُلِقَا بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ : فَلَمَّا أُخِذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقُ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ : قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 7 ] . قَالَ : يَوْمَئِذٍ .

قَالَ : وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 7 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ ، وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ مِنَ التَّأْوِيلِ . فَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ أَيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ، فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى نَحْوِ قَوْلِ الْعَرَبِ لِلشَّيْءِ الدَّارِسِ وَالْأَمْرِ الْخَامِلِ الذِّكْرِ : هَذَا شَيْءٌ مَيْتٌ ، وَهَذَا أَمْرٌ مَيْتٌ - يُرَادُ بِوَصْفِهِ بِالْمَوْتِ : خُمُولُ ذِكْرِهِ ، وَدُرُوسُ أَثَرِهِ مِنَ النَّاسِ .

وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي ضِدِّ ذَلِكَ وَخِلَافِهِ : هَذَا أَمْرٌ حَيٌّ ، وَذِكْرٌ حَيٌّ - يُرَادُ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ نَابِهٌ مُتَعَالِمٌ فِي النَّاسِ ، كَمَا قَالَ أَبُو نُخَيْلَةَ السَّعْدِيُّ : فَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي ، وَمَا كُنْتُ خَامِلًا وَلَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ : فَأَحْيَيْتَ لِي ذِكْرِي أَيْ : رَفَعْتَهُ وَشَهَرْتَهُ فِي النَّاسِ حَتَّى نَبَهَ فَصَارَ مَذْكُورًا حَيًّا ، بَعْدَ أَنْ كَانَ خَامِلًا مَيْتًا . فَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا ، أَيْ كُنْتُمْ خُمُولًا لَا ذِكْرَ لَكُمْ ، وَذَلِكَ كَانَ مَوْتُكُمْ فَأَحْيَاكُمْ ، فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاءً تُذْكَرُونَ وَتَعْرِفُونَ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ ، كَالَّذِي كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَكُمْ ، مِنْ دُرُوسِ ذِكْرِكُمْ ، وَتَعَفِّي آثَارِكُمْ ، وَخُمُولِ أُمُورِكُمْ ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بِإِعَادَةِ أَجْسَامِكُمْ إِلَى هَيْئَاتِهَا ، وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا ، وَتَصْيِيرِكُمْ بَشَرًا كَالَّذِي كُنْتُمْ قَبْلَ الْإِمَاتَةِ ، تَتَعَارَفُونَ فِي بَعْثِكُمْ وَعِنْدَ حَشْرِكُمْ . وَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : أَنَّهُ الْإِمَاتَةُ الَّتِي هِيَ خُرُوجُ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ ، فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ بِقَوْلِهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ الْقُبُورِ بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ .

وَذَلِكَ مَعْنًى بَعِيدٌ ، لِأَنَّ التَّوْبِيخَ هُنَالِكَ إِنَّمَا هُوَ تَوْبِيخٌ عَلَى مَا سَلَفَ وَفَرَطَ مِنْ إِجْرَامِهِمْ ، لَا اسْتِعْتَابٌ وَاسْتِرْجَاعٌ . وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا تَوْبِيخُ مُسْتَعْتِبٍ عِبَادَهُ ، وَتَأْنِيبُ مُسْتَرْجِعٍ خَلْقَهُ مِنَ الْمَعَاصِي إِلَى الطَّاعَةِ ، وَمِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الْإِنَابَةِ ، وَلَا إِنَابَةَ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَلَا تَوْبَةَ فِيهَا بَعْدَ الْوَفَاةِ . وَأَمَّا وَجْهُ تَأْوِيلِ قَوْلِ قَتَادَةَ ذَلِكَ : أَنَّهُمْ كَانُوا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ .

فَإِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا نُطَفًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا ، فَكَانَتْ بِمَعْنَى سَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمَوَاتِ الَّتِي لَا أَرْوَاحَ فِيهَا . وَإِحْيَاؤُهُ إِيَّاهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ ، نَفْخُهُ الْأَرْوَاحَ فِيهَا ، وَإِمَاتَتُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَبْضُهُ أَرْوَاحَهُمْ . وَإِحْيَاؤُهُ إِيَّاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ، نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِي أَجْسَامِهِمْ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، وَيُبْعَثُ الْخَلْقُ لِلْمَوْعُودِ .

وَأَمَّا ابْنُ زَيْدٍ ، فَقَدْ أَبَانَ عَنْ نَفْسِهِ مَا قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْإِمَاتَةَ الْأُولَى عِنْدَ إِعَادَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، بَعْدَ مَا أَخَذَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ، وَأَنَّ الْإِحْيَاءَ الْآخِرَ هُوَ نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِيهِمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ ، وَأَنَّ الْإِمَاتَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ قَبْضُ أَرْوَاحِهِمْ لِلْعَوْدِ إِلَى التُّرَابِ ، وَالْمَصِيرِ فِي الْبَرْزَخِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ، وَأَنَّ الْإِحْيَاءَ الثَّالِثَ هُوَ نَفْخُ الْأَرْوَاحِ فِيهِمْ لِبَعْثِ السَّاعَةِ وَنَشْرِ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا تَأْوِيلٌ إِذَا تَدَبَّرَهُ الْمُتَدَبِّرُ وَجَدَهُ خِلَافًا لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ الَّذِي زَعَمَ مُفَسِّرُهُ أَنَّ الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ قَوْلِهِ تَفْسِيرُهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ - عَنِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ مِنْ خَلْقِهِ - أَنَّهُمْ قَالُوا : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ وَزَعْمَ ابْنُ زَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ ثَلَاثَ إِحْيَاءَاتٍ ، وَأَمَاتَهُمْ ثَلَاثَ إِمَاتَاتٍ .

وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا - وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَصَفَ مِنَ اسْتِخْرَاجِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ذَرِّيَّتَهُ ، وَأَخْذِهِ مِيثَاقَهُ عَلَيْهِمْ كَمَا وَصَفَ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ - أَعْنِي قَوْلَهُ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا الْآيَةَ ، وَقَوْلَهُ : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ - فِي شَيْءٍ . لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَدَّعِ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَ مَنْ ذَرَأَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ الْإِمَاتَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا فِي الْبَرْزَخِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ، فَيَكُونُ جَائِزًا أَنْ يُوَجِّهَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ إِلَى مَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَوْتَةُ الْأُولَى مُفَارَقَةُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ جَسَدَهُ إِلَى رَحِمِ الْمَرْأَةِ ، فَهِيَ مَيْتَةٌ مِنْ لَدُنْ فِرَاقِهَا جَسَدَهُ إِلَى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهَا .

ثُمَّ يُحْيِيهَا اللَّهُ بِنَفْخِ الرَّوْحِ فِيهَا فَيَجْعَلُهَا بَشَرًا سَوِيًّا بَعْدَ تَارَاتٍ تَأْتِي عَلَيْهَا . ثُمَّ يُمِيتُهُ الْمَيْتَةَ الثَّانِيَةَ بِقَبْضِ الرُّوحِ مِنْهُ ، فَهُوَ فِي الْبَرْزَخِ مَيْتٌ إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ، فَيَرُدُّ فِي جَسَدِهِ رُوحَهُ ، فَيَعُودُ حَيًّا سَوِيًّا لِبَعْثِ الْقِيَامَةِ . فَذَلِكَ مَوْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ .

وَإِنَّمَا دَعَا هَؤُلَاءِ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا : مَوْتُ ذِي الرُّوحِ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ إِيَّاهُ . فَزَعَمُوا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ ابْنِ آدَمَ حَيٌّ مَا لَمْ يُفَارِقْ جَسَدَهُ الْحَيَّ ذَا الرُّوحِ ، فَكُلُّ مَا فَارَقَ جَسَدَهُ الْحَيَّ ذَا الرُّوحِ ، فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ فَصَارَ مَيْتًا . كَالْعُضْوِ مِنْ أَعْضَائِهِ - مِثْلُ الْيَدِ مِنْ يَدَيْهِ وَالرِّجْلِ مِنْ رِجْلَيْهِ - لَوْ قُطِعَتْ فَأُبِينَتْ ، وَالْمَقْطُوعُ ذَلِكَ مِنْهُ حَيٌّ ، كَانَ الَّذِي بَانَ مِنْ جَسَدِهِ مَيْتًا لَا رُوحَ فِيهِ بِفِرَاقِهِ سَائِرَ جَسَدِهِ الَّذِي فِيهِ الرُّوحُ .

قَالُوا : فَكَذَلِكَ نُطْفَتُهُ حَيَّةٌ بِحَيَاتِهِ مَا لَمْ تُفَارِقْ جَسَدَهُ ذَا الرُّوحِ ، فَإِذَا فَارَقَتْهُ مُبَايَنَةً لَهُ صَارَتْ مَيْتَةً نَظِيرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ الْيَدِ وَالرَّجْلِ وَسَائِرِ أَعْضَائِهِ . وَهَذَا قَوْلٌ وَوَجْهٌ مِنَ التَّأْوِيلِ ، لَوْ كَانَ بِهِ قَائِلٌ مِنْ أَهْلِ الْقُدْوَةِ الَّذِينَ يُرْتَضَى لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلُهُمْ . وَأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا - مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي بَيَّنَّا - بِتَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ الْآيَةَ ، الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا أَمْوَاتَ الذِّكْرِ ، خُمُولًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ نُطَفًا ، لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ : فَأَحْيَاكُمْ بِإِنْشَائِكُمْ بَشَرًا سَوِيًّا حَتَّى ذُكِرْتُمْ وَعُرِفْتُمْ وَحَيِيتُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَإِعَادَتِكُمْ رُفَاتًا لَا تُعْرَفُونَ وَلَا تُذْكَرُونَ فِي الْبَرْزَخِ إِلَى يَوْمِ تَبْعَثُونَ ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَفْخِ الْأَرْوَاحِ فِيكُمْ لِبَعْثِ السَّاعَةِ وَصَيْحَةِ الْقِيَامَةِ ، ثُمَّ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْيِيهِمْ فِي قُبُورِهِمْ قَبْلَ حَشْرِهِمْ ، ثُمَّ يَحْشُرُهُمْ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [ سُورَةُ الْمَعَارِجِ : 43 ] وَقَالَ : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [ سُورَةُ يس : 51 ] .

وَالْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا اخْتَرْنَا هَذَا التَّأْوِيلَ ، مَا قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ لِلْقَائِلِينَ بِهِ ، وَفَسَادُ مَا خَالَفَهُ بِمَا قَدْ أَوْضَحْنَاهُ قَبْلُ . وَهَذِهِ الْآيَةُ تَوْبِيخٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْقَائِلِينَ : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مَعَ قَيْلِهِمْ ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ ، غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ . وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ، فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ وَوَبَّخَهُمْ وَاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ - فِي نَكِيرِهِمْ مَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَجُحُودِهِمْ مَا جَحَدُوا بِقُلُوبِهِمُ الْمَرِيضَةِ - فَقَالَ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ فَتَجْحَدُونَ قُدْرَتَهُ عَلَى إِحْيَائِكُمْ بَعْدَ إِمَاتَتِكُمْ ، [ لِبَعْثِ الْقِيَامَةِ ، وَمُجَازَاةِ الْمُسِيءِ مِنْكُمْ بِالْإِسَاءَةِ وَالْمُحْسِنِ بِالْإِحْسَانِ ، وَقَدْ كُنْتُمْ نُطَفًا أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ ، فَأَنْشَأَكُمْ خَلْقًا سَوِيًّا ، وَجَعَلَكُمْ أَحْيَاءً ، ثُمَّ أَمَاتَكُمْ بَعْدَ إِنْشَائِكُمْ .

فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهِ ، غَيْرُ مُعْجِزِهِ - بِالْقُدْرَةِ الَّتِي فَعَلَ ذَلِكَ بِكُمْ - إِحْيَاؤُكُمْ بَعْدَ إِمَاتَتِكُمْ ] وَإِعَادَتُكُمْ بَعْدَ إِفْنَائِكُمْ ، وَحَشْرُكُمْ إِلَيْهِ لِمُجَازَاتِكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ . ثُمَّ عَدَّدَ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ - الَّذِينَ جَمَعَ بَيْنَ قِصَصِهِمْ وَقِصَصِ الْمُنَافِقِينَ فِي كَثِيرٍ مِنْ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي افْتَتَحَ الْخَبَرَ عَنْهُمْ فِيهَا بِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ نِعَمَهُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى آبَائِهِمْ ، الَّتِي عَظُمَتْ مِنْهُمْ مَوَاقِعُهَا . ثُمَّ سَلَبَ كَثِيرًا مِنْهُمْ كَثِيرًا مِنْهَا ، بِمَا رَكِبُوا مِنَ الْآثَامِ ، وَاجْتَرَمُوا مِنَ الْأَجْرَامِ ، وَخَالَفُوا مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ ، مُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ تَعْجِيلَ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ ، كَالَّتِي عَجَّلَهَا لِلْأَسْلَافِ وَالْأَفْرَاطِ قَبْلَهُمْ ، وَمُخَوِّفَهُمْ حُلُولَ مَثُلَاتِهِ بِسَاحَتِهِمْ كَالَّذِي أَحَلَّ بِأَوَّلِيهِمْ ، وَمُعَرِّفَهُمْ مَا لَهُمْ مِنَ النَّجَاةِ فِي سُرْعَةِ الْأَوْبَةِ إِلَيْهِ ، وَتَعْجِيلِ التَّوْبَةِ ، مِنَ الْخَلَاصِ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْعِقَابِ .

فَبَدَأَ بَعْدَ تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا عَدَّدَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي هُمْ فِيهَا مُقِيمُونَ ، بِذِكْرِ أَبِينَا وَأَبِيهِمْ آدَمَ أَبِي الْبَشَرِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ كَرَامَتِهِ إِلَيْهِ ، وَآلَائِهِ لَدَيْهِ ، وَمَا أُحِلَّ بِهِ وَبِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ مِنْ عَاجَلِ عُقُوبَتِهِ بِمَعْصِيَتِهِمَا الَّتِي كَانَتْ مِنْهُمَا ، وَمُخَالَفَتِهِمَا أَمْرَهُ الَّذِي أَمَرَهُمَا بِهِ . وَمَا كَانَ مِنْ تَغَمُّدِهِ آدَمَ بِرَحْمَتِهِ إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ . وَمَا كَانَ مِنْ إِحْلَالِهِ بِإِبْلِيسَ مِنْ لَعْنَتِهِ فِي الْعَاجِلِ ، وَإِعْدَادِهِ لَهُ مَا أَعَدَّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُقِيمِ فِي الْآجِلِ ، إِذِ اسْتَكْبَرَ وَأَبَى التَّوْبَةَ إِلَيْهِ وَالْإِنَابَةَ ، مُنَبِّهًا لَهُمْ عَلَى حُكْمِهِ فِي الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ، وَقَضَائِهِ فِي الْمُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الْإِنَابَةِ ، إِعْذَارًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ إِلَيْهِمْ ، وَإِنْذَارًا لَهُمْ ، لِيَتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ مِنْهُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ .

وَخَاصًّا أَهْلَ الْكِتَابِ - بِمَا ذَكَرَ مِنْ قَصَصِ آدَمَ وَسَائِرِ الْقَصَصِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَعَهَا وَبَعْدَهَا ، مِمَّا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَجَهِلَتْهُ الْأُمَّةُ الْأُمِّيَّةُ مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ - بِالِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِمْ - دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ ، الَّذِينَ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِذَلِكَ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِيَعْلَمُوا بِإِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ ، أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مَبْعُوثٌ ، وَأَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ ، إِذْ كَانَ مَا اقْتَصَّ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذِهِ الْقِصَصِ ، مِنْ مَكْنُونِ عُلُومِهِمْ ، وَمَصُونِ مَا فِي كُتُبِهِمْ ، وَخَفِيِّ أُمُورِهِمَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ عِلْمِهَا غَيْرُهُمْ وَغَيْرُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ وَقَرَأَ كُتُبَهُمْ . وَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ كَاتِبًا ، وَلَا لِأَسْفَارِهِمْ تَالِيًا ، وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ مُصَاحِبًا وَلَا مُجَالِسًا ، فَيُمْكِنُهُمْ أَنْ يَدَّعُوا أَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ - فِي تَعْدِيدِهِ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مُقِيمُونَ مِنْ نِعَمِهِ ، مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ ، وَتَرْكِهِمْ شُكْرَهُ عَلَيْهَا بِمَا يَجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 29 ] . فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنَّهُ خَلَقَ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، لِأَنَّ الْأَرَضَ وَجَمِيعَ مَا فِيهَا لِبَنِي آدَمَ مَنَافِعُ .

أَمَّا فِي الدِّينِ ، فَدَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَمَعَاشٌ وَبَلَاغٌ لَهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ . فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَقَوْلُهُ : هُوَ مَكْنِيٌّ مِنَ اسْمِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَائِدٌ عَلَى اسْمِهِ فِي قَوْلِهِ : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَمَعْنَى خَلْقِهِ مَا خَلَقَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ، إِنْشَاؤُهُ عَيْنَهُ ، وَإِخْرَاجُهُ مِنْ حَالِ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ . وَ مَا بِمَعْنَى الَّذِي فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ نُطَفًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ فَجَعَلَكُمْ بَشَرًا أَحْيَاءً ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ، ثُمَّ هُوَ مُحْيِيكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَاعِثِكُمْ يَوْمَ الْحَشْرِ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُوَ الْمُنْعِمُ عَلَيْكُمْ بِمَا خَلَقَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَعَايِشِكُمْ وَأَدِلَّتِكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ رَبِّكُمْ .

وَ كَيْفَ بِمَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالتَّوْبِيخِ ، لَا بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَيْحَكُمْ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ، كَمَا قَالَ : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [ سُورَةُ التَّكْوِيرِ : 26 ] . وَحَلَّ قَوْلُهُ : وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ مَحَلَّ الْحَالِ . وَفِيهِ ضَمِيرُ قَدْ وَلَكِنَّهَا حُذِفَتْ لِمَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا .

وَذَلِكَ أَنْ فَعَلَ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْحَالِ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ قَدْ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 90 ] ، بِمَعْنَى : قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ . وَكَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ : أَصْبَحْتَ كَثُرَتْ مَاشِيَتُكَ ، تُرِيدُ : قَدْ كَثُرَتْ مَاشِيَتُكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : 587 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا نَعَمْ وَاللَّهِ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 281 قراءة

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَنْ يَضْرِبَ أدغمه خلف عن حمزة بغير غنة ، والباقون مع الغنة ، ومثله كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما إلخ . . . كَثِيرًا معا رقق راءهما ورش . بِهِ إِلا هو منفصل وإن لم يكن حرف المد ثابتا رسما فيكفي ثبوته في اللفظ . يُوصَلَ فخم ورش لامه وصلا ، وله عند الوقف وجهان : الترقيق ، والتفخيم ، والثاني أرجح نظرًا لعروض السكون ، وللدلالة على حكم الوصل . الْخَاسِرُونَ رقق راءه ورش . ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وصل ابن كثير هاء الضمير وصلا . وقرأ يعقوب : ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التاء وكسر الجيم على البناء للفاعل ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول . فَسَوَّاهُنَّ وقف يعقوب عليه بهاء السكت ، وغيره بحذفها . وَهُوَ قرأ قالون وأبو جعفر والبصري وعلي بسكون الهاء والباقون بالضم ، ووقف عليه يعقوب بهاء السكت . إِنِّي جَاعِلٌ لا خلاف بين القراء في إسكان يائه . إِنِّي أَعْلَمُ هذه أول ياء إضافة وقعت في القرآن الكريم ، وقد قرأ بفتحها وصلا نافع والمكي والبصري وأبو جعفر وإذا وقفوا أسكنوها كما هو ظاهر ، وقد فرق العلماء بين ياءات الزوائد وياءات الإضافة بفروق ثلاثة : الأول : أن ياءات الإضافة ثابتة في رسم المصاحف بخلاف ياءات الزوائد . الثاني : أن ياءات الإضافة زائدة على الكلمة فلا تكون لامًا لها أبدا فهي كهاء الضمير وكافه . وياءات الزوائد تكون أصلية وزائدة فتجيء لاما للكلمة نحو يَسْرِ و يَوْمَ يَأْتِ و الدَّاعِ و الْمُنَادِ . الثالث : أن الخلاف في ياء الإضافة دائر بين الفتح والإسكان ؛ وفي الزوائد دائر بين الحذف والإثبات . آدَمَ لا يخفى ما فيه لورش من البدل وكذا ما في أَنْبِئُونِي وكذا ما في الأَسْمَاءَ لورش وحمزة وصلا ووقفا . أَنْبِئُونِي فيه لحمزة عند الوقف ثلاثة أوجه : التسهيل بين بين ، والإبدال ياء خالصة . والحذف ولأبي جعفر الحذف في الحالين . هَؤُلاءِ إِنْ فيه همزتان متفقتان من كلمتين ، وقد اختلف فيهما مذاهب القراء ، وإليك بيانها مفصلة . قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى مع المد والقصر ، ووجه المد النظر للأصل ووجه القصر الاعتداد بعارض التسهيل . ومن القواعد المقررة أن كل حرف مد وقع قبل همز مغير بأي نوع من أنواع التغيير يجوز مده على الأصل وقصره رعاية

موقع حَـدِيث