الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْبِرِّ الَّذِي كَانَ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ ، بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ لِلَّهِ فَهِيَ تُسَمَّى بِرًّا . فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا : - 840 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْعُهْدَةِ مِنَ التَّوْرَاةِ ، وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ : أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي ، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي ، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي . 841 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ يَقُولُ : أَتَأْمَرُونَ النَّاسَ بِالدُّخُولِ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ إِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 845 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَانَ إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَسْأَلُهُمْ مَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌ وَلَا رِشْوَةٌ وَلَا شَيْءٌ ، أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ . فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ 846 - وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ الْجَرْمِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ، عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، فِي قَوْلِ اللَّهِ : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ قَالَ : قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : لَا يَفَقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الْفِقْهِ حَتَّى يَمْقُتَ النَّاسَ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيَكُونَ لَهَا أَشَدَّ مَقْتًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَجَمِيعُ الَّذِي قَالَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مُتَقَارِبُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُمْ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْبِرِّ الَّذِي كَانَ الْقَوْمُ يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ ، الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ ، فَهُمْ مُتَّفِقُونَ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِمَا لِلَّهِ فِيهِ رِضًا مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ ، وَيُخَالِفُونَ مَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ بِأَفْعَالِهِمْ .
فَالتَّأْوِيلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ إِذًا : أَتَأْمَرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ تَعْصِيهِ ؟ فَهَلَّا تَأْمُرُونَهَا بِمَا تَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ مِنْ طَاعَةِ رَبِّكُمْ ؟ مُعَيِّرُهُمْ بِذَلِكَ ، وَمُقَبِّحًا إِلَيْهِمْ مَا أَتَوْا بِهِ . وَمَعْنَى نِسْيَانِهِمْ أَنْفُسَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَظِيرُ النِّسْيَانِ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [ التَّوْبَةِ : 67 ] بِمَعْنَى : تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِنْ ثَوَابِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( تَتْلُونَ ) : تَدْرُسُونَ وَتَقْرَءُونَ .
كَمَا : - 847 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرٌ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ، يَقُولُ : تَدْرُسُونَ الْكِتَابَ بِذَلِكَ . وَيَعْنِي بِالْكِتَابِ : التَّوْرَاةَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ( 44 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) أَفَلَا تَفْقَهُونَ وَتَفْهَمُونَ قُبْحَ مَا تَأْتُونَ مِنْ مَعْصِيَتِكُمْ رَبَّكُمُ الَّتِي تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِخِلَافِهَا وَتَنْهَوْنَهُمْ عَنْ رُكُوبِهَا وَأَنْتُمْ رَاكِبُوهَا ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ ، مِثْلُ الَّذِي عَلَى مَنْ تَأْمُرُونَهُ بِاتِّبَاعِهِ .
كَمَا : 848 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ عَنِ الضَّحَّاكِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) يَقُولُ : أَفَلَا تَفْهَمُونَ ؟ فَنَهَاهُمْ عَنْ هَذَا الْخُلُقِ الْقَبِيحِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَمْرِ أَحْبَارِ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرَهُمْ بِاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ : هُوَ مَبْعُوثٌ إِلَى غَيْرِنَا ! كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ .