حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أُمًّا قَوْلُهُ : وَإِذْ قُلْنَا فَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ كَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، مُعَدِّدًا عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ، وَمُذَكِّرَهُمْ آلَاءَهُ ، عَلَى نَحْوِ الَّذِي وَصَفْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ : اذْكُرُوا فِعْلِي بِكُمْ إِذْ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ . فَخَلَقْتُ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ، وَإِذْ قُلْتُ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ، فَكَرَّمْتُ أَبَاكُمْ آدَمَ بِمَا آتَيْتُهُ مِنْ عِلْمِي وَفَضْلِي وَكَرَامَتِي ، وَإِذْ أَسَجَدْتُ لَهُ مَلَائِكَتِي فَسَجَدُوا لَهُ . ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْ جَمِيعِهِمْ إِبْلِيسَ ، فَدَلَّ بِاسْتِثْنَائِهِ إِيَّاهُ مِنْهُمْ عَلَى أَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ مِمَّنْ قَدْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَهُمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [ سُورَةُ الْأَعْرَافِ : 11 - 12 ] ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ قَدْ أَمَرَ إِبْلِيسَ فِيمَنْ أَمَرَهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِالسُّجُودِ لَآدَمَ .

ثُمَّ اسْتَثْنَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ مِنَ السُّجُودِ لَآدَمَ ، فَأَخْرَجَهُ مِنَ الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا مِنَ الطَّاعَةِ لِأَمْرِهِ ، وَنَفَى عَنْهُ مَا أَثْبَتَهُ لِمَلَائِكَتِهِ مِنَ السُّجُودِ لِعَبْدِهِ آدَمَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ : هَلْ هُوَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، أَمْ هُوَ مَنْ غَيْرِهَا ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : 685 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ الْحِنُّ خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : فَكَانَ اسْمُهُ الْحَارِثُ .

قَالَ : وَكَانَ خَازِنًا مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ . قَالَ : وَخُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ غَيْرَ هَذَا الْحَيِّ . قَالَ : وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِي ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَهُوَ لِسَانُ النَّارِ الَّذِي يَكُونُ فِي طَرَفِهَا إِذَا الْتَهَبَتْ .

686 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ خَلَّادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ عَزَازِيلُ وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلَائِكَةِ اجْتِهَادًا وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا ، فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمَّوْنَ جِنًّا . 687 - وَحَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ مَرَّةً أُخْرَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ خَلَّادٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، أَوْ مُجَاهِدٍ أَبِي الْحَجَّاجِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بِنَحْوِهِ ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : كَانَ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ اسْمُهُ عَزَازِيلُ وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ وَعُمَّارِهَا ، وَكَانَ سُكَّانُ الْأَرْضِ فِيهِمْ يُسَمَّوْنَ الْجِنَّ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ .

688 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَ إِبْلِيسُ عَلَى مُلْكِ سَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ خُزَّانُ الْجَنَّةِ . وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خَازِنًا . 689 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً ، وَكَانَ خَازِنًا عَلَى الْجِنَانِ ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ سَمَاءِ الدُّنْيَا ، وَكَانَ لَهُ سُلْطَانُ الْأَرْضِ .

قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَقَوْلُهُ : كَانَ مِنَ الْجِنِّ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] إِنَّمَا يُسَمَّى بِالْجِنَانِ أَنَّهُ كَانَ خَازِنًا عَلَيْهَا ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ مَكِّيٌّ وَمَدَنِيٌّ وَكُوفِيٌّ وَبَصَرِيٌّ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ : هُمْ سِبْطٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلُهُ ، فَكَانَ اسْمُ قَبِيلَتِهِ الْجِنَّ . 690 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، وَشَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ - أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيلَةً مِنَ الْجِنِّ ، وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهَا ، وَكَانَ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ .

691 - وَحُدِّثْتُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْفَرَجِ ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] ، قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً . ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ الْأَوَّلِ سَوَاءً . 692 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى ، قَالَ : حَدَّثَنِي شَيْبَانُ ، قَالَ حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ رَئِيسَ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا .

693
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] كَانَمِنْ قَبِيلٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ ، وَكَانَ عَلَى خِزَانَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا ، قَالَ : وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ : جَنَّ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ .
694
وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ،فِي قَوْلِهِ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ قَالَ : كَانَ مِنْ قَبِيلٍ مَنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ .
695
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ : أَمَّا الْعَرَبُ فَيَقُولُونَ : مَا الْجِنُّ إِلَّا كُلُّ مَنِ اجْتَنَّ فَلَمْ يُرَ .

وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلَّا إِبْلِيسَ مَنْ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أَيْ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ اجْتَنُّوا فَلَمْ يُرَوْا . وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 158 ] ، وَذَلِكَ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ : إِنَ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ : إِنْ تَكُنِ الْمَلَائِكَةُ بَنَاتِي فَإِبْلِيسُ مِنْهَا ، وَقَدْ جَعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ إِبْلِيسَ وَذُرِّيَّتِهِ نَسَبًا . قَالَ : وَقَدْ قَالَ الْأَعْشَى ، أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْبَكْرِيُّ ، وَهُوَ يَذْكُرُ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ وَمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ : وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ خَالِدًا أَوْ مُعَمَّرًا لَكَانَ سُلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِنَ الدَّهْرِ بَرَاهُ إِلَهِي وَاصْطَفَاهُ عِبَادَهُ وَمَلَّكَهُ مَا بَيْنَ ثُرْيَا إِلَى مِصْرِ وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ قَالَ : فَأَبَتِ الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا إِلَّا أَنَّ الْجِنَّ كُلُّ مَا اجْتَنَّ .

يَقُولُ : مَا سَمَّى اللَّهَ الْجِنَّ إِلَّا أَنَّهُمُ اجْتَنُّوا فَلَمْ يُرَوْا ، وَمَا سَمَّى بَنِي آدَمَ الْإِنْسَ إِلَّا أَنَّهُمْ ظَهَرُوا فَلَمْ يَجْتَنُّوا . فَمَا ظَهَرَ فَهُوَ إِنْسٌ ، وَمَا اجْتَنَّ فَلَمْ يُرَ فَهُوَ جِنٌّ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 696 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ عَوْفٍ ، عَنِ الْحَسَنِ ، قَالَ : مَا كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ ، وَإِنَّهُ لِأَصْلُ الْجِنِّ ، كَمَا أَنَّ آدَمَ أَصْلُ الْإِنْسِ .

697
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَالْجِنِّ أَلْجَأَهُ إِلَى نَسَبِهِ فَقَالَ اللَّهُ : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [ سُورَةُ الْكَهْفِ : 50 ] ، وَهُمْ يَتَوَالَدُونَ كَمَا يَتَوَالَدُ بَنُو آدَمَ .
698
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْيَحْمَدِيُّ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَوَارُ بْنُ الْجَعْدِالْيَحْمَدِيُّ ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ ، قَوْلُهُ : مِنَ الْجِنِّ قَالَ : كَانَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، فَأَسَرَهُ بَعْضُ الْمَلَائِكَةِ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ .
699
وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ ، قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ، عَنْ مُوسَى بْنِنُمَيْرٍ ، وَعُثْمَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَامِلٍ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَقَاتُلُ الْجِنَّ ، فَسُبِيَ إِبْلِيسُ وَكَانَ صَغِيرًا ، فَكَانَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ فَتَعَبَّدَ مَعَهَا ، فَلَمَّا أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لِآدَمَ سَجَدُوا .

فَأَبَى إِبْلِيسُ . فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ : إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ 700 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو الْأَزْهَرِ ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَبِيْلًا يُقَالُ لَهُمُ : الْجِنُّ ، فَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْهُمْ ، وَكَانَ إِبْلِيسُ يَسُوسُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، فَعَصَى ، فَمَسَخَهُ اللَّهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا . 701 - قَالَ : وَحَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : إِبْلِيسُ أَبُو الْجِنِّ ، كَمَا آدَمُ أَبُو الْإِنْسِ .

وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ خَلَقَ إِبْلِيسَ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ، وَمِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَلَمْ يُخْبِرْ عَنِ الْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ خَلَقَهَا مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ - فَقَالُوا : فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى غَيْرِ مَا نَسَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ . قَالُوا : وَلِإِبْلِيسَ نَسْلٌ وَذُرِّيَّةٌ ، وَالْمَلَائِكَةُ لَا تَتَنَاسَلُ وَلَا تَتَوَالَدُ . 702 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِنَ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقًا ، فَقَالَ : اسْجُدُوا لِآدَمَ : فَقَالُوا : لَا نَفْعَلُ .

فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا تُحْرِقُهُمْ ، ثُمَّ خَلَقَ خَلْقًا آخَرَ ، فَقَالَ : إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ ، اسْجُدُوا لِآدَمَ . فَأَبَوْا ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَارًا فَأَحْرَقَتْهُمْ . قَالَ : ثُمَّ خَلَقَ هَؤُلَاءِ ، فَقَالَ : اسْجُدُوا لِآدَمَ .

فَقَالُوا : نَعَمْ . وَكَانَ إِبْلِيسُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ عِلَلٌ تُنْبِئُ عَنْ ضَعْفِ مَعْرِفَةِ أَهْلِهَا .

وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلَقَ أَصْنَافَ مَلَائِكَتِهِ مِنْ أَصْنَافٍ مِنْ خَلْقِهِ شَتَّى . فَخَلَقَ بَعْضًا مِنْ نُورٍ ، وَبَعْضًا مِنْ نَارٍ ، وَبَعْضًا مِمَّا شَاءَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَلَيْسَ فِي تَرْكِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَرَ عَمَّا خَلَقَ مِنْهُ مَلَائِكَتَهُ ، وَإِخْبَارِهِ عَمَّا خَلَقَ مِنْهُ إِبْلِيسَ - مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ إِبْلِيسُ خَارِجًا عَنْ مَعْنَاهُمْ .

إِذْ كَانَ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ خَلَقَ صِنْفًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ مِنْ نَارٍ كَانَ مِنْهُمْ إِبْلِيسُ ، وَأَنْ يَكُونَ أَفْرَدَ إِبْلِيسَ بِأَنْ خَلَقَهُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ دُونَ سَائِرِ مَلَائِكَتِهِ . وَكَذَلِكَ غَيْرُ مُخْرِجِهِ أَنْ يَكُونَ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِأَنْ كَانَ لَهُ نَسْلٌ وَذُرِّيَّةٌ ، لِمَا رَكَّبَ فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ الَّتِي نُزِعَتْ مِنْ سَائِرِ الْمَلَائِكَةِ ، لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ . وَأَمَّا خَبَرُ اللَّهِ عَنْ أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ فَغَيْرُ مَدْفُوعٍ أَنْ يُسَمَّى مَا اجْتَنَّ مِنَ الْأَشْيَاءِ عَنِ الْأَبْصَارِ كُلِّهَا جِنًّا - كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي شِعْرِ الْأَعْشَى - فَيَكُونُ إِبْلِيسُ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْهُمْ ، لِاجْتِنَانِهِمْ عَنْ أَبْصَارِ بَنِي آدَمَ .

الْقَوْلُ فِي مَعْنَى ( إِبْلِيسَ ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِبْلِيسُ إِفْعِيلُ مِنَ الْإِبْلَاسِ ، وَهُوَ الْإِيَاسُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنَّدَمُ وَالْحُزْنُ . كَمَا : 703 - حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : إِبْلِيسُ ، أَبْلَسَهُ اللَّهُ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ ، وَجَعَلَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا عُقُوبَةً لِمَعْصِيَتِهِ . 704 - وَحَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، قَالَ : كَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ الْحَارِثَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِبْلِيسَ حِينَ أَبْلَسَ مُتَحَيِّرًا .

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَكَمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 44 ] ، يَعْنِي بِهِ : أَنَّهُمْ آيِسُونَ مِنَ الْخَيْرِ ، نَادِمُونَ حُزْنًا ، كَمَا قَالَ الْعَجَّاجُ : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسَا وَقَالَ رُؤْبَةُ : وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيسِ الْأَخْمَاسْ وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلَاسْ يَعْنِي بِهِ اكْتِئَابًا وَكُسُوفًا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَإِنْ كَانَ إِبْلِيسُ ، كَمَا قُلْتَ ، إَفْعِيلُ مِنَ الْإِبْلَاسِ ، فَهَلَّا صُرِفَ وَأَجْرِيَ ؟ قِيلَ : تُرِكَ إِجْرَاؤُهُ اسْتِثْقَالًا إِذْ كَانَ اسْمًا لَا نَظِيرَ لَهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَرَبِ ، فَشَبَّهَتْهُ الْعَرَبُ - إِذْ كَانَ كَذَلِكَ - بِأَسْمَاءِ الْعَجَمِ الَّتِي لَا تُجْرَى . وَقَدْ قَالُوا : مَرَرْتُ بِإِسْحَاقَ ، فَلَمْ يُجْرُوهُ .

وَهُوَ مِنْ أَسْحَقَهُ اللَّهُ إِسْحَاقًا إِذْ كَانَ وَقَعَ مُبْتَدَأً اسْمًا لِغَيْرِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَسَمَّتْ بِهِ الْعَرَبُ فَجَرَى مَجْرَاهُ - وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَجَمِ - فِي الْإِعْرَابِ فَلَمْ يُصْرَفْ . وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ إِنَّمَا هُوَ فَيْعُولُ مِنْ آبَ يَؤُوبُ وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : أَبَى يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ إِبْلِيسَ ، أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ فِلْمْ يَسْجُدْ لَهُ . وَاسْتَكْبَرَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ تَعَظَّمَ وَتَكَبَّرَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ فِي السُّجُودِ لِآدَمَ .

وَهَذَا ، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَبَرًا عَنْ إِبْلِيسَ ، فَإِنَّهُ تَقْرِيعٌ لِضُرَبَائِهِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالِانْقِيَادِ لِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ فِيمَا أَوْجَبَ لِبَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الْحَقِّ . وَكَانَ مِمَّنْ تَكَبَّرَ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَالتَّذَلُّلِ لِطَاعَتِهِ ، وَالتَّسْلِيمِ لِقَضَائِهِ فِيمَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ حُقُوقِ غَيْرِهِمْ - الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَحْبَارُهُمُ الَّذِينَ كَانُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ عَارِفِينَ ، وَبِأَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ عَالَمَيْنِ . ثُمَّ اسْتَكْبَرُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ - عَنِ الْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِهِ ، وَالْإِذْعَانِ لِطَاعَتِهِ ، بَغْيًا مِنْهُمْ لَهُ وَحَسَدًا .

فَقَرَّعَهُمُ اللَّهُ بِخَبَرِهِ عَنْ إِبْلِيسَ الَّذِي فَعَلَ فِي اسْتِكْبَارِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ حَسَدًا لَهُ وَبَغْيًا ، نَظِيرَ فِعْلِهِمْ فِي التَّكَبُّرِ عَنِ الْإِذْعَانِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُبُوَّتِهِ ، إِذْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ حَسَدًا وَبَغْيًا . ثُمَّ وَصَفَ إِبْلِيسَ بِمِثْلِ الَّذِي وَصَفَ بِهِ الَّذِينَ ضَرَبَهُ لَهُمْ مَثَلًا فِي الِاسْتِكْبَارِ وَالْحَسَدِ وَالِاسْتِنْكَافِ عَنِ الْخُضُوعِ لِمَنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْخُضُوعِ لَهُ ، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَانَ يَعْنِي إِبْلِيسَ مِنَ الْكَافِرِينَ مِنَ الْجَاحِدِينَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَيَادِيَهُ عِنْدَهُ ، بِخِلَافِهِ عَلَيْهِ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ ، كَمَا كَفَرَتِ الْيَهُودُ نِعَمَ رَبِّهَا الَّتِي آتَاهَا وَآبَاءَهَا قَبْلُ : مِنْ إِطْعَامِ اللَّهِ أَسْلَافَهُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ، وَإِظْلَالِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ ، وَمَا لَا يُحْصَى مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ ، خُصُوصًا مَا خَصَّ الَّذِينَ أَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِدْرَاكِهِمْ إِيَّاهُ ، وَمُشَاهَدَتِهِمْ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، فَجَحَدَتْ نُبُوَّتَهُ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ ، وَمَعْرِفَتِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا . فَنَسَبَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى الْكَافِرِينَ فَجَعَلَهُ مِنْ عِدَادِهِمْ فِي الدِّينِ وَالْمِلَّةِ ، وَإِنْ خَالَفَهُمْ فِي الْجِنْسِ وَالنِّسْبَةِ .

كَمَا جَعَلَ أَهْلَ النِّفَاقِ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ ، لِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى النِّفَاقِ ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْسَابُهُمْ وَأَجْنَاسُهُمْ ، فَقَالَ : الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 67 ] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي النِّفَاقِ وَالضَّلَالِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي إِبْلِيسَ : كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، كَانَ مِنْهُمْ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَهُ ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا جِنْسُهُ أَجْنَاسَهُمْ وَنَسَبُهُ نَسَبَهُمْ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أَنَّهُ كَانَ - حِينَ أَبَى عَنِ السُّجُودِ - مِنَ الْكَافِرِينَ حِينَئِذٍ .

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَكَانَ مِنَ الْعَاصِينَ . 705 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ : وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ يَعْنِي الْعَاصِينَ . 706 - وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ ، قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، بِمِثْلِهِ .

وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِمَعْنَى قَوْلِنَا فِيهِ . وَكَانَ سُجُودُ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ تَكْرِمَةً لِآدَمَ وَطَاعَةً لِلَّهِ ، لَا عِبَادَةً لِآدَمَ ، كَمَا : 707 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ : قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَكَانَتِ الطَّاعَةُ لِلَّهِ ، وَالسَّجْدَةُ لِآدَمَ ، أَكْرَمَ اللَّهُ آدَمَ أَنَّ أَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ . .

القراءات1 آية
سورة البقرة آية 343 قراءة

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    مصطلح الكتاب إذا قلت : المدنيان ، فالمراد نافع وأبو جعفر ، وإذا قلت : البصريان فالمراد أبو عمرو ويعقوب ، وإذا قلت : الأخوان فالمراد حمزة والكسائي ، وإذا قلت الكوفيون فالمراد عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وإذا قلت الأصحاب فالمراد حمزة والكسائي وخلف ، وإذا وافق خلف في اختياره حمزة لا أقيده ، وإذا خالفه قيدته بقولي في اختياره أو عن نفسه أو العاشر ؛ خوفا من اللبس أما في روايته عن حمزة فلا بد من تقييده بقولي : قرأ أو روى خلف عن حمزة وإذا اختلفت رواية الدوري عن أبي عمرو عن روايته عن الكسائي قيدته بقولي دوري أبي عمرو أو دوري الكسائي كقولي في الكلام على الممال : النَّاسِ بالإمالة لدوري أبي عمرو أو لدوري البصري ، و رُؤْيَاكَ لدوري الكسائي خوفا من اللبس أيضا ، أما إذا اتفقت روايته عن أبي عمرو مع روايته عن الكسائي ، وذلك إذا ذكر معطوفا على أبي عمرو فلا أقيده كقولي في الممال الْكَافِرِينَ للبصري والدوري لأمن اللبس حينئذ لأن عطفه على البصري دليل على أن المراد به دوري الكسائي . كذلك لا أقيده إذا كانت له روايتان مختلفتان عن أبي عمرو كقولي في المدغم نَغْفِرْ لَكُمْ للبصري بخلف عن الدوري ، لوضوح المراد به حينئذ وهو دوري أبي عمرو . وإذا قلت في بيان المدغم : وقد وافقه على إدغام كذا من الكلمات فلان فمرجع الضمير في وافقه يعود على الإمام السوسي لأنه أصبح من البدهيات عند المشتغلين بهذا الفن أنه صاحب الإدغام والأصل فيه هو السوسي . والله تعالى أعلم .

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    أَنْ يَضْرِبَ أدغمه خلف عن حمزة بغير غنة ، والباقون مع الغنة ، ومثله كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وما إلخ . . . كَثِيرًا معا رقق راءهما ورش . بِهِ إِلا هو منفصل وإن لم يكن حرف المد ثابتا رسما فيكفي ثبوته في اللفظ . يُوصَلَ فخم ورش لامه وصلا ، وله عند الوقف وجهان : الترقيق ، والتفخيم ، والثاني أرجح نظرًا لعروض السكون ، وللدلالة على حكم الوصل . الْخَاسِرُونَ رقق راءه ورش . ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وصل ابن كثير هاء الضمير وصلا . وقرأ يعقوب : ( تَرْجِعُونَ ) بفتح التاء وكسر الجيم على البناء للفاعل ، والباقون بضم التاء وفتح الجيم على البناء للمفعول . فَسَوَّاهُنَّ وقف يعقوب عليه بهاء السكت ، وغيره بحذفها . وَهُوَ قرأ قالون وأبو جعفر والبصري وعلي بسكون الهاء والباقون بالضم ، ووقف عليه يعقوب بهاء السكت . إِنِّي جَاعِلٌ لا خلاف بين القراء في إسكان يائه . إِنِّي أَعْلَمُ هذه أول ياء إضافة وقعت في القرآن الكريم ، وقد قرأ بفتحها وصلا نافع والمكي والبصري وأبو جعفر وإذا وقفوا أسكنوها كما هو ظاهر ، وقد فرق العلماء بين ياءات الزوائد وياءات الإضافة بفروق ثلاثة : الأول : أن ياءات الإضافة ثابتة في رسم المصاحف بخلاف ياءات الزوائد . الثاني : أن ياءات الإضافة زائدة على الكلمة فلا تكون لامًا لها أبدا فهي كهاء الضمير وكافه . وياءات الزوائد تكون أصلية وزائدة فتجيء لاما للكلمة نحو يَسْرِ و يَوْمَ يَأْتِ و الدَّاعِ و الْمُنَادِ . الثالث : أن الخلاف في ياء الإضافة دائر بين الفتح والإسكان ؛ وفي الزوائد دائر بين الحذف والإثبات . آدَمَ لا يخفى ما فيه لورش من البدل وكذا ما في أَنْبِئُونِي وكذا ما في الأَسْمَاءَ لورش وحمزة وصلا ووقفا . أَنْبِئُونِي فيه لحمزة عند الوقف ثلاثة أوجه : التسهيل بين بين ، والإبدال ياء خالصة . والحذف ولأبي جعفر الحذف في الحالين . هَؤُلاءِ إِنْ فيه همزتان متفقتان من كلمتين ، وقد اختلف فيهما مذاهب القراء ، وإليك بيانها مفصلة . قرأ قالون والبزي بتسهيل الأولى مع المد والقصر ، ووجه المد النظر للأصل ووجه القصر الاعتداد بعارض التسهيل . ومن القواعد المقررة أن كل حرف مد وقع قبل همز مغير بأي نوع من أنواع التغيير يجوز مده على الأصل وقصره رعاية

  • البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة

    قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ ، يُؤْمِنُونَ ، الآخِرِ ، وَيَأْمُرُونَ ، فِي الْخَيْرَاتِ ، كله جلي . يَفْعَلُوا . يُكْفَرُوهُ قرأ حفص والأخوان وخلف بياء الغيبة فيهما والباقون بتاء الخطاب فيهما ، ولا تنس صلة المكي لهاء تكفروه . صِرٌّ رقق ورش راءه في الحالين وغيره في الوقف دون الوصل . هَا أَنْتُمْ أُولاءِ تقدم نظيره قريبا غير أن هذا فيه زيادة وجه وهو مد الميم مع الصلة لوقوع همزة أُولاءِ بعدها فلقالون فيه خمسة أوجه وبيانها كالآتى قصر هأنتم مع التسهيل وعليه في الميم السكون والصلة مع القصر والمد فتصير ثلاثة . ثم مدها وعليه في الميم السكون والصلة مع المد وهذان وجهان يضمان إلى الثلاثة الأولى فيكون المجموع خمسة ولا يجوز مدها مع الصلة والقصر وقد عرفت وجه ذلك فيما مضى . تَسُؤْهُمْ لا إبدال فيه إلا لأبي جعفر مطلقا ولحمزة إن وقف . لا يَضُرُّكُمْ قرأ نافع والمكي والبصريان بكسر الضاد وجزم الراء والباقون بضم الضاد ورفع الراء مشددة . مُنْـزَلِينَ قرأ الشامي بفتح النون وتشديد الزاي والباقون بسكون النون وتخفيف الزاي . تَصْبِرُوا رقق ورش الراء . مُسَوِّمِينَ قرأ المكي والبصريان وعاصم بكسر الواو والباقون بفتحها . مُضَاعَفَةً قرأ المكي والشامي وأبو جعفر ويعقوب بحذف الألف وتشديد العين والباقون بإثبات الألف وتخفيف العين . تُرْحَمُونَ آخر الربع . الممال وَيُسَارِعُونَ بالإمالة لدوري الكسائي وحده ولا تقليل فيه لورش ، النَّارِ للبصري والدوري بالإمالة وبالتقليل لورش . الْكَافِرِينَ بالإمالة للبصري والدوري ورويس والتقليل لورش . الدُّنْيَا بالإمالة للأصحاب والتقليل للبصري وورش بخلف عنه . بُشْرَى بالإمالة للأصحاب والبصري وبالتقليل لورش . بَلَى بالإمالة للأصحاب

موقع حَـدِيث