الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّ إِبْلِيسَ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ بَعْدَ الِاسْتِكْبَارِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ ، وَأُسْكِنَهَا آدَمُ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إِبْلِيسُ إِلَى الْأَرْضِ . أَلَّا تَسْمَعُونَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُولُ : ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ إِبْلِيسَ إِنَّمَا أَزَلَّهُمَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لُعِنَ وَأَظْهَرَ التَّكَبُّرَ ، لِأَنَّ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ لِآدَمَ كَانَ بَعْدَ أَنْ نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ ، وَحِينَئِذٍ كَانَ امْتِنَاعُ إِبْلِيسَ مِنَ السُّجُودِ لَهُ ، وَعِنْدَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ حَلَّتْ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ . كَمَا : 708 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ أَقْسَمَ بِعِزَّةِ اللَّهِ لِيُغْوِيَنَّ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ وَزَوْجَهُ ، إِلَّا عِبَادَهُ الْمُخْلَصِينَ مِنْهُمْ ، بَعْدَ أَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَبَعْدَ أَنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ ، وَقَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ إِلَى الْأَرْضِ .
وَعَلَّمَ اللَّهُ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا . 709 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ إِبْلِيسَ وَمُعَاتَبَتِهِ ، وَأَبَى إِلَّا الْمَعْصِيَةَ وَأَوْقَعَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةَ ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، فَقَالَ : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْحَالِ الَّتِي خُلِقَتْ لِآدَمَ زَوْجَتُهُ ، وَالْوَقْتِ الَّذِي جُعِلَتْ لَهُ سَكَنًا . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمَا : 710 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأُخْرِجَ إِبْلِيسُ مِنَ الْجَنَّةِ حِينَ لُعِنَ ، وَأُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ .
فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحْشًا لَيْسَ لَهُ زَوْجٌ يَسْكُنُ إِلَيْهَا ، فَنَامَ نَوْمَةً فَاسْتَيْقَظَ ، وَإِذَا عِنْدَ رَأْسِهِ امْرَأَةٌ قَاعِدَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ ، فَسَأَلَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ : امْرَأَةٌ . قَالَ : وَلِمَ خَلِقْتِ ؟ قَالَتْ : تَسْكُنُ إِلَيَّ . قَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ - يَنْظُرُونَ مَا بَلَغَ عِلْمُهُ : مَا اسْمُهَا يَا آدَمُ ؟ قَالَ : حَوَّاءُ .
قَالُوا : وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاءُ ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ شَيْءٍ حَيٍّ . فَقَالَ اللَّهُ لَهُ : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا فَهَذَا الْخَبَرُ يُنْبِئُ أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ بَعْدَ أَنْ سَكَنَ آدَمُ الْجَنَّةَ ، فَجُعِلَتْ لَهُ سَكَنًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ خُلِقَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ آدَمُ الْجَنَّةَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 711 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ مُعَاتَبَةِ إِبْلِيسَ ، أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَقَالَ : يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ إِلَى قَوْلِهِ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ : ثُمَّ أَلْقَى السِّنَةَ عَلَى آدَمَ - فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ - ثُمَّ أَخَذَ ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ مِنْ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ ، وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا ، وَآدَمُ نَائِمٌ لَمْ يَهُبَّ مِنْ نَوْمَتِهِ ، حَتَّى خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ضِلْعِهِ تِلْكَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ ، فَسَوَّاهَا امْرَأَةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا . فَلَمَّا كُشِفَ عَنْهُ السِّنَةُ وَهَبَّ مِنْ نَوْمَتِهِ ، رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ ، فَقَالَ ، فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ : لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي ، فَسَكَنَ إِلَيْهَا . فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ ، قَالَ لَهُ ، قُبَيْلًا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَيُقَالُ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ : زَوْجُهُ وَزَوْجَتُهُ ، وَالزَّوْجَةُ بِالْهَاءِ أَكْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْهَا بِغَيْرِ الْهَاءِ .
وَالزَّوْجُ بِغَيْرِ الْهَاءِ يُقَالُ إِنَّهُ لُغَةٌ لِأَزْدِ شَنُوءَةَ . فَأَمَّا الزَّوْجُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعَرَبِ ، فَهُوَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : أُمًّا الرَّغَدُ ، فَإِنَّهُ الْوَاسِعُ مِنَ الْعَيْشِ ، الْهَنِيءُ الَّذِي لَا يَعْنِي صَاحِبُهُ .
715 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا أَيْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ . 716 - وَحُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ بْنِ الْحَارِثِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا قَالَ : الرَّغَدُ : سَعَةُ الْمَعِيشَةِ . فَمَعْنَى الْآيَةِ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ، وَكُلَا مِنَ الْجَنَّةِ رِزْقًا وَاسِعًا هَنِيئًا مِنَ الْعَيْشِ حَيْثُ شِئْتُمَا .
717 - كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، قَوْلُهُ : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ثُمَّ إِنَّ الْبَلَاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الْخَلْقِ ، كُتِبَ عَلَى آدَمَ ، كَمَا ابْتُلِيَ الْخَلْقُ قَبْلَهُ ، أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَحَلَّ لَهُ مَا فِي الْجَنَّةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءَ ، غَيْرَ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ نُهِيَ عَنْهَا ، وَقُدِّمَ إِلَيْهِ فِيهَا ، فَمَا زَالَ بِهِ الْبَلَاءُ حَتَّى وَقَعَ بِالَّذِي نُهِيَ عَنْهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالشَّجَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ : كُلُّ مَا قَامَ عَلَى سَاقٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ [ سُورَةُ الرَّحْمَنِ : 6 ] ، يَعْنِي بِالنَّجْمِ مَا نَجَمَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ نَبْتٍ ، وَبِالشَّجَرِ مَا اسْتَقَلَّ عَلَى سَاقٍ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي عَيْنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ أَكْلِ ثَمَرِهَا آدَمُ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ السُّنْبُلَةُ .
وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ يَقُولُونَ : هِيَ الْبُرُّ . 727 - وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ : أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّهَا الشَّجَرَةُ الَّتِي تَحْتَكُّ بِهَا الْمَلَائِكَةُ لِلْخُلْدِ . 728 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رِفَاعَةَ ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ ، قَالَ : هِيَ السُّنْبُلَةُ .
739 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : عِنَبٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ التِّينَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 740 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تِينَةٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ أَنَّ آدَمَ وَزَوْجَهُ أَكَلَا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمَا رَبُّهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا ، فَأَتَيَا الْخَطِيئَةَ الَّتِي نَهَاهُمَا عَنْ إِتْيَانِهَا بِأَكْلِهِمَا مَا أَكَلَا مِنْهَا ، بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمَا عَيْنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نَهَاهُمَا عَنِ الْأَكْلِ مِنْهَا ، وَأَشَارَ لَهُمَا إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلَمْ يَضَعِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْقُرْآنِ ، دَلَالَةً عَلَى أَيِّ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ كَانَ نَهْيُهُ آدَمَ أَنْ يَقْرَبَهَا ، بِنَصٍّ عَلَيْهَا بِاسْمِهَا ، وَلَا بِدَلَالَةٍ عَلَيْهَا . وَلَوْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْعِلْمِ بِأَيِّ ذَلِكَ مِنْ أَيٍّ رِضًا ، لَمْ يُخَلِّ عِبَادَهُ مِنْ نَصْبِ دَلَالَةٍ لَهُمْ عَلَيْهَا يَصِلُونَ بِهَا إِلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِهَا ، لِيُطِيعُوهُ بِعِلْمِهِمْ بِهَا ، كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا بِالْعِلْمِ بِهِ لَهُ رِضًا . فَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ دُونَ سَائِرِ أَشْجَارِهَا ، فَخَالَفَا إِلَى مَا نَهَاهُمَا اللَّهُ عَنْهُ ، فَأَكَلَا مِنْهَا كَمَا وَصَفَهُمَا اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ .
وَلَا عِلْمَ عِنْدِنَا أَيُّ شَجَرَةٍ كَانَتْ عَلَى التَّعْيِينِ ، لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ لِعِبَادِهِ دَلِيلًا عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا فِي السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ . فَأَنَّى يَأْتِي ذَلِكَ ؟ وَقَدْ قِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ الْبُرِّ ، وَقِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ الْعِنَبِ ، وَقِيلَ : كَانَتْ شَجَرَةَ التِّينِ ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا ، وَذَلِكَ عِلْمٌ ، إِذَا عُلِمَ لَمْ يَنْفَعِ الْعَالِمَ بِهِ عِلْمُهُ ، وَإِنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ لَمْ يَضُرَّهُ جَهْلُهُ بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، فَإِنَّكُمَا إِنْ قَرَبْتُمَاهَا كُنْتُمَا مِنَ الظَّالِمِينَ .
فَصَارَ الثَّانِي فِي مَوْضِعِ جَوَابِ الْجَزَاءِ . وَجَوَابُ الْجَزَاءِ يَعْمَلُ فِيهِ أَوَّلُهُ ، كَقَوْلِكَ : إِنْ تَقُمْ أَقُمْ ، فَتَجْزِمُ الثَّانِيَ بِجَزْمِ الْأَوَّلِ . فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فَتَكُونَا لَمَّا وَقَعَتِ الْفَاءُ فِي مَوْضِعِ شَرْطِ الْأَوَّلِ نُصِبَ بِهَا ، وَصُيِّرَتْ بِمَنْزِلَةِ كَيْ فِي نَصْبِهَا الْأَفْعَالَ الْمُسْتَقْبِلَةَ ، لِلُزُومِهَا الِاسْتِقْبَالَ .
إِذْ كَانَ أَصْلُ الْجَزَاءِ الِاسْتِقْبَالَ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : تَأْوِيلُ ذَلِكَ : لَا يَكُنْ مِنْكُمَا قُرْبُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَأَنْ تَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ . غَيْرَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَنْ غَيْرُ جَائِزٍ إِظْهَارُهَا مَعَ لَا وَلَكِنَّهَا مُضْمَرَةٌ لَا بُدَّ مِنْهَا ، لِيَصِحَّ الْكَلَامُ بِعَطْفِ اسْمٍ - وَهِيَ أَنْ - عَلَى الِاسْمِ .
كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ فِي قَوْلِهِمْ : عَسَى أَنْ يَفْعَلَ عَسَى الْفِعْلُ . وَلَا فِي قَوْلِكَ : مَا كَانَ لِيَفْعَلَ : مَا كَانَ لِأَنْ يَفْعَلَ . وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي يُفْسِدُهُ إِجْمَاعُ جَمِيعِهِمْ عَلَى تَخْطِئَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ : سَرَّنِي تَقُومُ يَا هَذَا وَهُوَ يُرِيدُ سَرَّنِي قِيَامُكَ .
فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ قَوْلُ الْقَائِلِ : لَا تَقُمْ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى : لَا يَكُنْ مِنْكَ قِيَامٌ . وَفِي إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ : لَا تَقُمْ وَفَسَادِ قَوْلِ الْقَائِلِ : سَرَّنِي تَقُومُ بِمَعْنَى سَرَّنِي قِيَامُكَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى فَسَادِ دَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّ مَعَ لَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ضَمِيرَ أَنْ وَصِحَّةِ الْقَوْلِ الْآخَرِ . وَفِي قَوْلِهِ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ فَتَكُونَا فِي نِيَّةِ الْعَطْفِ عَلَى قَوْلِهِ وَلَا تَقْرَبَا فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ وَلَا تَكَونَا مِنَ الظَّالِمِينَ .
فَيَكُونُ فَتَكُونَا حِينَئِذٍ فِي مَعْنَى الْجَزْمِ مَجْزُومًا بِمَا جُزِمَ بِهِ وَلَا تَقْرَبَا كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : لَا تُكَلِّمْ عَمْرًا وَلَا تُؤْذِهِ ، وَكَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فُقُلْتُ لَهُ : صَوِّبْ وَلَا تَجْهَدَنَّهُ فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى الْقَطَاةِ فَتَزْلَقِ فَجَزَمَ فَيُذْرِكَ بِمَا جَزَمَ بِهِ لَا تَجْهَدَنَّهُ كَأَنَّهُ كَرَّرَ النَّهْيَ . وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ بِمَعْنَى جَوَابِ النَّهْيِ . فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ حِينَئِذٍ : لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، فَإِنَّكُمَا إِنْ قَرَبْتُمَاهَا كُنْتُمَا مِنَ الظَّالِمِينَ .
كَمَا تَقُولُ : لَا تَشْتُمْ عَمْرًا فَيَشْتُمَكَ ، مُجَازَاةً . فَيَكُونُ فَتَكُونَا حِينَئِذٍ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، إِذْ كَانَ حَرْفًا عُطِفَ عَلَى غَيْرِ شَكْلِهِ ، لَمَّا كَانَ فِي وَلَا تَقْرَبَا حَرْفٌ عَامِلٌ فِيهِ ، وَلَا يَصْلُحُ إِعَادَتُهُ فِي فَتَكُونَا فَنَصَبَ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ فَتَكُونَا مِنَ الْمُتَعَدِّينَ إِلَى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُمْ وَأُبِيحَ لَهُمْ فِيهِ ، وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ أَنَّكُمَا إِنْ قَرُبْتُمَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ، كُنْتُمَا عَلَى مِنْهَاجِ مَنْ تَعَدَّى حُدُودِي ، وَعَصَى أَمْرِي ، وَاسْتَحَلَّ مَحَارِمِي ، لِأَنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ .
وَأَصْلُ الظُّلْمِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : إِلَّا أُوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ فَجَعَلَ الْأَرْضَ مَظْلُومَةً ، لِأَنَّ الَّذِي حَفَرَ فِيهَا النُّؤْيَ حَفَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْحَفْرِ ، فَجَعَلَهَا مَظْلُومَةً ، لِمَوْضِعِ الْحُفْرَةِ مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ قَمِيئَةَ فِي صِفَةِ غَيْثٍ : ظَلَمَ الْبِطَاحَ بِهَا انْهِلَالُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ لَهُ بُعَيْدَ الْمُقْلَعِ وَظُلْمُهُ إِيَّاهُ : مَجِيئُهُ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ ، وَانْصِبَابُهُ فِي غَيْرِ مَصَبِّهِ . وَمِنْهُ : ظُلْمُ الرَّجُلِ جَزُورَهُ ، وَهُوَ نَحْرُهُ إِيَّاهُ لِغَيْرِ عِلَّةٍ .
وَذَلِكَ عِنْدَ الْعَرَبِ وَضْعُ النَّحْرِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ . وَقَدْ يَتَفَرَّعُ الظُّلْمُ فِي مَعَانٍ يَطُولُ بِإِحْصَائِهَا الْكِتَابُ ، وَسَنُبَيِّنُهَا فِي أَمَاكِنِهَا إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَصَفْنَا مِنْ وَضْعِ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ .