الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا خَبَّرَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْ مَلَائِكَتِهِ ، بِالْأَوْبَةِ إِلَيْهِ ، وَتَسْلِيمِ عِلْمِ مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ لَهُ ، وَتَبِرِّيهِمْ مِنْ أَنْ يَعْلَمُوا أَوْ يَعْلَمَ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا مَا عَلَّمَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ . وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثِ الْعِبْرَةُ لِمَنِ اعْتَبَرَ ، وَالذِّكْرَى لِمَنِ ادَّكَرَ ، وَالْبَيَانُ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ، عَمَّا أَوْدَعَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ آيَ هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ لَطَائِفِ الْحِكَمِ الَّتِي تَعْجِزُ عَنْ أَوْصَافِهَا الْأَلْسُنُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ احْتَجَّ فِيهَا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَنْ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، بِإِطْلَاعِهِ إِيَّاهُ مِنْ عُلُومِ الْغَيْبِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَطْلَعَ عَلَيْهَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَّا خَاصًّا ، وَلَمْ يَكُنْ مُدْرَكًا عِلْمُهُ إِلَّا بِالْإِنْبَاءِ وَالْإِخْبَارِ ، لِتَتَقَرَّرَ عِنْدَهُمْ صِحَّةُ نُبُوَّتِهِ ، وَيَعْلَمُوا أَنَّ مَا أَتَاهُمْ بِهِ فَمِنْ عِنْدِهِ ، وَدَلَّ فِيهَا عَلَى أَنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ خَبَرًا عَمَّا قَدْ كَانَ - أَوْ عَمَّا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ يَكُنْ ، وَلَمْ يَأْتِهِ بِهِ خَبَرٌ ، وَلَمْ يُوضَعْ لَهُ عَلَى صِحَّتِهِ بِرِهَانٌ - فَمُتَقَوِّلٌ مَا يَسْتَوْجِبُ بِهِ مِنْ رَبِّهِ الْعُقُوبَةَ .
أَلَّا تَرَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ رَدَّ عَلَى مَلَائِكَتِهِ قِيلَهُمْ : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ : إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ وَعَرَّفَهُمْ أَنْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا لَهُمْ ، بِمَا عَرَّفَهُمْ مِنْ قُصُورِ عِلْمِهِمْ عِنْدَ عَرْضِهِ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْأَسْمَاءِ ، فَقَالَ : أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَفْزَعٌ إِلَّا الْإِقْرَارُ بِالْعَجْزِ ، وَالتَّبَرِّي إِلَيْهِ أَنْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ ، بِقَوْلِهِمْ : سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلَالَةِ وَأَبْيَنُ الْحُجَّةَ ، عَلَى كَذِبِ مَقَالَةِ كُلِّ مَنِ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عُلُومِ الْغَيْبِ مِنَ الْحُزَاةِ وَالْكَهَنَةِ وَالْعَافَةِ وَالْمُنَجِّمَةِ . وَذَكَّرَ بِهَا الَّذِينَ وَصَفْنَا أَمْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - سَوَالِفَ نِعَمِهِ عَلَى آبَائِهِمْ ، وَأَيَادِيَهُ عِنْدَ أَسْلَافِهِمْ ، عِنْدَ إِنَابَتِهِمْ إِلَيْهِ ، وَإِقْبَالِهِمْ إِلَى طَاعَتِهِ ، مُسْتَعْطِفَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى الرَّشَادِ ، وَمُسْتَعْتِبَهُمْ بِهِ إِلَى النَّجَاةِ . وَحَذَّرَهُمْ - بِالْإِصْرَارِ وَالتَّمَادِي فِي الْبَغْيِ وَالضَّلَالِ - حُلُولَ الْعِقَابِ بِهِمْ ، نَظِيرَ مَا أَحَلَّ بِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ ، إِذْ تَمَادَى فِي الْغَيِّ وَالْخَسَارِ قَالَ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا فَهُوَ كَمَا : 674 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالُوا سُبْحَانَكَ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ يَعْلَمُ الْغَيْبَ غَيْرُهُ ، تُبْنَا إِلَيْكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا تَبَرِّيًا مِنْهُمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ ، إِلا مَا عَلَّمْتَنَا كَمَا عَلَّمْتَ آدَمَ .
وَسُبْحَانَ مُصْدَرٌ لَا تَصَرُّفَ لَهُ . وَمَعْنَاهُ : نُسَبِّحُكَ ، كَأَنَّهُمْ قَالُوا : نُسَبِّحُكَ تَسْبِيحًا ، وَنُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ، وَنُبَرِّئُكَ مِنْ أَنْ نَعْلَمَ شَيْئًا غَيْرَ مَا عَلَّمْتَنَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : أَنَّكَ أَنْتَ يَا رَبَّنَا الْعَلِيمُ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ بِجَمِيعِ مَا قَدْ كَانَ وَمَا وَهُوَ كَائِنٌ ، وَالْعَالِمُ لِلْغُيُوبِ دُونَ جَمِيعِ خَلْقِكَ .
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِقَوْلِهِمْ : لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عِلْمٌ إِلَّا مَا عَلَّمَهُمْ رَبُّهُمْ ، وَأَثْبَتُوا مَا نَفَوْا عَنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ لِرَبِّهِمْ بِقَوْلِهِمْ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْعَالِمَ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ ، إِذْ كَانَ مَنْ سِوَاكَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا إِلَّا بِتَعْلِيمِ غَيْرِهِ إِيَّاهُ . وَالْحَكِيمُ : هُوَ ذُو الْحِكْمَةِ . كَمَا : 675 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلَيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْعَلِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ ، وَ الْحَكِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي حُكْمِهِ .
وَقَدْ قِيلَ ، إِنَّ مَعْنَى الْحَكِيمِ : الْحَاكِمُ ، كَمَا أَنَّ الْعَلِيمَ بِمَعْنَى الْعَالِمِ ، وَالْخَبِيرَ بِمَعْنَى الْخَابِرِ .